مـــــــــــنــــــــــــــــتـــــــــــــــدى حـــــــــــــبـــــــــــــــــيـــــــبـــــة

تعليمي ثقافي شامل


قصة وإسلاماه بالتعديل

شاطر
avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 534
نقاط : 1221
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 43

قصة وإسلاماه بالتعديل

مُساهمة من طرف أ-رمضان في الأربعاء أكتوبر 18, 2017 8:02 pm

الفصل الأول
قال السلطان جلال الدين ذات ليلة للأمير ممدود ابن عمه وزوج أخته ، وكان يُلاعبه الشطرنج في قصره بغزنة : "غفر الله لأبي وسامحه ! ما كان أغناه عن التحرش بهذه القبائل التترية المتوحشة ، إذن لبقيت تائهة في جبال الصين وقفارها ، ولظل بيننا وبينهم سد منيع " .
قال ممدود:- حسبه أنه جاد بنفسه في سبيل الدفاع عن بلاد الإسلام فقد ظل يقاتلهم ويجالدهم جلادًا لا هوادة فيه ، إلى أن كبا به الحظ ، فمات شريدًا وحيدًا في جزيرة نائية .
- ليت الأمر ينتهي عند جوده بنفسه ، إذن لبكينا ملكًا عظيمًا عز علينا فراقه ، واحتسبناه عند الله والدًا كريمًا آلمنا فقده .
ولكن لتصرفه هذا ذيولاً لا أحسبها تنتهي فهؤلاء التتار رسل الدمار والخراب ، وطلائع الفساد ، لا يدخلون مدينة حتى يدمروها ويأتوا فيها على الأخضر واليابس ، ولا يتمكنون من أمة حتى يقتلوا رجالها ، ويذبحوا أطفالها ، ويبقروا بطون حواملها ، ويهتكوا أعراض نسائها ...
وهنا طغى البكاء على جلال الدين ، وعاقه برهة عن الاستمرار في كلامه ، ففهم ممدود ما جال بخاطره ، ولم يلبث أن شاركه في البكاء فانخرطا فيه ، وما كان بكاؤهما لأمر هين ، فقد تذاكرا ما وقع لنسوة من أهلهما فيهن أم خوارزم شاه وأخواته ، فقد بعثهن خوارزم شاه من " الري " ، حين تفرق عنه عسكره وأيقن بالهزيمة ، ليلحقن بجلال الدين في غزنة ، وبعث معهن أمواله وذخائره ، التي لم يسمع بمثلها ، فاتصل ذلك بعلم التتار فتعقبوهن وقبضوا عليهن في الطريق، فأرسلوهن مع الذخائر والأموال إلى جنكيز خان بسمرقند . ومسح جلال الدين دموعه وطفق يقول : " أواه يا ممدود ، ليس في الدنيا مصيبة أعظم من مصيبتنا ، أبعد العز الرفيع ، والحجاب المنيع ، تساق والدة خوارزم شاه وأخواته إلى طاغية التتار. كل فاجعة في الحياة تهون إلا هذه ، أية لذة تبقي في العيش بعد "تركان خاتون" ؟ ليت شعري ما حالهن هناك ؟ كيف يعشن بين أولئك الوحوش ! .
يا ليت أبي قتلهن بيده ، أو وأدهن في التراب ، أو ألقاهن في اليم ، خيرًا من أن يقعن سبايا في أيدي القوم ، ويلقين الذل والهوان عندهم .
وما أشك أنه مات في الجزيرة غمًا حين بلغه أمرهن .
- الله لهن يا مولاي ! لعل الله يستنقذهن من أيديهم بسيفك وسيوفنا معك .
- هيهات يا ممدود ! أبعد أن دانت لهم خراسان كلها ، ودخلوا الري ، وملكوا همدان ، نطمع في أن نغلبهم بسيوفنا ونجليهم عن بلادنا ؟ لقد كان لوالدي عشرون ألفا من الفرسان في بخاري ، وخمسون ألفًا في سمرقند ، وأضعافها معه فما أغنت تلك الجحافل الجرارة عنه شيئًا ، وهو من هو في شجاعته وبأسه ، ونفوذه وصرامته ، فما ظنك بي وأنا دونه في كل شيء ، وقد قوي التتار وعظم سلطانهم في البلاد .
- إنك ابن خوارزم شاه ، ووارث ملكه وخليفته على بلاده وما يكون لك أن تيأس من هزيمة عدوه ، وطرده من بلاد رعاياه .
ولقد كانت الحرب بين أبيك وبين هؤلاء سجالاً ، فتارة يهزمهم وتارة يهزمونه ، حتى نفذ القضاء فيه لأمر طواه الله في علمه ، فمات شهيدًا في جزيرة نائية ، ولكن لم يمت سره فهو حي فيك ، ومن يدري لعل الله ينصر بك الإسلام والمسلمين ، ويجعل نهاية الأعداء على يديك .
إن خليفة المسلمين ، وملوكهم وأمراءهم في بغداد ومصر والشام ، يعلمون بما حصل ببلادنا من نكبة التتار ، وقد استنجد بهم أبي مرارًا فلم ينجدوه ولم يصغوا لندائه ، فدعهم يذوقوا من وبالهم ما ذقنا ، وحسبي أني أحصن حدود بلادي وأمنعها منهم وأدفع شرهم عنها فلا أدعهم يخلصون إليها .
- إنك لن تستطيع حماية بلادك منهم إذا غزوك في عقرها ما لم تمش إليهم فتلقهم دونها بمئات الفراسخ ، فإن أظهرك الله عليهم فذاك وإن تكن الأخرى كان لك من بلادك ظهر تستند فيه وبعد فإن جنكيز خان لن يتوجه إلى الغرب حتى يفرغ من الشرق ، ولم يمس العراق والشام حتى يقضي على ممالك خوارزم شاه أجمعها .
فأطرق جلال الدين هنيهة ، وطفق يفرك جبينه بيده وكأنه يدير في رأسه موازنة بين رأيه ورأي ابن عمه ، ثم رفع رأسه وقال : " لا حرمني الله صائب رأيك يا ممدود ، فما زلت تحاجني حتى حججتني ، وهأنذا مقتنع بسداد رأيك، وماض لما تشير به على ، وحسبي أنك ستكون يدي اليمني فيما أنهض به من الأمر " .
- سأكون يا بن عمي ويا مولاي أطوع لك من خاتم في يدك ، وسأقاتل حتى أقتل دونك .
- إنك لم تدع لي في قتال هؤلاء عذرًا يا ممدود ، رحم الله أبي ، لقد ورثني ملكًا لا يغبط صاحبه عليه ، وحملني عبئًا ثقيلاً .
- سيكون لك من معونة الله وتوفيقه ، إذا أخلصت الجهاد في سبيله ، ما يشرح لك صدرك ، ويضع عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ، ويرفع لك بهزيمة التتار ، عند الله وعند الناس ذكرك !
فتبسم جلال الدين ، وتهللت أساريره من البشر، وقال : " بشرك الله بالخير يا ممدود " ، إن الله تعالي يقول
" فإن مع العسر يسرًا ، إن مع العسر يسرًا ، فإذا فرغت فانصب ، وإلي ربك فارغب " .
ثم رفع يديه إلى السماء وقال : " اللهم إني أرغب إليك فوقفني لما تحبه وترضاه " .
وتذكر جلال الدين أخته جيهان خاتون ، فسأل زوجها عن حالها ، فإنه لم يرها منذ أيام فأجابه ممدود : " هي في رعاية الله ورعايتك بخير ، وما منعها من المجيء إليك إلا ثقل الحمل " .
- أجل .. لطف الله بها وبزوجتي عائشة خاتون ، فإنهما في شهرهما التاسع ، فبلغها تحيتي ، وعسى أن أتمكن من زيارتكم غدًا إن شاء الله " .


avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 534
نقاط : 1221
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 43

رد: قصة وإسلاماه بالتعديل

مُساهمة من طرف أ-رمضان في الأربعاء أكتوبر 18, 2017 8:03 pm

الفصل الثاني


طلق جلال الدين ما كان فيه من الدعة والراحة منذ تلك الليلة التي عاهد فيها نفسه على المسير لقتال التتار ، وقضي قرابة شهر وهو يجتهد في تجهيز الجيش وإعداد العدد وتقوية القلاع في مدن بلاده ، وبناء الحصون على طول خط السير ، يعاونه في ذلك صهره ممدود ، حتى إذا تم له من ذلك ما أراد ، عين يوم المسير .
وجاءت الأنباء بأن التتار دخلوا مرو ، وساروا إلى نيسابور فوضعوا في أهلها السيف وملكوها ، وأنهم سائرون إلى هراة ، فلم يبق لدي جلال الدين مجال للانتظار فأذن لعساكره بالمسير ، وخرج في ستين ألفًا يحث بهم السير حتى لقي طلائع التتار دون هراة ، وكانوا قد حاصروها عشرة أيام ثم ملكوها وأمنوا أهلها وتقدموا يبتغون غزنة ، فقاتلهم جلال الدين قتالاً عظيمًا حتى هزمهم ، وقتل منهم خلقًا كثيرًا .
وبعث رسلاً تسللوا إلى هراة فأخبروا أهلها بما وقع من انكسار التتار ، ففرح الناس فرحًا عظيمًا ، وأخذوا يتنادون بأن خوارزم شاه قد بعثه الله حيًا من قبره ، ليطهر البلاد من التتار ووثبوا على حاميتهم بالمدينة .
فلما عادت فلول التتار إلى هراة ، وعلموا ما وقع من أهلها انتقموا منهم فقتلوا كل من وجدوه من الرجال والنساء والأطفال ، وخربوا المدينة ونهبوا السواد وأتلفوا كل ما لم يقدروا على حمله من الأموال .
وطاردهم جلال الدين فأجلاهم عن هراة ، ثم ما زال يتعقبهم حتى أوصلهم إلى حدود الطالقان، حيث اتخذها جنكيز خان قاعدة جديدة له بعد سمرقند ، يرسل منها بعوثه وسراياه ، ثم رأى جلال الدين أن يكتفي في هذه الغزوة بما أحرزه من الانتصارات عليهم ، وألا يهاجمهم في قاعدتهم الجديدة حتى يستجم ويريح جيوشه من نصب القتال ، ويعد جيوشًا أخرى ويستعد استعدادًا جديدًا لملاقاة أعدائه ، فعاد ببهرة جيشه إلى غزنة بعد أن ترك حاميات قوية في البلاد التي طرد منها التتار .
وكان يوم قفوله إلى غزنه يومًا مشهودًا ، احتفل به أهلها احتفالاً رائعًا .
لم يغض من جماله إلا رجوع الأمير ممدود جريحًا محمولاً على محفة ، بعد ما أبلي بلاء حسنًا في قتال التتار وأبدي أروع آيات البطولة ، وركب أعظم الأخطار .
حزن جلال الدين لما أصاب صهره الفارس الشجاع ، واهتم بعلاجه اهتمامًا كبيرًا ، وابتغى له أحسن أطباء زمانه ، وأغدق عليهم الأموال ، ووعدهم بمكافآت كبيرة إذا وفقوا لشفائه ، ولكن جراحه كانت بالغة ، فلم تجد مهارة الأطباء ، وأخذت حالته تسوء يومًا بعد يوم ، وكان جلال الدين لا يغب زيارته فهو يتردد عليه صباح مساء .

ولما ثقلت عليه العلة وأيقن بدنو الموت ، بعث إلى جلال الدين أن يحضر ، فلما حضر قال له بصوت متقطع وهو يحضن زوجته وابنها الرضيع "يا بن عمي : هذه أختك جهان خاتون وهذا ابنك محمود فأولهما عطفك ورعايتك واذكرني بخير ".
فبكى جلال الدين ، وأجهشت أخته بالبكاء ، وكان ممدود ينظر إليهما وإلى الطفل الرضيع نظرات تائهة ، ولم يلبث أن لفظ روحه وهو يردد الشهادتين .
مات الأمير ممدود شهيدًا في سبيل الله ولم يتجاوز الثلاثين من عمره ، تاركًا وراءه زوجته البارة ، وصبيًا في المهد لما يدر عليه الحول ولم يتمتع برؤيته إلا أيامًا قلائل ، إذا شغله عنه خروجه مع جلال الدين لجهاد التتار ، ولم يكن له - وهو يودع هذه الحياة ونعيمها - من عزاء عنهما إلا رجاؤه فيما أعد الله للشهداء المجاهدين في سبيله من النعيم المقيم والرضوان الأكبر . وفت موته في عضد جلال الدين ، إذا فقد ركنًا من أركان دولته ، وأخًا كان يعتز به ويثق بإخلاصه ونصحه ، ووزيرًا كان يعتمد على كفايته ،وبطلاً مغوارًا كان يستند إلى شجاعته في حروب أعدائه . فبكاه أحر البكاء وحفظ له جميل صنعه وحسن بلائه معه .
فرعاه في أهله وولده ، وضمهما إلى كنفه ، وبسط لهما جناح رأفته ، واعتبر محمودًا كابنه يحبه ويدللـه ولا يصبر عن رؤيته ، وكثيرًا ما يجتذبه من يدي والداته فيحمله إلى صدره ، فربما بال الصبي على ثيابه فلا يزيده إلا حبًا وتعلقًا به ، وكان حين يرجع من قتال التتار يسأل أول ما يسأل عن محمود أين هو ؟ فيجري إليه فيحضنه ويوسعه ضمًا وتقبيلاً ، ثم يثني بابنته جهاد التي كان يحبها ولا يصبر عن رؤيتها كذلك
وهكذا نشأ الطفل محمود والطفلة جهاد في بيت واحد ، تغذوهما وتسهر عليهما أمان ، ويحنو عليهما أب واحد ، فكانا يحبوان معًا في دهاليز القصر وأبهائه ، وربما خرج بهما الخدم إلى حديقة القصر في الصباح الباكر فطفقا يدرجان على العشب يتمرنان على المشي جووالدتاهما تنظران إليهما في شرفة القصر ، تطالعان في عيونهما الحاضر الباسم ، وتتعزيان به عن الماضي الحزين والمستقبل الغامض ، فإذا وقع أحد الطفلين على الأرض في غير بأس ضحكتا ضحكة هادئة ، ثم رجعتا إلى ما انقطع من حديثهما ، وربما تقع جهاد على الأرض فيدنو منها محمود ليساعدها على النهوض ، فتنظر إحدى الوالدتين إلى الأخرى وعلي ثغرها ابتسامة وفي عينيها سؤال حائر ... أيقدر لهذين الطفلين البريئين أن يشبا معًا في هذا العيش الرغيد فيكون أحدهما للآخر ، أم تحول دون ذلك تقلبات الدهر وفجاءات القدر .
وكيف تأمنان غدر الزمان وسطوات الغير وتطمئنان إلى ما هما فيه من نعيم العيش وعز الملك ، وقد شهدتا بعينيهما كيف انقض التتار على مملكة خوارزم شاه فقطعوا أوصالها ومزقوها شر ممزق ، وكيف هوى ذلك الملك العظيم من أوج سلطانه ، وانهزمت جيوشه التي كانت تملأ السهل والجبل ، وتفرقت عنه جموعه حتى لجأ إلى جزيرة نائية مات فيها وحيدًا شريدًا .
ولا ينقص من قلقهما على المستقبل أن جلال الدين قد استطاع لذاك الحين أن يهزم التتار في كل موقعه لقيهم فيها ، وأن يدفع غائلتهم عن البلاد التابعة له ، وأن يتحدى جنكيز خان طاغيتهم الأكبر فيرسل إليه كتابًا يقول له فيه : " في أي مكان تريد أن تكون الحرب ؟ " فإن هذا لا يعني أنه قضى على خطرهم واستراح من هجماتهم .
وقد كان خوارزم شاه أقوى وأعظم هيبة وأكثر جنودًا منه، واستطاع أن ينتصر عليهم في معارك جمة ، ولكنهم غلبوه في النهاية بكثرة عددهم وتوالي إمداداتهم ، وتدفقهم كالسيل ، وانتشارهم كالجراد . وإن الأمل لضعيف في أن يقوى جلال الدين على ما لم يقو عليه والده العظيم .
ولم يمض على ذلك زمن طويل حتى حققت الأيام مخاوفهما فقد وردت الأنباء بأن جنكيز خان قد استشاط غضبًا من تحدي جلال الدين له ، فسير عسكرًا أعظم من عساكره التي بعثها من قبل ، وسماه جيش الانتقام ، وجعل أحد أبنائه عليه ، فاندفعوا كالسهام وطفقوا يخترقون البلاد حتى وصلوا إلى أبواب كابل .
فقصدهم جلال الدين بكل ما عنده من الجيش ، فلما التقي الجمعان اقتتلوا قتالاً شديدًا دام ثلاثة أيام بلياليها ، وكان جلال الدين يصرخ في جنوده أثناء المعركة " أيها المسلمون أبيدوا جيش الانتقام " . وقد انتهى القتال بهزيمة التتار لما أبداه المسلمون من المصابرة والمرابطة ، ويرجع معظم الفضل في ذلك إلى قائد باسل من قواد جلال الدين يدعي سيف الدين بغراق ، استطاع أن يكيد التتار ، فانفرد بفرقته عن الجيش وطلع خلف الجبل المطل على ساحة القتال ، ولم يشعر التتار إلا بهذا السيل من المسلمين ينحدر عليهم من الجبل فاختلت صفوفهم فأوقع بهم المسلمون وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وغنموا ما معهم من الأموال التي نهبوها من البلاد التي مروا بها .
وهنا ينزغ الشيطان بين قواد جلال الدين ، فيختلفون على اقتسام الغنائم ، فيغضب من جراء ذلك الأمير سيف الدين بغراق وينفرد بثلاثين ألفًا من خيرة الجنود ، وتوسل إليه جلال الدين أن يرجع إلى عسكره ، فلم يقبل وذهب غاضبًا وسار معه الثلاثون ألفًا من الجنود ، فضعف المسلمون من جراء هذا الانقسام ، وعلم التتار بالأمر ، فجمعوا فلول جيشهم وانتظروا حتى تجيئهم أمداد من جنكيز خان .
وبلغ جنكيز خان ما وقع بجيشه من الهزيمة ، فاشتد غيظه ، وزاد حنقه ، فجمع جيوشه وقادها بنفسه ، وتقدم لقتال جلال الدين ، فلم يثبت له جلال الدين ، وفر إلى غزنة فتحصن بها أيامًا ، ثم رأى أن لا قبل له بدفع المغيرين عنها ، وخشي من وقوعه ووقوع أهله في قبضة عدوه ، فحزم أمتعته ، وجمع أمواله وذخائره ، فحملها ورحل بأهله وحاشيته صوب الهند ، وسار معه سبعة آلاف من خاصة رجاله ، فعبر بهم ممر خيبر ، ولم يكد يفضي إلى سهل الهند حتى لحقته طلائع جنكيز خان ، فكر عليهم وقاتلهم وشردهم ، ولكنه أيقن بالهزيمة حين توالت عليه الجموع ، فتقهقر برجاله إلى نهر السند ، وعزم أن يخوضه إلى العدوة الأخرى ، ولكن العدو عاجله قبل أن يجد السفن اللازمة لحمل أهله وحريمه وأثقاله ، ونتج عن ذلك غرق النسوة من أهل بيته .

ولم يدع له العدو فرصة للتحسر على أعز أحبابه في الحياة والتفكير في شأنهم من هول مصيبته .

فأمر رجاله بخوض النهر ، وألقي بنفسه في مقدمتهم فاندفعوا يسبحون في أثره ، وذلك حين مالت الشمس للغروب ، وتلونت مياه النهر بحمرة الشفق ، وما ابتعدوا عن الشاطئ إلا قليلاً حتى أقبلت طلائع العدو فوقفوا على حافة النهر ، وانبرى رماتهم فأعملوا قسيهم فكانت السهام تتساقط عليهم كالمطر ، فأصيب كثير من رجال جلال الدين ، ولولا سدول الظلام وحيلولته دون رؤيتهم لفنوا على بكرة أبيهم ، وأوفي جنكيز خان على النهر ، وكان الليل قد اعتكر وهو على جواده ، والمشاعل تضئ من حوله ، فلم يتبين أحدًا في النهر ، فأرسل ضحكة رنت في جنبات السهل ، وأخذ يهز سيفه في الهواء ويقول: "هأنذا قضيت على خوارزم شاه وولده ، وشفيت غليلي وأخذت بثأري " وأمر رجاله بالرحيل ، فرجعوا من حيث أتوا

وقضي السابحون شطرًا من الليل وهم يغالبون الأمواج ، ويتنادون بينهم بالأسماء فيتعارفون بذلك ، ويتواصون بينهم بالصبر ، فربما كلَّ أحدهم من طول السباحة فاستغاث بإخوانه فيحمله من يلونه ريثما يستعيد شيئًا من نشاطه ، وكان صوت جلال الدين يسمع من حين إلى حين يحدوهم في المقدمة ، ويحضهم على الصبر فلم يسمعوه ، فذهبت بهم الظنون كل مذهب ، وصاح بعضهم : "قد غرق السلطان فما بقاؤكم بعده ؟" فاستسلم فريق منهم للأمواج فغرقوا .
وأدرك أحد خواص رجال السلطان الخطر ، فأخذ يقلد صوت جلال الدين ويحدوهم كما كان جلال الدين يفعل لئلا يستيئس الباقون ، فكان لعمله هذا أثر جميل في نفوسهم ، إذا انتعشت أرواحهم واستأنفوا صبرهم وجهادهم ، ورجع من عزم منهم على الاستسلام للموت عن عزمه ، وبقوا كذلك حتى بلغ السابقون منهم الضفة قبيل منتصف الليل ، فصاحوا بإخوانهم أن قد وصلنا البر.
فمنهم من خرج من الماء فارتمى على الأرض من الإعياء ، ومنهم من بقي لديه فضل من القوة فأخذ يساعد الآخرين على الطلوع بجذب أيديهم أو بإرخاء ما بقي عليهم من الثياب لهم حتى يتعلقوا به ، واستمر هذا العمل إلى الثلث الأخير من الليل حين لم يبق على الماء أحد من الناجين ، فوضع الجميع رؤوسهم على الأرض وغرقوا في السبات العميق .
وطلع الصباح على أربعة آلاف من القوم صرعى في الصعيد يتقلبون على جنوبهم لم يوقظهم إلا حر الشمس ، فنهضوا من نومهم حفاة عراة لا يكاد يسترهم شيء من الثياب ، والتمسوا سلطانهم بينهم ، فلم يجدوه فأصابهم همّ عظيم ، فأوصاهم الرجل الذي قلد صوت السلطان في النهر بألا ييئسوا من لقائه ، فربما سبقهم السلطان إلى الضفة من موضع آخر ، فلجأ إلى قرية من القرى ، وقال لهم إن الرأي أن يبقوا هناك ويتبلغوا بما يجدونه من أوراق الشجر وثماره ، وما يقع في أيديهم من صيد البر والبحر وألا يبرحوا مكانهم ذاك حتى يأتيهم خبر السلطان ،أو تعود إليهم قواهم فيمشوا إلى إحدى القرى القريبة ، ليحصلوا على ما يعوزهم من الطعام والثياب بالمعروف.
فوافق الجميع على هذا الرأي ، وبعثوا جماعة منهم للبحث عن جلال الدين في المواضع البعيدة على الشاطئ فعثروا عليه بعد ثلاثة أيام في موضع بعيد رماه الموج مع ثلاثة من أصحابه ، فقدموا على القوم ففرحوا بنجاة سلطانهم ، وما كادوا يصدقون عيونهم إذا رأوه .
فأمرهم بأن يتخذوا لهم أسلحة من العصي يقطعونها من عيدان الشجر ففعلوا ما أمرهم به ، ثم مشي بهم إلى بعض القرى القريبة منهم فجرت بينه وبين أهل تلك البلاد وقائع انتصر فيها عليهم ، واستلب أسلحتهم وأطعمتهم فوزعها في أصحابه ، فطعموا من جوع ، وأمنوا من خوف ، وقووا من ضعف ، ثم دلف بهم إلى " لاهور " فملكها واستقر بها مع رجاله ، وبني حولها قلاعًا حصينة تقيه هجمات أعدائه من أهل تلك البلاد .
وقدر لجلال الدين أن يعيش وحيدًا في هذه الدنيا ، لا أهل له فيها ولا ولد ، فكأنما بقي حيًا ليتجرع غصص الألم والحسرة بعدهم .
وما هذه الرقعة الصغيرة التي ملكها بالهند إلا سجن نفي إليه بعد زوال ملكه ، وتفرق أهله وأحبابه ، ولمن يعيش بعدهم ؟ وعلام يحمل نفسه أعباء الولاية وتكاليف الإمرة ؟ ولكنه تذكر أن التتار هم سبب نكبته ونكبة أسرته ، فليعش لينتقم منهم ، ولتكن هذه أمنيته في الحياة ، إن لم تبق له فيها أمنية .
avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 534
نقاط : 1221
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 43

رد: قصة وإسلاماه بالتعديل

مُساهمة من طرف أ-رمضان في الأربعاء أكتوبر 18, 2017 8:04 pm

الفصل الثالث



لم يكن جلال الدين يعلم وهو يبكي أهله وذويه أحر البكاء ، وينفطر قلبه حزنًا عليهم ، أن طفليه الحبيبين محمودًا و جهاد حيان يرزقان ، ولو علم ذلك وأنهما لا يبعدان عنه كثيرًا ، إذ يعيشان في إحدى الدساكر المجاورة للاهور ، لطار إليهما فرحًا ، ولتعزي بهما في كل ما أصابه من نكبات الحياة . ذلك أن عائشة خاتون وجيهان خاتون لما أيقنتا بالنكبة يوم النهر ، ورأتا أن لا محيص من الموت أو الأسر ، عز عليهما أن تريا الطفلين البريئين يذبحان بخناجر التتار المتوحشين ، أو يغرقان معهما في أمواج النهر ، وجاشت بهما عاطفة الأمومة فأوحت إليهما في ساعة الخطر أن يسلماهما إلى خادم هندي أمين ، كان قد خدم الأسرة منذ أيام خوارزم شاه ، ليهرب بهما من وجه التتار ، ويحملهما إلى مسقط رأسه ، حيث يعيشان عنده في أمن وسلام ، وأرادتا أن تخبرا جلال الدين بما صنعتاه ، ولكن ضاق وقتهما ، وشغلهما الهول عن ذلك .
أما الشيخ سلامة الهندي فقد فصل عن المعسكر قبيل عصر ذلك اليوم المشئوم ، وأركب الطفلين على بغلة بعد أن كساهما ملابس العامة من الهنود ، وساقهما حثيثًا نحو الشمال على شاطئ النهر ، ثم سلك بهما الطرق المتعرجة ، وغاب بهما في منعطفات الجبال ، وأدركه الليل فأوي إلى مغارة في سفح جبل ، فأنزل الطفلين وربط البغلة إلى الصخرة في فم المغارة ، وفرش لهما داخلها وطفق يسامرهما ، ويهدئ روعهما ، ويعللهما بلقاء أهلهما غدًا في لاهور ، بعد أن يكسر السلطان جلال الدين التتار ، وما زال بهما كذلك حتى غلبهما النعاس ، فناما مكانهما ونام جنبهما .
فلما كان اليوم الثاني ساق البغلة متيامنا جهة النهر حتى أشراف عليه عند الزوال ، ثم لاح قارب من قوارب الصيد ، فلوح له الشيخ بردائه ، فاقترب منه فإذا عليه صياد وابنه ومعهما شبكة الصيد ، فسأله الصياد ماذا يريد ؟ فأجابه الشيخ بالهندية ، ورجاه أن يحمله ، ويحمل طفليه إلى الضفة الشرقية للنهر ، ويعطيه على ذلك أجرًا طيبًا فقبل الصياد وفرح بالأجر .
وكان الشيخ سلامة قد أوصي الصبيين ألا يتفوها بما يدل على أنهما من بيت السلطان جلال الدين ، وأفهمها أن صاحب القارب قد يسلمهما إلى التتار إذا عرف أصلهما ، ففهما ما أراد على صغر سنهما ، فقد تعلما الخوف والحذر مما مر بهما من الأهوال وما شهداه من الحوادث المروعة ، فكانا - وهما في الرابعة من سنهما - كأنهما من أولاد السابعة أو الثامنة .
وصل القارب إلى الشط ، فنزل الصياد من القارب وساعد الشيخ وطفليه على النزول . ثم أرشد الشيخ إلى خير طريق يوصله إلى أقرب قرية من ذلك الموضع ، وقال له : " صحبتك السلامة في طريقك " . فأعطاه الشيخ دينارًا ، وكان قد رضي بأقل من ذلك . ففرح به وشكره .
سار الشيخ في الطريق الذي أرشده إليه الصياد حاملاً جهاد على كتفيه حتى إذا ضن بمحمود التعب في السير أنزلها تسير وحمل محمودًا مكانها وهكذا دواليك حتى بلغ القرية بعد غروب الشمس ، فبات في كوخ بها ، واشترى ما يلزمه ويلزم الطفلين من الطعام .
حتى إذا أصبح الصباح ابتاع له حمارًا من القرية أركبهما عليه . وظل كذلك ينتقل في القرى حتى وصل إلى مسقط رأسه في قرية من القري المجاورة لمدينة لاهور . وعاش الصبيان في القرية الهادئة في أمن وسلام كما أرادت لهما والدتاهما المرحومتان وكان الشيخ يرعاهما رعاية بالغة ، ولا يألو جهدًا في ترفيه عيشهما وإدخال السرور عليهما بكل ما يملك من وسائل التسلية والترويح ، وإذا سئل عنهما قال إنهما يتيمان وجدهما في طريقه فتبناهما ، ولكن هذا القول لم يقنع فضول أهل القرية ، فأخذوا يتخرصون ويخترعون الحكايات ويحكون القصص عن أصلهما ، ويتفق معظمهم في أنهما من أولاد الملوك ، لما يبدو على وجوههما من سيما الملك ، وأمارات النبل ونضرة النعيم .
ولم يجد الشيخ سلامه بدًا من الإفضاء بحقيقة حالهما إلى بعض أقاربه الأدنين الذين كانوا يعلمون بأنه قضي جل عمره في خدمة السلطان خوارزم شاه والسلطان جلال الدين من بعده، وسمعوا بما حل بهما من نكبة التتار، ولكنه استكتمهم الخبر لئلا يصيب الصبيين من جراء ذلك سوء .
ولم تمض إلا برهة قصيرة حتى انتهت إلى أهل القري المجاورة لمدينة لاهور أنباء السلطان جلال الدين وفراره من بلاده إلى الهند ، ومطاردة جنكيز خان له حتى اضطره إلى خوض النهر مع عسكره . وترامي إليهم ما جري بعد ذلك من الوقائع بينه وبين أهل الهند حتى افتتح لاهور واتخذها قاعدة ملكه ، وأخذ يوطد سلطانه بشن الغارات على ما حوله من البلاد والقري ، فانتشر خوفه في قلوب أهلها .
وحرج لذلك موقف الشيخ سلامه بين أهل بلاده ، إذ بدءوا يشكون في أمره وفي أمر الصبيين اللذين معه ، ويرجحون أنهما من أولاد السلطان جلال الدين ، فخشي عليهما من فتكهم ، وأخذ يفكر في طريقة للفرار بهما إلى لاهور .
وبينما هو ينتظر سنوح الفرصة لذلك إذا جنود السلطان قد أقبلوا يغزون القرية ، فخرج إليهم الشيخ وعرفهم بنفسه ، وأبرز لهم ابنة السلطان وابن أخته ، وتوسل بهما أن يكفوا عن غزو القرية حتى يأتيهم أمر السلطان ، فأجابوا طلبه ، وبعثوا رسولاً إلى السلطان بالخبر ، ولبثوا ينتظرون خارج القرية .
فما راعهم إلا السلطان قد أقبل على جواده في لمة من فرسانه ، فلما سلم عليهم ، قال : " أين الشيخ سلامه ؟ …" ، فتقدم إليه الشيخ سلامة وقبل ركابه قائلاً : " هأنذا عبدك وعبد أبيك يا مولاي " . فترجل له السلطان وعانقه ، وقال له : " أين محمود و جهاد .. ؟ " وما أتم السلطان كلمته حتى اندفع الصبيان فارتميا عليه ، فضمهما إلى صدره ، وطفق يقلبهما ويقبلانه ، وهو يقول : " ابنتي جهاد.. ابني محمود .. أنتما في قيد الحياة .. الحمد لله، لست وحيدًا في هذه الدنيا ، لقد بقيا لي وبقيت لهما ". ثم دفع الصبيين إلى فارسين من فرسانه ؛ ليردفاهما خلفهما ، وركب جواده وأمر الشيخ سلامة أن يركب معه .
وقال لقائد الحملة : " كفوا عن هذه القرية والقري التي تجاورها ، ولا يؤخذ من أهلها الخراج ، إكرامًا للشيخ سلامة " . فشكره الشيخ ودعا له بطول العمر .
وانتشر الخبر في القرية فخرج أهلها رجالاً ونساء فرحين متهللين ليشاهدوا السلطان جلال الدين . وتقدم إليه وفد من شيوخها وكبرائها يشكرونه على مكرمته وفضله ، فحياهم السلطان وقال لهم : " إن الفضل للشيخ سلامة ، فلا تشكروني واشكروه " . فأقبل الرجال على الشيخ وحملوه على الأعناق، وتباشر سكان القري المجاورة بما أعلنه السلطان جلال الدين من الأمر بالكف عن غزو بلادهم وإعفائهم من الخراج ، فصار ذلك حديث المجالس والأسمار . وأصبح جلال الدين حبيبًا إلى قلوبهم بعد أن كانت أكبادهم تغلي كراهية له ، ومضاجعهم تقض خوفًا منه .
وقدمت وفودهم على قصر السلطان بلاهور تشكره على إحسانه إليهم، وتقدم له ولاءهم وطاعتهم حاملة معها الهدايا النفيسة، فقبل السلطان هداياهم وأجازهم عليها، وردهم إلى بلادهم مكرمين .
وتبدلت أحوال جلال الدين بعد عثوره على ولديه الحبيبين ، وعاد إلى وجهه البشر بعد العبوس ، والطلاقة بعد الانقباض . وانتعش في قلبه الأمل ، وشعر كأن أهله وذويه بعثوا جميعًا في محمود و جهاد .
وكلما رآهما تذكرهم وتعزي بهما عنهم . وحمد الله على أن لم ينقطع سببه . وقوي رجاؤه في استعادة ملكه وملك آبائه . والانتقام من أعدائه التتار ليورث محمودًا وجهادًا ملكًا كبيرًا ، متين الأساس ، قوي الدعائم ، يخلد به سؤدد بيته العظيم .

avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 534
نقاط : 1221
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 43

رد: قصة وإسلاماه بالتعديل

مُساهمة من طرف أ-رمضان في الأربعاء أكتوبر 18, 2017 8:04 pm

الفصل الرابع



عاش السلطان جلال الدين في مملكته الصغيرة بالهند عيشة حزينة ، تسودها الذكريات الأليمة ، ذكريات ملكه الذاهب ، وذكريات أهله الهالكين .
وكان يجد سلواه الوحيدة في ولديه الحبيبين محمود و جهاد فيقضي جل أوقاته معهما ، ينزل إلى عالمهما الصغير ويصادقهما ، ويشترك معهما في ألعابهما ويجاريهما في أحاديثهما البريئة ، وأحلامهما الصافية ، فيجد في ذلك لذة تنسيه هموم الحياة وآلامها .
وكان مع ذلك لا ينسي تدبير ملكه ، وتنظيم شئونه وتقوية جيشه وتعزيز هيبته ، فكان في كفاح دائم مع أمراء الممالك الصغيرة التي تكتنف مملكة لاهور ، يدفع غاراتهم على بلاده ويغزوهم الفينة بعد الفينة ، وهو في ذلك يتنسم أخبار ممالكه السابقة ويرقب حركات التتار بها ، يتربص بهم الدوائر ، وينتظر الفرص للانقضاض عليهم ، والانتقام منهم ، واسترداد ممالكه وممالك أبيه من أيديهم أو أيدي أعوانهم وأجرائهم .
فقد كان التتار أمة لا تطمع في ملك البلاد وحكمها ، وحسبها أن تغزوها فتقتل من تقتل من رجالها ونسائها وأطفالها وتسبي منهم من تشاء ، وتنهب خزائنها ، فلا تدع شيئًا إلا أتت عليه ، ثم تغادرها إلى بلادها حاملة معها الغنائم والأسلاب . فتنقبع فيها ما تنقبع ، ثم تعود كرة أخري فيطغي سيلها على الأمم ، والممالك فتقتل وتنهب وتسلب ، ثم تعود إلى منبعها وهكذا دواليك ، وربما عقدوا مع أهل البلاد التي غزوها اتفاقًا يأمنون به من عودتهم ، على أن يحملوا إليهم جزية كبيرة في مستهل كل عام . وحينئذ يولون عليها من يتوسمون فيه الميل إليهم والرضا بسياستهم من عبيد الأهواء الطامعين في المناصب من أهل تلك البلاد . كذلك كانت الحال في العواصم والمدن التي تخلي عنها جلال الدين ، فقد وليها جماعة من الطغاة المستبدين ، لا هَمّ لهم إلا جمع المال من كل سبيل ، فيصادرون أملاك الناس ، ويفرضون الضرائب الثقيلة عليهم ، ويسلبون أموال التجار . ومن جرؤ على الشكوى منهم كان جزاؤه القتل أو الإهانة والتعذيب .
وكان لـ جلال الدين فيها أعوان وأنصار لا يحصون كثرة يتمنون عودته ويراسلونه سرًا فيصفون له أحوال الناس بها ، وما يعانون من ظلم الحكام وفسادهم وطغيانهم ، ويحضونه على العودة إليهم ، ويعدونه بالنصر والتأييد ، وبأنهم سيثورون ثورة عارمة على أولئك الحكام إذا ما عاد جلال الدين إلى بلاده . وذكروا له أن جنكيز خان مشغول عنهم بحروب طويلة في بلاده مع قبائل الترك .
فرأى جلال الدين أن الفرصة سانحة ، وصحت عزيمته على اغتنامها ، فتجهز للمسير ، وكتم خبره عن الناس جميعًا ما عدا قائده الكبير الأمير بهلوان أزبك . إذ استنابه على ما يملك بالهند ، وترك له جيشًا يكفي لحمايته . وسار هو بخمسة آلاف قسمهم إلى عشر فرق جعل على كل منها أميرًا . وأمرهم أن يسيروا خلفه على دفعات من طرق مختلفة ، حتى لا يتسامع الناس بخبر مسيرهم .
وكان قبل مسيره قد فكر مليًا في أمر ولديه الحبيبين وتردد طويلاً أيستصحبهما معه أم يتركهما بالهند . فإنه إن أخذهما معه عرضهما أخطار الطريق ومتاعب هذه الرحلة الشاقة . وإذا نجا بهما من ذلك رمي بهما إلى ما هو مقدم عليه من الكفاح العظيم . والقتال المستميت وماذا يكون مصيره وسيفضي به هذا لا محالة إلى مواجهة التتار وقتالهم من جديد . ومن ذا يضمن له الغلبة على تلك الأمة الهائلة التي لا نهاية لجموعها ولا صاد لهجماتها . ولا عاصم من أمرها إلا من رحم الله ؟ .
وإنه إن تركهما بالهند فلا طاقة له بفراقهما . ولا طاقة لهما بفراقه . وليس له في الدنيا أهل غيرهما وما لهما فيها من أهل غيره وقد وجدهما بعد ضياع . ولقيهما بعد يأس . فانتعش بهما أمله ، وأشرق بهما وجه حياته ، وكانا له عزاء عن كل ما فقد من ملكه وأهله ، أفيتركهما وحيدين في بلاد غريبة عليهما لا يدري ماذا يكون مصيرهما فيها ؟ ، فربما يطمع أمراء الهند في مملكة لاهور ، ويستضعفون نائبه عليها حين يبلغهم سير السلطان بمعظم عسكره عنها ، فيقومون عليها قومه واحدة ، وتسقط في أيديهم ، ويومئذ لا يكون لرجاله مهرب ، ويقع الأميران في قبضتهم ولا أمل في نجاتهما من سيوفهم .
أخذ جلال الدين يوازن بين الخطتين إلى أن آثر أهون الخطرين عنده ، ففضل أن يأخذ الأميرين معه ، إذ كان هذا أحب الرأيين إلى نفسه ، وأقربهما إلى هواه فحسبه أن يراهما دائمًا معه ، فإذا قدر له النجاح فذاك ، وإن خانته الحظوظ فلن يبقي بعد ذلك أمل في الحياة ولن يؤويه بعد ذلك مكان ، وخير لهما حينئذ أن يقتلا معه ، فلا يتعرضا لما يتعرض له مثلهما من الشقاء والهوان .
وكأن جلال الدين كان ينظر من سجف الغيب إلى هذا اليوم ويستعد له ، إذ عني بتدريبهما من صغرهما على ركوب الخيل وحمل السلاح وسائر أعمال الفروسية ، وتربيتهما تربية خشنة تعدهما لتحمل المشاق وركوب الأخطار والتغلب على المتاعب .
وطالما سمعا منه أومن الشيخ سلامه الهندي أخبار جدهما خوارزم شاه ووقائعه مع التتاروحروب جلال الدين معهم من بعده .
فكانا يطربان لذلك ويتحمسان ، وكثيرا ما كان جلال الدين يصف لمحمود شجاعة والده الأمير ممدود وحسن بلائه في قتالهم وغرامه بمبارزة قوادهم وأمرائهم إلى أن يقص عليه أخبار واقعة هراة التي أصيب فيها ، فمات من جرحه شهيدًا في سبيل الله بعد أن نكل بالأعداء تنكيلاً ، ومزقهم شر ممزق ، فيمتلئ محمود بالحماسة ، ويود لو شهد تلك الوقائع فكانت له في قتال التتار مواقف مشهودة .
وكان محمود يشعر في قرارة نفسه بأنه سيقاتل التتار يوما ما ، إذا بلغ مبلغ الرجال فيثأر منهم لأبيه . وينتقم منهم لما أصاب جده وخاله ووالدته وجدته وسائر أهله ، وقد سيطر عليه هذا الشعور ، وملك عليه جميع مذاهبه ، فكان شغله الشاغل وهمه المقعد المقيم ولا يفتأ يفكر فيه نهارًا ، ويحلم به ليلاً . وأنه ليطغي عليه أحيانًا فيقع منه في كرب عظيم ، فلا يجد أداة يعبر بها عن حبيس رغبته وينفس .
بها عن كربه ، إلا أن ينطلق في عالم الخيال حيث يصور له الوهم معارك تدور بينه وبين التتار ، ينتصر فيها عليهم ويشتت جموعهم ويجندل أبطالهم ويفرق صفوفهم ، وينهزمون فيجد في طلبهم ويتعقب آثارهم حتى يشردهم إلى أقاصي البلاد ويعود إلى المدينة ظافرًا تقام له الزينات وتضرب له الطبول ، وتنثر عليه الأزهار والرياحين .
وكانت جهاد تشاطره هذا الشعور ، وتشجعه على حروبه هذه ومعاركه وتري فيها تحقيقًا لأمانيها في بطلها العظيم ، وتنفيسًا لما يحتدم في صدرها من كراهية التتار ، وحب الانتقام منهم ، فكان لا يلذ لها شيء ما يلذ لها الإصغاء إلى حديثه حين يقص عليها ما دار بينه وبينهم من المعارك الهائلة ، وما أظفر فيها من آيات البطولة والإقدام .
حتى جلال الدين نفسه كان يشجع محمودًا في أعماله الحربية ويجاريه في تصوراته ويصغي لأحاديث بطولته . ويثني عليه فيها ، ويتلطف في إسداء النصائح إليه خلالها ، وقد أمر رجاله وحجاب قصره وخدمه بأن يجاروه في أحلامه ويصدقوه في مزاعمه .
فما إن سمع محمود و جهاد بعزم جلال الدين على المسير لقتال التتار واسترداد بلاده حتى أظهرا له من الفرح والاستبشار بذلك ما جعله يعجب من نفسه ، كيف فكر في تركهما بالهند ، وعدم استصحابهما معه في رحيله ، إذن لشق عليهما ذلك ، وآذاهما أبلغ الأذى ، وربما أعجزه أن يحملهما عليه إلا أن يرهقهما أو يحملهما مالا طاقة لهما به .
سار جلال الدين من الهند ومعه خواص رجاله ، فقطعوا المفازة على خيولهم ، وعبروا نهر السند في مراكب عظيمة قد أعدها جلال الدين لذلك من قبل ، حملتهم وحملت خيولهم وعتادهم ، وتبعتهم فرق جيشه فرقة بعد فرقة حتى التقوا جميعًا عند ممر خيبر ، فساروا حثيثًا حتى إذا اقتربوا من كابل بعث جلال الدين رسلاً إلى أشياعه بها يخبرونهم بمجيئه ، ففرحوا بذلك وأشاعوه في المدينة فوثب أهلها على حاكمهم وأشياعه فقتلوهم ودخل جلال الدين المدينة فملكها بدون قتال كبير .
وشاع هذا الخبر في سائر المدن والعواصم ، فاستعد دعاة التتار وأعوانهم ، وأجمعوا على ملاقاته ومقاومته ، وبعثوا إلى جنكيز خان يستنجدونه . فعاجلهم جلال الدين قبل أن تأتيهم إمدادات التتار فمضي يفتح المدينة بعد المدينة بغير عناء يذكر ، لأن أهلها كانوا يثورون على حاكمهم حين يقف جلال الدين على أبوابها ويساعدونه عليهم . فيلوذ هؤلاء الخونة بالفرار إلى جنكيز خان ، حتى وصل جلال الدين كرمان ، ثم صار إلى الأهواز فاستولي عليها ، ثم أذربيجان فملكها ، ودانت له سائر بلاد إيران .
وكان محمود و جهاد يسيران حيث سار جلال الدين لا يفارقانه في تنقلاته كلها ، وكان يقوم بخدمتهما في ذلك الشيخ سلامة الهندي وسيرون السائس ، ما كان أشد فرح محمود وهو يتنقل في ركاب خاله من مدينة إلى مدينة ، فتفتح لهما أبوابها ، وتدق لهما الطبول ، وتصطف الجماهير لمشاهدتهما وتحيتهما وتتعالى أصواتهم بالهتاف للسلطان وولي عهده ، ولكنه مع ذلك كان يشتهي أن يري وجوه التتار ، وكثيرًا ما سأل خاله : " أين أعداؤنا التتار ؟ " ، متى يخرجون إلينا فنقاتلهم ؟ " فيبتسم السلطان جلال الدين ويجيبه : " لا تستعجل الشر يا بني ، إنهم آتون إلينا قريبًا ، فناصرنا الله عليهم إن شاء الله " .
عادت المياه إلى مجاريها ، وخطبَ الخطباء للسلطان جلال الدين بن خوارزم شاه ولولي عهده محمود بن ممدود على منابر البلاد جميعها ، وكان أول ما اهتم به جلال الدين بعد أن استتبت له الأمور فيها أن يحيي ذكري والده العظيم ، فسار في موكب عظيم لزيارته في الجزيرة التي دفن بها ، فبكي عند قبره وترحم عليه ، ثم أمر بنقل رفاته فدفنه بقلعة " أزدهن " في مشهد حافل حضره العلماء والكبراء والأعيان من جميع الأصقاع ، وبني عليه قبة عظيمة أنفق على بنائها وزخرفتها أموالاً كبيرة ، وجلب لها أمهر البنائين والصناع
وما إن أتم ذلك حتى بلغه أن جنكيز خان قد أرسل جيوشًا عظيمة لقتاله بقيادة أحد أبنائه ، فتجهز للقائهم ، وسار بأربعين ألفًا يتقدمهم جيشه الخاص الذي أتي به من الهند وسماه جيش الخلاص ، وكان قد بقي منه زهاء ثلاثة آلاف ، فلقي جموع التتار في سهل مرو ، ودارت بين الفريقين معركة من أهول المعارك ثبت فيها جيش الخلاص حتى باد معظمه ، واضطربت صفوف المسلمين ويئس جلال الدين من الانتصار ، فصمم على أن يستشهد في المعركة ، فالتفت إلى محمود ، وكان واقفًا على جواده خلفه ، وهو يتقد حماسة وغيرة ، فقال له : " ها أنت ذا قد رأيت التتار يا محمود . وإني سأقاتلهم بنفسي ، فاثبت خلفي ، ولا تدع أحدًا يأسرك " .
فتهلل وجه محمود ، وعد ذلك فخرًا عظيمًا أن يثق خاله به ، وعجب السلطان من رباطة جأش الغلام وتهلله للموت ، وتقدم يحرض رجاله ويجمع صفوفهم ، ويقاتل بنفسه ، والأمير الصغير وراءه على جواده والسيف في يمينه فلما رأي المسلمون ذلك دبت فيهم الحمية ، فقاتلوا دون السلطان قتالاً عنيفًا . وبينما هم كذلك يقاتلون مستميتين والسلطان في مقدمتهم والتتار ظاهرون عليهم ، إذا بصفوف التتار قد اضطربت وإذا بأصوات تسمع من خلفهم :" الله أكبر ! الله أكبر ! نحن جنود الله ! أيها المسلمون ! قاتلوا المشركين ! " .
فعجب المسلمون من أمرهم ، وظن بعضهم أن هؤلاء ملائكة بعثهم الله لتأييد المسلمين فحملوا على التتار حملة صادقة ، وهم يصيحون : " الله أكبر ! " وما هي إلا لحظة حتى انهزم التتار ، ولكنهم لم يجدوا مهربًا إذ تلقاهم المسلمون من أهل بخاري وسمرقند ، وكانوا قد خرجوا من بلادهم عقب مسير التتار ، فكبسوهم من خلفهم على غرة منهم ، فأعمل الفريقان من المسلمين سيوفهم حتى أبادوهم على بكرة أبيهم وتصافح الفريقان من المسلمين احتفالا بالنصر .
وفرح السلطان جلال الدين بجيش بخاري وسمرقند وأثني عليهم وكان مما قاله لهم : " إنكم جنود الله حقا ، وما أنتم إلا ملائكة بعثهم الله من السماء لتأييدالمسلمين.وإننا مدينون لكم بحياتنا وانتصارنا" وأكرمهم وخلع عليهم وعرض عليهم الانضمام إلى جيشه فقبلوا شاكرين
وكان جلال الدين يعلم حق العلم أن جنكيز خان آت بجموعه يوما ما للانتقام منه ، وأن انتقامه سيكون عظيمًا مهولاً ، وأن عليه ألا يطمئن إلى الانتصار الذي أحرزه في سهل مرو ، وأن يستعد لذلك اليوم العبوس ، إلى أن جاءته كتب من بلاده تنبئه بسير جنكيز خان فطار إليها على عجل .
فافتقد في طريقه هذا ثمرتي قلبه ؛ وأنسي حياته محمودًا و جهاد حين كان يجتاز بلاد الأكراد قافلاً إلى بلاده ، فطلبهما في كل مكان والتمسهما بكل سبيل فكأنما ابتلعتهما الأرض وغاب معهما الموكلان بخدمتهما وحراستهما الشيخ سلامه الهندي . وسيرون السائس . وأقام السلطان وعسكره في الموضع الذي افتقد هؤلاء فيه حيث بث رجاله في طلبهم ، والتفتيش عنهم في جميع تلك النواحي ، فلم يعثروا لهم على أثر .
إلا أنهم في اليوم الثاني وجدوا جثة السائس ملقاة في منحدر ضيق بين جبلين ، فتحقق جلال الدين أن الأميرين اختطفا مع خادميهما ، وأن المختطفين قتلوا سيرون ؛ لأنهم ضاقوا بمقاومته ، وأمر رجاله بالبحث عنهم فيما حول الجبلين ، وذهب معهم بنفسه ، فلم يجدوا لهم أثرًا ، ولم يسمعوا عنهم خبرًا . فكاد جلال الدين يموت من الغم ، وامتنع عن الطعام ، وعزم ألا يبرح ذلك المكان حتى يقف على خبرهم .
وكانت الرسائل تتوالي عليه من نواب بلاده . يخبرونه بأن جنكيز خان قد قطع بجموعه النهر ، وانقضوا على بخارى فدمروها ، وانتقموا من أهلها شر انتقام من جراء ذلك الفريق البخاري الباسل الذي هاجم مؤخرة التتار في معركة مرو ، فكان سبب هزيمتهم والقضاء عليهم وأنهم دالفون إلى سمرقند ، ففاعلون بها ما فعلوا ببخاري .
ولكن جلال الدين كان في شغل شاغل عنهم من أمر محمود و جهاد فكان يعرض أحيانا عن الرد ، وأحيانا يعد بقرب المسيرة .
مرت الأيام على جلال الدين ، وما يزيد حاله إلا سوءًا حتى يئس رجاله من رجوعه إلى صوابه . وكانت الأنباء تأتيهم بتقدم جنكيز خان ، واستيلائه على المدينة بعد المدينة يقتل فيها ، وينهب ويدمر ، حتى بلغ تبريز ، فعز عليهم أن يبقوا واقفين أمام سلطانهم المرزوء في عقله ، الميئوس من حاله ، حتى يطحنهم التتار وهم ينظرون .
فتسللوا من حوله ، ولحقوا بإخوانهم المجاهدين ، البخاريين والسمرقنديين ، وأمروا عليهم أحدهم ، فلقوا طلائع التتار بين تبريز وديار بكر ، فقاتلوهم قتالاً شديدًا حتى هزموهم وقوي أملهم في النصر بعد ذلك .
إذ علموا أن جنكيز خان قد قفل راجعًا إلى بلاده لعلة شديدة أصابته ، خشى منها أن تودي بحياته فيموت في غير مسقط رأسه ، وكان قد بلغه ما صار إليه خصمه الكبير من سوء الحال ، فرأى أن القضاء عليه أيسر من أن يقتضي بقاءه في قيادة الجيش واحتمال العلة في ديار الغربة ، ولكنه أصدر قبل رحيله أوامر صارمة إلى رجاله ألا يقتلوا جلال الدين إذا ظفروا به ، وأن يجتهدوا في القبض عليه وحمله حيًا إليه ، ليري رأيه فيه وينتقم منه بنفسه .
وما لبث التتار أن أقبلوا أفواجًا يتدفقون تدفق السيل ، فغصّ بهم الفضاء ، وأيقن المسلمون ألا قبل لهم بملاقاتهم ، ولكنهم تعاهدوا على الموت في سبيل الله ، فوقفوا في وجه العدو ، كأنهم البنيان المرصوص ، فلم يستطع أن يتقدم شبرًا إلا على أشلاء الأبطال المجاهدين .
سال طوفان التتار بعد انكسار هذا السد المنيع ، فطم تلك البلاد والقري ، ولم يبق بينهم وبين الموضع الذي أقام فيه جلال الدين إلا بضعة فراسخ ، ما لبثوا أن قطعوها فوت الريح ، وكانوا قد علموا أين يقيم ، وليس كالتتار سرعة وحركة ، ومهارة في التجسس واستطلاع أحوال العدو ، فلهم في ذلك أمور تشبه الخوارق .
وكان قد بقي مع جلال الدين عدد قليل من رجاله ، عز عليهم أن يتخلوا عن سلطانهم العظيم وهو في حاله تلك ، وآثروا أن يحتملوه على علاته ، ويكونوا معه إلى النهاية ، وقد أزعجهم تقدم التتار ، فتأهبوا لحماية مولاهم والذب عنه ، ريثما يعدون العدة للفرار به إلى حيث يجدون مأمنًا . بيد أن التتار قد صاروا إذ ذاك أقرب إلى جلال الدين ورجاله مما ظنوا ، فما شعر هؤلاء إلا بالطلائع قد كادت تحيط به ، فقاموا إلى السلطان وأركبوه الفرس ونجوا به منهم .
وأفاق جلال الدين خلال ذلك ، وأدرك ما هو فيه من خطر ، فانطلق إلى آمد ، فمنع من دخولها ، وكبسه رجال من العدو وأحدقوا به دونها حتى لو شاءوا أن يقتلوه لأمكنهم ذلك ؛ ولكنهم إنما أرادوا القبض عليه ، فدفعهم عن نفسه وقتل جماعة منهم ؛ وذب عنه بعض خواص رجاله ، وشاغلوا رجال العدو حتى خلص منهم .
وطارده فرسان التتار ، وكان لا يباري في ركوب الخيل ، ففاتهم حتى دنا من ميافارقين ليحتمي بملكها ، فدخل قرية من قراها ولكن الفرسان لحقوه بها ، فبرحها ودفع جواده فطار به منهم .
وصعد إلى جبل هناك يسكنه قوم من الأكراد يتخطفون الناس فلجأ إلى أحدهم وقال له : أنا السلطان جلال الدين استبقني وأخف مكاني عن العدو الذي يطاردني ، وسأجعلك ملكًا ، فأخذه الكردي إلى بيته وأوصي امرأته بخدمته .
وكان قد لمح جلال الدين كردي آخر موتور منه فعرفه ، ورآه حين دخل البيت .
فأخذ يتربص خلو البيت من صاحبه ، فلما خرج صاحب البيت لقضاء حاجة له جاء الكردي الموتور وبيده حربة فقال : " لم لا تقتلون هذا الخوارزمي؟" فقالت امرأة صاحب البيت" لا سبيل إلى ذلك : فقد أمنه زوجي
فقال الكردي : " لا أمان لهذا : إنه السلطان وقد قتل أخًا لي في خلاط خيرًا منه " .
وكان جلال الدين رابط الجأش ولم ينبس ببنت شفة . وما أتم الكردي كلمته ، حتى هز حربته فسددها بقوة إلى السلطان ، فحاص عنها فنشبت في الجدار خلفه . وأسرع جلال الدين فاختطفها منه وقال له : " الآن سألحقك بأخيك " .
فأيقن الكردي أنه مقتول فقال له : "إن تقتلني كما قتلت أخي فقد شفيت نفسي باختطاف ولديك !" .
كانت هذه الكلمة الصغيرة أشد وقعًا على جلال الدين مما لو أصابت الحربة كبده ، فقد زلزلت كيانه ، وأفقدته تماسكه ، وعجب الكردي إذ رأي خصمه واجمًا ينظر إليه نظرة ذاهلة ، والحربة تضطرب في يده ، وكان قد ملكه الخوف ، وتوقع بين لحظة وأخري أن تخترق الحربة حجاب قلبه ، ولم يكد يصدق أنه حي بعد لولا أنه سمع بأذنيه قول السلطان يسأله بلهجة حزينة : "ماذا صنعت بهما يا هذا ؟" قال الكردي وقد زال عنه بعض خوفه : "إنهما عندي ولن أسلمهما إليك حتى تؤمنني".
- قال جلال الدين وقد تهلل وجهه : " قد أمنتك " .
- " لا أصدقك حتى ترمي هذه الحربة من يدك " فألقاها جلال الدين على الأرض قائلاً : " اذهب فأتني بهما ، وسوف أكافئك حين أقدر على مكافأتك " .
فقصد الكردي جهة الباب وهو يتوقع أن الحربة ستدق في ظهره ، حتى إذا أيقن أنه بمنجاة من بطش جلال الدين به وقف خارج الباب وصاح : " أيها المخبول نجوت منك ! لقد بعت ولديك لتجار الرقيق من الشام فلن يعودا إليك أبدًا " .
وهم الكردي بالهروب لولا أن رأى السلطان يتمايل كالذي يدار به حتى سقط على جنبه وهو يقول : " لا حول ولا قوة إلا بالله ! لقد بيع محمود و جهاد بيع الرقيق ! " .
فكر الكردي راجعًا ، والتقط الحربة فطعن بها جنب جلال الدين ، فنشبت بين ضلوعه ولم يحاول جلال الدين أن يدفع الكردي عن نفسه ، بل استسلم له قائلاً : " هنيئًا لك يا كردي ، لقد ظفرت برجل أعجز جنكيز خان ! أجهز على وأرحني من الحياة فلا خير فيها بعد محمود و جهاد " .

avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 534
نقاط : 1221
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 43

رد: قصة وإسلاماه بالتعديل

مُساهمة من طرف أ-رمضان في الأربعاء أكتوبر 18, 2017 8:05 pm

الفصل الخامس


مات جلال الدين ولم يعلم عن محمود وجهاد إلا أنهما اختطفا . فبيعا لأحد تجار الرقيق بالشام ، أما كيف اختطفا وماذا لقيا بعد ذلك فبقي سرًا مكتومًا عنه إلى الأبد ، وتفصيل ذلك أن السلطان جلال الدين كان شديد الولع بالصيد لا يتركه في إقامته ولا سفره . وقد بلغ به حب الصيد أن ربما كان يسنح له سرب من الظباء .. أو حمر الوحش في طريقه وهو سائر إلى غزوة أو قتال فينفتل عن جيشه في أثر السرب ، ولا يعود حتى يصيب شيئا منه فيأمر رجاله بحمله . وطالما نصحه خاصة رجاله في ذلك وحذروه مما قد ينتج عنه من الخطر على نفسه أو على جيشه . فكان يسلم لهم بصواب رأيهم ويعدهم بألا يقع ذلك منه مرة أخري ، ولكنه لا يلبث أن يري صيدا فينطلق في أثره . و يقول لهم في ذلك إنه أمر لا يقدر على دفعه . وقد سري هذا الغرام بالصيد منه إلى ابن أخته من طول ما صحبه الغلام حين كان يخرج لذلك في بلاد الهند . وكثيرًا ما خرج محمود مع سيرون سائسه لاصطياد الأرنب البري خاصة .
وفي أثناء عودة جلال الدين إلى بلاده للقاء جنكيز خان . لم يشغله ذلك عن الانفتال عن عسكره ، والجري وراء غزال لاح له في أول الطريق ، فحبسهم ساعة ينتظرونه حتى رجع .
وبينما كان محمود وجهاد يسيران في مؤخرة الجيش إذ بصرا عن يمينهما بأرنب بري منطلق بين الحشائش في أسفل الجبل ، فساق محمود في طلبه وانطلقت جهاد وراءه وجد معهما الحارسان ليرداهما عن ذلك حتى غابوا جميعًا في منعطف الجبل ، ولم يكترث لهم أحد من الجيش اتكالاً على وجود الحارسين مع الأميرين ، ولم يخامر أحدًا منهم شك في أن هؤلاء سيعودون ويلحقون بهم ، وقد صار مألوفًا عندهم أن يتخلف الأميران عنهم قليلاً فلا يلبثان أن يعدوا وراءهم حتى يفوتاهم .
وأما ما فات الجيش كله علمه ، فهو أن سبعة من الأكراد الموتورين كانوا يسيرون وراءه غير بعيد منه ، متوارين خلف الأشجار أو خلف التلال يتطلعون إليه يقظين حذرين بحيث يرونه من حيث لا يراهم ، قد لمحوا محمودًا يطرد وراء الأرنب ناحية الجبل . وخلفه جهاد والحارسان . فداروا من خلف الجبل . وطلعوا عليه من ثنيته فجأة فأحاطوا بهم ، وتلقف أحدهم محمودًا فأنزله من جواده وكمَّم فاه وقبض ثان على جهاد وصنع بها ما صنع رفيقه بمحمود . وهدد الآخرون الشيخ سلامه وسيرون بقتلهما وقتل الأميرين معهما إذا صاح أحدهما بكلمة ، أو أبديا حركة للفرار ، فهم سيرون بالاستغاثة ، ولكن الشيخ سلامه أشار له أن يلزم الصمت وأن يطيع القوم ، فاستسلما لهم خوفًا على حياة الأميرين ، وطمعًا في أن يلحق بهم جماعة من الجيش للبحث عنهم إذا استبطئوا عودتهم .
ولكن هذا لم يغب عن الأشقياء ، فجعلوا همهم الفرار بهم من ذلك الموضع بأسرع ما يمكنهم . فأردف اثنان منهم الصبيين وسبقاهم إلى الثنية ، وتبعهما الآخرون يسوقون الحارسين بسيوفهم ، حتى إذا بلغوا السفح الآخر من الجبل بدت من قبل سيرون محاولة للهرب .
فما أمهله أحدهم أن طعنه برمحه في كبده حتى أثبته ، فأخذوه فرموا به في منحدر ضيق عن يمين الجبل ، وأخذوا بعنان جواده ، ومضوا في منعطفات الجبال وسلكوا الأودية الضيقة ، ومازالوا كذلك حتى رقوا بهم الجبل الذي لاذ به جلال الدين بعد ذلك ، حين طارده التتار ، فلقي حتفه على يد الكردي الموتور .
وكان يسكن هذا الجبل قوم من الأكراد شطار ، يقطعون الطرق على القوافل فينهبونها ؛ وعلي المسافرين فيقتلونهم ويخطفون أطفالهم ونساءها فيبيعونهم لعملائهم من تجار الرقيق الذين كانوا يرتادون هذا الجبل لهذا الغرض الممقوت فيحملهم هؤلاء إلى أسواق العراق و مصر والشام .
لم يقم محمود وجهاد بجبل الشطار إلا بضعة أيام ، حتى جاء أحد تجار الرقيق إلى الجبل ، فعرضوهما عليه بعد أن غيروا اسميهما العربيين باسمين أعجميين فاشتراهما منهم بمائة دينار ، أما الشيخ سلامة فإنه لما عرض على التاجر أبي أن يشتريه ، وقال : " ما أصنع بهذا الشيخ الفاني ؟ " فاستاء الشيخ من ذلك ، فقد كان يود أن يصحب الأميرين لعلهما يستأنسان به ، أو يحتاجان إلى خدمته ، ولو بعد حين ، ريثما يوطنان أنفسهما لهذا الأسلوب الجديد من الحياة الشاقة التي تختلف عن حياتهما السابقة كل الاختلاف .
ولما يئس من مرافقتهما لأن التاجر أبي شراءه حزن لذلك أشد الحزن إلا انه تعلل بأنه مهما رافقهما فلابد أن يفترق عنهما يوما في سوق النخاسة . فسلم أمرهما إلى الله .
وأراد أن يزودهما بنصيحة تنفعهما في حياتهما الجديدة ، فتوسل إلى البائعين ، ليأذنوا له أن ينفرد بهما ، كي يودعهما ، ويسدي إليهما نصائح تنفعهما ، فأذنوا له بذلك ، وكان مما يسر له موافقتهم أن محمودًا كان لا يكف عن التبرم والشكوي ولا يفتأ يلعن خاطفيه ويسبهم ويعلن أنه ابن أخت السلطان جلال الدين ، وأن جهاد ابنته وأن من باعهما أو اشتراهما فهو متعرض لنقمة السلطان وسطوته وكان يضرب بيده أو يركل برجله أي واحد من هؤلاء يقترب منه ، فيعاقبونه بالضرب الموجع ليمتنع عن ذلك .
فلا يمتنع ، وأن جهاد كانت تواصل البكاء لا يرقأ لها دمع ، ولا يسوغ لها طعام ، حتى نحل جسمها ، واصفر وجهها ، وخشي عليها من جراء ذلك ، فقال لهم الشيخ : إنه لو خلا بهما فتلطف في نصحهما لربما استطاع أن يفثأ لوعتهما ، ويهدي ثورتهما ، ويصرفهما عما هما فيه من البكاء وعدم الانقياد ، فكان في ذلك مصلحتهما ومصلحتهم ومصلحة التاجر ، وكان يقول له ذلك بغاية الحكمة والرزانة ، فاستنصحوه واستصوبوا رأيه ، وقبلوا طلبه .
ولما خلا بهما قال لهما بصوت يفيض رقة وحنانًا ، ويتنازعه الحزن ، والتجلد : " يا أميري الحبيبين قد رأيتما ما نحن فيه من البلاء والمكروه ، وإن علينا أن نلقاه بالصبر حتى يأتينا الفرج من الله ، وإنه لقريب إن شاء الله ، إنكما حديثا السن ، طريا العود ، ولكن الله قد رزقكما من الذكاء والفطنة ما تفوقان به على كثير ممن هم أكبر منكما سنًا ، أنتما من أولاد الملوك ، فجدير بكما أن تصبرا صبر الملوك ، وإن الجزع لا يفيدكما شيئًا بل يزيد بلاءكما وشقاءكما ، وربما يسلمكما إلى مرض يودي بحياتكما ، فيشق ذلك على مولاي السلطان جلال الدين حين يطلبكما بعد أن ينتهي من قتال التتار فلا يجدكما .
يا ولدي العزيزين إن هؤلاء اللصوص اختطفوكما ، وباعوكما لهذا التاجر ، وإن مصلحته أن تكونا معه بخير حتى يبيعكما بثمن يرضيه . فاسمعا له وأطيعاه ؛ ليحسن معاملتكما ، ولا يتعرض لكما بسب أو إهانة . وإنه يعرف قدركما ولا يجهل قيمتكما ، وسيطلب بكما ثمنًا كبيرًا فلا يتصدي لشرائكما إلا السراة والأمراء ومن فوقهم من الملوك والخلفاء حيث تعيشان في قصورهم عيشة صالحة ، حتى تنقضي هذه المحنة القصيرة إن شاء الله .
إن مولاي السلطان جلال الدين سينتصر على التتار بإذن الله ، وسأكتب إليه بأمركما فسيبعث في طلبكما من أطراف الأرض ، وسترجعان إليه فيفرح بكما وتفرحان به . ولكي يسهل عليه الاهتداء إليكما ، عليكما أن تصغيا لما أقول ، إياكما أن تقولا لأحد إنكما من أولاد جلال الدين ، اكتما هذه الحقيقة عن كل أحد لأن هذه الحقيقة قد تسبب لكما متاعب أنتما في غني عنها ، وقد تحول دون سهولة الاهتداء إليكما حين يسعي في طلبكما مولاي السلطان ، إذ قد يضن بكما من تكونان في حيازته ، فيبالغ في إخفائكما ، ويحول بينكما وبين وسائل الإعلان عن مقركما ، إما بالكتابة إلى مولاي السلطان أو الاتصال بأحد معارفه أو رسله . أما إذا بقي هذا السر مكتومًا حتى تحين ساعة الطلب ، فسيكون يسيرًا عليكما أن تهدياه إلى مقركما ، حيث يأخذكما إليه والحمد لله قد كفانا هؤلاء اللصوص مؤنة تغيير اسميكما ، فليعتمد كلاكما اسمه الجديد ، ولا يجد في ذلك حرجًا ، فإنه اسم مؤقت ينتهي أجله حين تنقشع هذه الغمامة ، ويومئذ يموت المملوك قطز ، وتموت المملوكة جلنار ، ويعود الأمير محمود بن ممدود والأميرة جهاد بنت السلطان جلال الدين إلى القصر الملكي بغزنة حيث يرثان ملك آل خوارزم شاه بعد عمر مديد لمولاي السلطان .
قال محمود : " هيهات أن يكون المملوك ملكًا ، إني لا أريد الملك ، وحسبي أن أعود أنا وجهاد إلى خالي ، وأقاتل التتار معه " .
فقال الشيخ : " اذكر قصة يوسف الصديق عليه السلام كيف بيع بدراهم معدودة لعزيز مصر ، فما لبث أن صار ملكًا على مصر ، وهكذا تحدثني نفسي أنك ستكون كيوسف غير أن يوسف كان من بيت النبوة ، وأنت من بيت الملك ، يا ليتني أعيش حتى أراكما تملكان البلاد ، ولكني شيخ كبير لا أحسب عمري يمتد بي إلى ذلك العهد السعيد " .
وكانت جهاد تصغي لحديث الشيخ بكل جوارحها ، وقد كفكفت دمعها ، واطمأنت إلى صدق ما يقول ، فما قال الشيخ كلمته هذه حتى قالت له : " كلا ستكون معنا دائما ولن تفارقنا " .
فقال الشيخ : " يسمع الله منك يا أميرتي الصغيرة ، إني سأبقي هنا ، لأن التاجر أبي أن يشتريني لكبر سني .
ولكني سألقاكما قريبًا إن شاء الله عند مولاي جلال الدين ، فلا أفارقكما حتى الموت ولعل بقائي هنا أنفع لنا ، إذ أكون قريبًا من بلادنا فأكاتب السلطان بأمركما ، وأطمئنه بوجودكما " .
وأحس الشيخ بأن مدة الانفراد بالصبيين قد طالت ، وخشي من غضب الجماعة عليه ، فأعاد عليهما مجمل حديثه السابق تثبيتًا له في أذهانهما . وأكد عليهما ألا يبوحا بحقيقة حالهما لأحد ، وأن يطيعا أمر مولاهما ، ليحسن معاملتهما ، ثم دنا منهما فضمهما إلى صدره وهو يقول : " استودعكما الله حافظ الودائع " فطفقا يبكيان ويقبلان رأسه ، ثم قام بعد أن هدأهما وجفف دموعهما ، وسار بهما إلى مجلس القوم ، حيث ينتظرهما التاجر ليمضي بهما .
فقال له : يا سيدي إني قد أوصيتهما بطاعتك فلن يخالفا أمرك ، فأوصيك بهما خيرًا ، إنهما حديثا السن قليلاً التجارب ، فارفق بهما وأحسن سياستهما بارك الله لك فيهما وبارك لهما فيك " .
وعجب القوم إذ رأوا الغلام قد لان جانبه وانكسرت شكيمته ، بعد أن كان عصيًا عنيدًا ، والجارية قد سكن جأشها ، واطمأن بالها ، فتبعا مولاهما طائعين ، غير متمردين ولا متذمرين ، غير أنهما لما ارتحل التاجر بهما على بغاله ، غامت عيونهما بالدمع والتفتا إلى جهة الشيخ وجعلا يلوحان له بأيدهما حتى اختفيا .
واختلف القوم في أمر الشيخ ماذا يصنعون به ، فمن قائل نطلقه يمضي حيث يشاء ، ومن قائل نستخدمه وندعه يحتطب لنا ، حتى اتفقوا آخر الأمر على أن يبقوه عندهم حتى يبيعوه لتاجر أخر قد يرغب في شرائه
وما أوي الشيخ سلامة إلى محبسه ، حتى انكب على وجهه وجعل يبكي بكاء مرًا ، وهاجت شجونه ، فتذكر أيامه في خدمة مولاه الكبير السلطان خوارزم شاه وخدمة السلطان جلال الدين من بعده ، وما شهدت عيناه من الأحداث والنكبات التي حلت ببيتهما وكان آخرها هذا الذي نزل ببقية ذلك البيت المجيد ، وأفضي بهذين الأميرين الصغيرين إلى ذل العبودية وهوان الرق ، حيث يباعان في أسواق النخاسة ، ويتنقلان في أيدي المالكين .
ومما زاده ألمًا وحسرة وكمدًا ، أنه – وهو خادمهما الأمين – قد استعمل نفوذه عليهما ، وثقتهما به واطمئنانهما إليه ، في حملهما على الرضاء بهذا الهوان ، واستنزالهما عن إيمانهما وعزتهما ليخضعا خضوع العبيد لمن اشتراهما بمائة دينار ، وأنه استغل سذاجتهما وسلامة نيتهما وقلة بصرهما بالحياة ، فخدعهما عن حقيقة حالهما ، وكنه مصيرهما وأوهمهما ضلة وكذبًا أن هذه محنة طارئة لا تلبث أن تزول وغمة عارضة لا تلبث أن تنقشع .
نعم إنه أشفق عليهما من إهانة المولي وقسوة المالك ، ولم يرد بهما إلا الخير ، إذ نصحهما بالخضوع وحسن الطاعة ، ولكن علام هذا كله ؟ ، وفيم هذا الحرص على البقاء ؟ ، وما قيمة الحياة إذا فقد المرء حريته وشرفه ، وصار سلعة تباع وتشتري ؟ فكيف بأمير وأميرة نشأ في أكبر بيوت الملك ، وتقلبا في أعطاف النعمة والعز ، يراد بهما أن يرضيا بحياة العبد والأمة ، حيث يلقيان صنوف الذل وألوان الامتهان ، ويلقي إليهما أن في ذلك خيرهما وسعادتهما لئلا يأتيهما الموت ، فيقطع عنهما فتات الموائد وفضول الشراب ! .
إنهما ذهبا راضيين لما خلبهما من سحر حديثه ، آملين أن يعودا إلى كنف السلطان جلال الدين بعد برهة قصيرة من الزمن . فماذا يكون حالهما إذا تبدد منهما هذا الحلم الجميل ، وعرفا الحقيقة المرة أن لا خلاص من حياة الرق ، ولا فكاك لهما من قيد الاستعباد ؟
وأنكي من ذلك أن هذين الأميرين عاشا أليفين متلازمين منذ الطفولة ؟ لم يغب أحدهما يوما واحدًا عن الآخر . ولا يكاد يصبر ساعة عنه . وقد ظنا حين ذهبا مع النخاس أنهما سيظلان كما كانا رفيقين متلازمين ، ولم يخطر ببالهما قط أن أسواق الرقيق قد تفرق بينهما ، فيقع هذا في يد رجل من المشرق وتباع هذه لرجل من المغرب ، وكانا يشعران من طول تلازمهما أنهما شخصان لا يفترقان أبدًا وأنهما سيعيشان معا ويموتان معًا ، وما دار بخلدهما أن أحدًا من الناس مهما بلغ من الحول والقوة ، ومهما بلغ في تعذيبهما واضطهادهما يمكن أن يفكر في إبعاد أحدهما عن الآخر ، فهذا شيء لا سبيل إليه ، وما علما أن تجار الرقيق لا يرعون لمثل هذه الألفة عهدًا . ولا يقيمون لهذه الصحبة الطويلة والتعاطف الأخوي وزنًا . وإنما يعتبرون المال وحده ، ويميلون مع الريح حيث تميل . فإن قدر لهما أن تضمهما يمين مالك واحد . كان ذلك اتفاقًا غريبًا وصدفة غير مقصودة ، لا رعاية لهما ولا إبقاء على اجتماع شملهما .
جاشت هذه الخواطر كلها بقلب الشيخ المكلوم ، فشعر بهم عظيم يسد ما بين جوانحه ، ويأخذ بأكظامه ، فمل الحياة وتمني لو اخترمه الموت ، فأراحه من همومه وآلامه . وبقي أيامًا لا يذوق الطعام الذي يقدم إليه حتى وهنت قوته وساء حاله ، وأصابته حمي شديدة بات يهذي منها طوال ليله . حتى وجدوه في الصباح جسدًا هامدًا لا حراك به . فكفنوه في ثيابه ، وأهالوا عليه التراب .
مات الشيخ سلامة الهندي . ولم يدر بخلده وهو ينعي نفسه في ذلك الجبل النازح أن مولاه وولي نعمته السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه سيلقي حتفه في ذلك الجبل . بعد بضعة أيام من وفاته ويدفن على مرمي حجر من قبره . في تربة كل قاطنيها عنها غريب وليس لهما بينهم من صديق أو حبيب .
avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 534
نقاط : 1221
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 43

رد: قصة وإسلاماه بالتعديل

مُساهمة من طرف أ-رمضان في الأربعاء أكتوبر 18, 2017 8:06 pm

الفصل السادس


أما قطز و جلنار ، فقد وصل بهما التاجر إلى حلب ، فأنزلهما معه في بيت بعض معارفه ، وكساهما ثيابًا حسنة وأراحهما ، ولم يكلفهما أي عمل يقومان به ، ولم يحبسهما في المنزل بل تركهما يجيئان ويذهبان كما شاءا في ساحة الحي .
وكان لطيفًا معهما طوال الطريق ، يقدم لهما الطعام ، ويساعدهما في الركوب والنزول ، ويجاذبهما أطراف الحديث ويداعبهما ، ويسليهما بالقصص والنوادر باللغة الفارسية التي كان يجيدها إجادة حسنة، حتى مال الصبيان إليه ، وخف عنهما ما كانا يجدان من الوحشة والقلق. ونظرا إليه كأنه صديق لهما ، لا مالك اشتراهما بالمال .
وكان للتاجر مملوك ثالث في سنهما ، يدعي ببيرس ، قد أحضره إليه أحد وكلائه ، فضمه إليهما ، ولكنه كان يعامله معاملة قاسية ، ويضربه ويحبسه في المنزل لا يبرحه مثلهما : فعجبا في أول الأمر من خلق الرجل كيف يرفق بهما ذلك الرفق ، ثم يقسو هذه القسوة على الغلام ؟
ولكن سرعان ما زال عجبهما حين عرفا ببيرس وتمرده على مولاه ، وسوء خلقه معه وميله دائمًا للإباق منه ، فأدركا حينئذ أن مولاهما حكيم في سياسته يعامل كلاً بما يليق من الشدة واللين . على أنهما مع ذلك لم يخلوا من الرقة لهذا الغلام القبجاقي الأشقر ، ذي العيون الزرق التي تنم عن الحيلة والمكر .
فكان قطز يحسن إليه على غير علم هؤلاء ، ويقتطع له شيئًا من إدامه وحلواه فيقدمه له فيلتهمه الصبي التهامًا ، فنشأت من جراء ذلك صداقة متينة بينهما . أما جلنار فكانت مع شفقتها عليه تشعر بنفور شديد منه ، وتتقي نظراته الحادة كأنها سهام ماضية لا تقوي على احتمالها عيناها الوديعتان .
وما هي إلا أيام قلائل حتى حل موعد السوق بحلب . وكان يوم الأربعاء من كل أسبوع ، فتقاطر إليه الناس من سائر مدن الشام وقراه ، ليشهدوا منافع لهم ويبيعوا ويبتاعوا وكان يقام في رحبة واسعة في طرف من أطراف المدينة تنصب فيها الخيام . وتضرب فيها السرادقات العظيمة وتقسم أقسامًا : فقسم للحبوب والغلال ، وقسم للأقمشة والملابس من الصوف والقطن والكتان والحرير ، وقسم للآنية والسرج وسائر أدوات المنازل ، وقسم للأدوية والعطور ، والأدهنة والمقويات ، وقسم للجواري والعبيد ، قسم للخيول والمواشي ، إلى أخر ما هنالك ، وكان كل قسم من هذه الأقسام يسمي سوقًا ، فسوق الغلال ، وسوق البز وسوق الرقيق ، وسوق الخيل ، وهلم جرًا .
ولما أصبح يوم الأربعاء ، أمر التاجر مواليه الثلاثة فاغتسلوا وكساهم ، وأصلح شعورهم وطيبهم ، ثم مضي بهم إلى السوق الكبيرة ، أما ببيرس فقد أمسك التاجر بيده يجره جرًا وهو يسبه ويلعنه ، وأما قطز و جلنار فقد أطلقهما ، فسارا فرحين وما يظنان إلا أنهما ذاهبان لشهود هذا الموسم العظيم ، والتفرج على ما فيه ، حتى بلغ بهم سوق الرقيق فإذا سرادقات عظيمة مملوءة بالجواري والغلمان من بيض وسود وألوان بين ذلك شتى ، وقد جلسوا على الحصر جماعات متفرقة وقام على كل جماعة منهم الدلال الذي عهد إليه ببيعها ، فيأخذ الدلال أحدهم ويوقفه على دكه منصوبة أمامه ، وينادي عليه بين الذين حضروا للابتياع بكلمات مسجوعة أو منظومة في الإشادة بمحاسن المعروض للترغيب في شرائه . وهؤلاء السماسرة يفتنون في ذلك افتنانًا عجيبًا ، ويستعين كثيرًا منهم بالشعراء لينظموا لهم مقطوعات في أوصاف الجواري والغلمان ونعوتهم المختلفة ، فينادون بها على من يعرضون من الرقيق بحسب ما يقتضيه المقام .
وما إن سلم النخاس مواليه الثلاثة إلى أحد الدلالين جعل يقلبهم ، ويصعد النظر فيهم ، كأنه يختبر نعوتهم ويتبين سماتهم ، ثم كتب أسماءهم في دفتره ، وتحت كل اسم منها صفته وسنة و أصله ، وأقل قيمة يطلبها صاحبه فيه ثم دفعهم إلى الحصير فقعدوا عليه بين غيرهم من الرقيق الذي عنده .
أما بيبرس فقعد مطمئنًا لا أثر عليه من امتعاض أو اكتئاب ، وجعل يجيل نظراته الحادة فيمن حوله من الناس ، فإذا رأي عبدًا أسود ، أو جارية شوهاء أو غلامًا قبيح الخلقة ، ضحك عليه وأشار لقطز إليه غير مكترث بالدلال الذي كان يحده بالنظر ، مرة بعد مرة ، ويقطب له ليردعه بذلك عن عمله ، فما يجيبه بيبرس بغير إخراج لسانه ، وتحريك حاجبيه .
وأما قطز وجلنار فقد غلبهما الوجوم ، وأصبحا لا يعيان شيئا مما حولهما ، وظنا نفسيهما في منام لا في حقيقة ، لولا أنهما تذكرا ما وقع لهما من اختطاف اللصوص ، ثم بيعهما إياهما للنخاس . وما زالا بعد في ريب من أن يكون التاجر الواقف أمامهما بعد إذ سلمهما للدلال ، هو عين ذلك الرجل الذي أحسن إليهما منذ يومهما . وأظهر لهما ذلك البر وتلك الرعاية . وترقرق الدمع في مآقيهما فكانا يمسحانه بطرف ردائهما مسارقة ، وما أمسك دمعهما أن ينسكب إلا حياؤهما من أن يبدو عليهما الضعف بين من حولهما من الناس ، أو يظهرا أقل جلدًا ، واحتمالا من زميلهما الضاحك العابث .
ومرت ساعات طويلة شهدا كيف تعرض الإماء والعبيد والغلمان ، وينادي عليهم ، ويقلبهم الراغبون في الشراء ظهرًا لبطن ، لا فرق بينهم وبين السلع ، فينفق من ينفق منهم ، فيمضي لسبيله مع من اشتراه ، ويبور من يبور ، فيعاد إلى مكانه في الحصير كاسف البال . حتى جاء دورهما ودور صاحبهما فبدئ ب(بيبرس . ونصب على المنصة وهو يلتفت يمينًا وشمالاً ، وقد جرد من ثيابه إلا ما يستر وسطه فبدا يابس الساقين بارز الصدر مفتول الساعدين ، فنادى المنادي وهو يضرب على صدره وظهره
من للفتي القبجاقي

ينفع في الحماقِ

يدفع عن مولاه
كيد الذي عاداه


ستطلع الأيام

إن صح ظني فيه


مغامرًا مقدامًا

يعزمن يؤويه


يهزأ بالأهوال
في ساحة النزال


فتقدم إليه رجل يظهر من سحنائه وزيه أنه تاجر من مصر ، فاشتراه ونقد الدلال ثمنه مائة دينار . وكان مالكه النخاس لا يطمع في أكثر من خمسين دينارًا ولكن الدلال لما لحظ تطلع التاجر المصري إليه وشدة رغبته فيه ، جعل يرفع قيمته حتى بلغ بها مائة ، فكان فوق أجرة الدلالة نصف ما زاد من قيمته على ما حدده المالك ، أي خمسة وعشرون دينارًا . وقد فرح الدلال بهذه الصفقة فرحًا كبيرًا جعله يبالغ في ملاطفة التاجر المصري ويقول له : " خذه إليك …… بارك الله لك فيه ، وحافظ على هذا الغلام الخبيث ، فإنه شرس أباق
ولم يكن بيبرس يعرف العربية إلا قليلاً ، ولكنه فهم من حركات الدلال وإشارات يده ، ونبرات صوته ، معني الكلام الذي نادي به عليه ، فوقف حين وقف على الدكة مختالاً بنفسه ، مدلاً بقوته ، ونزل حين نزل منها ومشي إلى مولاه المصري مزهوًا يكاد يخرق الأرض تيهًا ، ولم يمض المصري بعد أن اشتري بيبرس ، بل عاد إلى مكانه الأول ولزمه ، ينظر إلى الصبيين الوضيئين كأنه يرغب في شرائهما أيضا ، أو يريد أن يري كم يبلغ ثمنهما .
وأخذ الزحام يشتد على حلقة الدلال حينما تهيأ لعرضهما وكان في الحاضرين رجل دمشقي جميل الهيئة ، تبدو عليه مخايل النعمة واليسار ، وقد وخطه الشيب في رأسه ولحيته ، فزاده وقارًا وهيبة ، وقد حضر إلى سوق الرقيق من الصباح الباكر . فظل زمنًا يطوف على حلقات السماسرة ، يجيل بصره في وجوه الرقيق ، وكلما لمحت عينه صبيًا أو صبية ، وقف عنده يتأمله تأملاً دقيقًا .
حتى وصل إلى حلقة دلالنا حافظ الواسطي ، فما وقع بصره على قطز وجلنار ، حتى خفق قلبه ، وقال في نفسه : " هأنذا قد وجدت بغيتي " ، ووقف برهة يتفرس في الصبيين ، فما يزداد إلا ميلاً إليهما ورغبة فيهما ، ثم دار على الحلقات الأخرى كرة أخري كأنه أراد أن يتثبت لنفسه ويستيقن أن ليس فيها أصلح له منهما ، وأوفق ، أو إنما شاء أن يصرف الأنظار عنه ، ولا سيما نظر الدلال لئلا يعرف تعلقه بهما فيغليهما عليه . ثم عاد إلى الحلقة واتخذ لنفسه مقعدًا في جانب منها ، بحيث يري الصبيين ، فظل يسارقهما ويسارق الناس النظر إليهما طوال لبثه هناك ، ينتظر أوان عرضهما .
وما لبث قطز وجلنار أن شعرا بمكان هذا الشيخ الجميل الهيئة وتكراره النظر إليهما دون سائر الحاضرين الذين شغلهم التطلع إلى المعروضين قبلهما ، والاستماع إلى ما ينادي به الدلال الفصيح عليهم ، من طرائف البيان الممتع ، فألهاهم ذلك عنهما . وهما يمسحان دمعهما الفينة بعد الفينة ، خلسة عن الأعين ، إلا عين ذلك الشيخ الذي كان لا يغفل عنهما لحظة ، كأنه مشغول بهما عما الناس فيه .
فتضايقا أول الأمر من عينه العالقة ، وحسباه رقيبًا موكلاً باستطلاع ما يحاولان ستره عن العيون من لواعج همهما ، لما شعرا به من الذل والمهانة في ذلك الموقف البغيض .
ولكنهما ما لبثا إذ رأيا الطيبة الناطقة في وجهه ، والحنان الفائض من عينيه ، أن تبدل شعورهما نحوه ، فصارا يميلان إليه ، وطفقا يبادلانه النظر بحب وطمأنينة ، أحس بهما الرجل فشاع السرور في وجهه ، ولولا مراعاة الحاضرين لقام إليهما فاحتضنهما كما يحتضن الأب ولديه يلقاهما بعد غياب طويل ، وكذلك كان شعور الصبيين نحوه شبيهًا بشعوره نحوهما .
إذ أحسا كأنه صديق لهما يعرف حقيقة حالهما ، وسر نكبتهما ، قد جاء لينقذهما مما هما فيه . وما يدريهما ألا يكون رسولاً من قبل أبيهما السلطان جلال الدين ،قد بعث في طلبهما بعد أن فرغ من قتال التتار . ألم يقل لهما ذلك الشيخ سلامة الهندي ؟ ألم يعدهما بأنه سيكاتب السلطان بأمرهما من الجبل ؟‍ ! .
كان الصبيان يجيلان هذه الأفكار في رأسيهما في وقت معًا ، كأنما يستبقان في شوط واحد ، ولا بدع في ذلك من أمرهما ، لأنهما درجا معًا ، حتى بلغا من التآلف والتمازج أن صار أحدهما يعرف خبيئة نفس الآخر ، ومكنون صدره ، كأنهما يشعران بقلب واحد . ولبثا ينتظران أوان عرضهما بفارغ الصبر، وهما لا يشكان في أن صاحبهما سيتقدم لشرائهما ولا يغليهما عنده ثمن ، وتشوقًا إلى معرفة سره إذا ما اشتراهما ومضي بهما من ذلك السوق الذي أندي جبينهما ، ولقيا فيه الخزي والهوان .
أما الدلال فإنه ما كاد يفرغ من أمر بيبرس حتى وجد الناس يتطلعون إلى الصبيين ، وما يشكون في أنهما شقيقان لشدة تقاربهما في الملامح ، واتفاقهما في الدم ، فوقف أمامهما لا يدري بأيهما يبدأ ، وكانت سنته في ذلك أن يبدأ بالأقل قدرًا : ليحتفظ ببقاء الناس في حلقته ، متطلعين إلى من يفضله من الباقين عنده . وقد حار أي الصبيين يقدم ؛ لأنه لما يجزم أيهما يفضل أخاه ، ولكن قطزًا قطع عليه هذا التحير في التخير . إذ قام فتقدم يعرض نفسه فما وسع الدلال إلا قبول عرضه ، فأوقفه على الدكة ووجهه يحمر خجلاً ، يكاد ينبجس منه الدم ، ونادي عليه والعيون ثابتة فيه :
من للغلام الوسيم
من للنجارالكريم

ذكاؤه فوقسنه وحسنه دون يمنه

سماحةوشجاعة
وعزةووداعة

لولا صروفالليالي
ما بيع هذا بمال

ولم يكد الدلال يتم نداءه هذا حتى تسابق الراغبون في شرائه أيهم يفوز به ، فجعلوا يتبارون في رفع قيمته ، حتى بلغوا بها مائتين وسبعين ، فأتمها الدمشقي ثلاثمائة ، فلم يجرؤ أحد على الزيادة ، فسلمه الدلال إليه وهنأه به . ومضي الغلام إلى مولاه الجديد فرحًا يحمد الله على أن لم يظفر به سواه قريبًا منه وما لبث الشيخ أن كلمه كلامًا لينًا تطييبًا لخاطره ، فلم يفهم قطز ما يقول ، ولكنه أدرك أنه يلاطفه بذلك ، فود لو أنه كان يعرف اللسان العربي ليجيبه على حديثه .
فاكتفي بأن ابتسم له ، ولم يمهلهما الدلال طويلاً إذ أخذ حينئذ بيد جلنار ، فأقامها على الدكة فتوجه انتباههما وانتباه الناس إليها ، وقد تورد خداها وأخذت ترنو إلى قطز وإلي مولاه الشيخ كأنها تستعطفه أن يحوزها ولا يدع أحدًا غيره يفوز بها دونه . ولم يخف على الدلال تطلع الحاضرين . ولا سيما الرجل الدمشقي لشرائها ، ولو شاء لاستغني بعرضها عن المناداة عليها ، ولكنه لم يشأ أن يخل بعادته هذه ، ولم تطب نفسه بالسكوت عن الإشادة بمحاسن هذه الصبية البارعة الحسن فجعل يقول :
يا قطرة من الندى
يافلقة من القمر

يا نسمة من الشذا
تنفست وقت السحر

حاملة في ردنها
أطيب أنفاس الزهر

فتنافس الحاضرون في شرائها ، ولكن الرجل الدمشقي ظل يزايدهم في الثمن حتى بلغ ثلاثمائة دينار ، وكان قد عزم على أن يقف عند هذا الحد ولا يزيد عليه . و كاد يتركها لمنافسه الذي زاد عليه عشرة دنانير .
لولا أن نظر إلى قطز فرآه ممتقع الجبين يابس الشفتين ينتفض من القلق . والدمع في عينيه يستعطفانه ألا يبخل بالزيادة لئلا يفرق بينه وبين رفيقته . فرق له ، وغلبته الشفقة ، فزاد أربعين دينارًا دفعة واحدة ، ليقطع على منافسه السبيل فعرف المنافس أن لا فائدة من المزايدة فتركها له .
وما كان أشد فرح الغلام إذا أعلن الدلال أنهما لمولاه ، وقدمهما له فنقده الشيخ ثلاثمائة وخمسين دينارًا ، ومضي بهما وهما لا يكادان يصدقان من الفرح أنهما قد نجوا من خطر الافتراق .

avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 534
نقاط : 1221
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 43

رد: قصة وإسلاماه بالتعديل

مُساهمة من طرف أ-رمضان في الأربعاء أكتوبر 18, 2017 8:07 pm

الفصل السابع



اطمأن بالصبيين المقام بدمشق عند سيدهما الجديد الشيخ غانم المقدسي ، ونزلا في قصره الكبير بدرب
القصاعين ، تحيط به حديقة غَنَّاء حافلة بالكروم وأشجار التين والتفاح والزيتون .
وكان الشيخ غانم المقدسي من أعيان دمشق ووجهائها المعدودين ، له أملاك كبيرة وضياع واسعة ورثها عن آبائه ، وكان رجلاً طيبًا يحب الصدقة ويحضر مجالس العلم ، وقد كبر في السن ولم يسلم له من الولد إلا ابن يدعي موسى كان قد أنفق في تربيته وتهذيبه كثيرًا من المال ، ليجعل منه رجلاً صالحًا يخلد ذكره ويخلفه في بيته المجيد .
ولكن موسى أخلف ظن أبيه فيه ، فنشأ فاسد الخلق ميالاً إلىاللهو ومخالطة عشراء السوء من الفتيان الخلعان الماجنين ، وقد حاول أبوه بكل وسيلة أن يصرفه عن ذلك فلم يفلح ، وما زاد موسى إلا عتوًا ونفورًا حتى يئس من إصلاحه ، فترك حبله على غاربه واعتبره كأن لم يكن . ولولا مكان والدته وشفاعتها فيه لطرده من بيته وتخلص من معرته . وقد دفعه يأسه من ولده إلى التفكير في أن يبتاع غلامًا وسيمًا حسن الطاعة عسى أن يتخذه ولدًا يأنس به ، ويطمئن إليه ، ويجد عنده من البر والاستقامة ما فقده في ولده .
فجهد زمنًا يتتبع أسواق الرقيق ليجد الغلام الذي يطمح حتى وجد ضالته في قطز فاشتراه ولم يتردد ، لما توسم فيه من الخير والنبل ، وعنَّ له لما رأي جلنار أن يشتريها أيضًا ، ليتخذها ابنة تؤنسه وتؤنس زوجته العجوز .
وشاء الله ألا تخطئ فراسة الشيخ في الصبيين فلم تمض عليهما في حوزته إلا أيام قلائل حتى تبين إخلاصهما في حبه وتعلقهما الشديد به فأحبهما وأنزلهما من نفسه منزلاً كريمًا .
وبالغ في رعايتهما والحدب عليهما ، ووكل بهما من ساعدهما على تعلم اللسان العربي ، فكان لهما من ذكائهما ما أسرع بهما إلى معرفته وإتقانه في زمن قصير .
ووردت الأنباء إذ ذاك بموت الطاغية جنكيز خان في مسقط رأسه ، وأن قومه التتار الذين كانوا يقاتلون السلطان جلال الدين قد انحسروا إلى بلادهم ، ورجعوا عن غزو بلاد الإسلام لما بلغهم خبر هلاكه . ففرح الناس بذلك فرحًا عظيمًا ، وذهب عنهم ما كان يساورهم من الخوف والهلع ، وحمدوا الله على أن كفاهم شر أولئك الغزاة المتوحشين الذين ينزلون الهلاك والدمار والنقمة والعذاب بكل بلد ينزلونه ، وبلغهم كذلك موت السلطان جلال الدين قتيلاً في جبل الأكراد حين لجأ إليه بعد ما انهزم من عدوه .
فمنهم من شمت بموته ، ومنهم من حزن عليه لما قام به وقام أبوه من قبله من جهاد التتار وصد جموعهم عن بلاد الإسلام .
استفاضت هذه الأخبار في دمشق حتى صارت حديث الناس في مجالسهم وأسمارهم ، وتذكروا وقائع جلال الدين ، وخوارزم شاه مع التتار ، وما حل بهما وببيتهما من النكبات العظام ، حتى انطوي ملكهما ، وانقطع دابرهما ولم يبق من أهلهما من أحد . ولكن أحدًا منهم لم يعلم أن ابنة جلال الدين وابن أخته يعيشان بين ظهرانيهم في قصرمن قصور مدينتهم العظيمة ، وعند رجل من كبار أعيانها .
وقد حزن قطز وجلنار لما بلغهما موت جلال الدين ، وقد كانا يمنيان أنفسهما بالرجوع إليه ، فانقطع أملهما في ذلك ، وأيقنا أنهما سيبقيان في رقهما إلى الأبد ، وإنما عزَّاهما في ذلك وخفف من حزنهما ما كانا يجدان من بر مولاهما وحسن رعايته وإحسانه ، فجعلهما يسلوان مصابهما وشيكًا . ومرت السنون سراعًا ، وتوالت الأحداث تتري ، وانقضت لهما في بيت الشيخ غانم المقدسي عشرة أعوام أو تزيد نميا فيها وترعرعا حتى بلغ قطز مبلغ الرجال ، وبلغت جلنار مبلغ النساء .
وكانت الألفة التي بينهما تنمو معهما وتترعرع فشعرا بفيوض من السعادة لم يشعرا بمثلها قط تغمرهما فتنسيهما كل ما مر بهما من نعيم الملك وما اختلف عليهما بعد ذلك من صروف الأيام ونكباتها ، وحليت الدنيا في عينيهما فصارت رياضًا وأنهارًا وورودًا وأزهارًا ، وطيوفًا من ضياء الشفق البهيج ، وروحات من نسيم الفجر العليل يتقلبان منها في أيام كلها أصيل وليال كلها سحر .
وكان مولاهما الشيخ وزوجته يعلمان بهذه الصلة البرئية الطاهرة بينهما فشملاهما بالعطف والرضا ، وتعهداهما بالتنمية ، ووعداهما بتزويج أحدهما من الآخر حينما تتهيأ الفرصة ويخف الشيخ من مرض الشلل الذي ألم به ، لكي يحتفل بعرسهما .
ولما تطاول به المرض أراد أن يحتاط لمستقبلهما فأوصي لهما بجزء من أملاكه ، وبأن يعتقا إذا ما دهمه الموت قبل أن يهيئ لهما أمرهما . علي أن الجنة التي يعيش فيها هذان الحبيبان لم تخل من شيطان يكدر صفوها عليهما ، وينفث فيها سمومه نكاية بهما وسعيا في إخراجهما منها .
فهذا موسى الخليع الفاسد قد زادت غيرته من قطز لما انفرد به دونه من ثقة أبيه حتى سلمه مقاليد خزائنه ، وأسند إليه إدارة أمواله وأملاكه . فكان قطز يوزع صدقاته ونفقاته على أقاربه وذويه ، وينفق على حاجات القصر ومن فيه من الخدم والعبيد ، ولا يخرج دينار ولا درهم إلا من يده . فشق ذلك على موسى ، وغاظه أنه يتسلم راتبه اليومي من يد مملوك أبيه . ومما زاده حقدًا عليه أنه كثيرًا ما يحتاج إلى المال لينفقه في سبيل غيه وفساده ، فيتوسل إلى قطز ليعطيه زيادة على راتبه من غير علم أبيه ، فيأبي قطز ويقول له : " هذا مال سيدي ، وإنما أنا أمين عليه فلا أفرط فيه ، ولكن استأذن أباك فإن أذن لك أعطيتك منه ما تحب …" فيتوعد قطزًا ويتهدده ، وقطز لا يأبه له .
ولم تسلم جلنار من إيذائه ومضايقاته ، إذ كان يغازلها ويتعرض لها بكل سبيل ويسمعها كلمات يندي لها جبينها ويمجها سمعها ، فلما كثر ذلك عليها شكته إلى مولاتها ، فعنفته أمه على فعله ، قائلة له إنها زوجة قطز ولا سبيل له عليها ، وهددته بقطع نفقته وطرده من المنزل إذا عاد إلى مضايقتها ، وزاده هذا كراهية لقطز وغيرة منه .
وكان قطز يعطف على هذا الشاب الفاسد ويرق لحاله ويتحمل كثيرا من أذاه ، ولا يشكوه إلى أبيه لئلا يؤذيه ويزيد في مرضه ، وكان كثيرًا ما ينصحه بالإقلاع عما هو فيه من الشراب والفساد أو الإقلال منهما ، ويعده بالسعي عند والده ليرضي عنه ويزيد في راتبه . فما يزيده هذا إلا بغضًا لقطز ، وتعاليًا عليه ، وتماديًا في غيه .
واشتدت العلة بالشيخ غانم ، فقلق عليه جميع من في القصر ، إلا ابنه موسى ، فقد فرح بذلك وجهر بأن سيخلو الجو له بموت أبيه ، فيتصرف في أمواله وأملاكه كما يشاء ، وينتقم من قطز ، فيهينه ويضطهده وينتزع جلنار منه ، ويكرهها على الخضوع لما يريد وتمادي في الغي حين أيقن بقرب وفاة أبيه
ومات الشيخ غانم المقدسي بعد حياة مديدة قضاها في البر والتقوي والإحسان إلى الفقراء والمساكين والإنفاق على اليتامى والأرامل . فبكاه الناس وأسفوا لفقده وترحموا عليه ، وإذا ذكروا ابنه موسى عزَّ عليهم ألا يخلف هذا الرجل الصالح إلا ذلك الولد الطالح ! .
وأما قطز وجلنار فقد رحل عنهما منه والد كريم ، رءوف بهما رحيم ، فبكياه أحر البكاء وواسيا زوجته العجوز بكل ما في وسعهما ، وقاما على خدمتها ، وصبرا في سبيلها على ما يصيبهما من لسان موسى ويده ، إذ تنمر لهما بعد وفاة أبيه ، وجعل يضطهدهما ويعتدي على قطز بالسب والضرب ، فما يجيبانه بغير الصبر والسكوت إكرامًا لمولاهما الراحل ورعاية لمولاتهما الحزني ، ريثما تنتهي أيام العزاء فيبرحان القصر إلى حيث يتزوجان ويعيشان آمنين هانئين كما دبر لهما ذلك مولاهما الفقيد .
وما علما أن موسى قد جد في الكيد لهما واتصل بجماعة من فقهاء السوء فأبطلوا له وصية أبيه بصدد عتقهما والأملاك التي أوصي بها لهما . فما راعهما إلا موسى قد جاء يخبرهما ببطلان الوصية وبقائهما على رقهما ، فعز عليهما أن ينهار بين غمضة عين وانتباهتها ما بنياه من الآمال وأن يعودا لا إلى كنف مولاهما الشيخ الصالح – إذن لهان عليهما الأمر – ولكن إلى رق ابنه الفاسق الظالم ليعذبهما ويهينهما ما شاء له حقده وانتقامه ، ولما علمت مولاتهما العجوز بما فعل ابنها غضبت من عمله ، وصبت لعناتها على رأسه ، وطفقت تواسيهما وتقول لهما : إنهما سيكونان تحت رعايتها وحمايتها ولن يمسهما موسى بسوء ، ووعدتهما بأنها ستجتهد حين تقسم التركة أن تجعلهما من نصيبها فتعتقهما وتزوجهما وتجعل لهما رزقًا يعيشان منه .
وعلم موسى بما عزمت عليه أمه ، فأجل قسمة الميراث طمعًا في أن يحول دون ما تريد ، وفي خلال ذلك أخذ يتقرب إلى جلنار ويقول لها : " أصبحت اليوم ملك يميني " فتهرب من وجهه ، وتلوذ بسيدتها فتحميها منه .. وأحيانًا يأتيها ويقول لها متلطفًا : " سأتخذك زوجة لي وستكونين سيدة هذا القصر ، لك فيه الأمر والنهي ، ويكون قطز عبدًا لك " فما تجيبه إلا بالسكوت والإعراض .
ولما طال ذلك عليه ويئس من رضاها ، ثار به الغضب وأقسم ليفرقن بينها وبين قطز ، لينتقم منها ومنه ، فذهب إلى وصي أبيه وادعي أن جلنار كانت سبب الفرقة والخصام بينه وبين والدته وأنه سيعود إلى بر والدته وطاعتها إذا بيعت هذه الجارية النمامة ، وجعل يلح عليه في بيعها ، وكان قد أحضر سمسارًا معه ، ليجيء بمبتاع للجارية ، وجعل له على ذلك أجرًا ، فما كان من الوصي إلا أن باع الجارية للسمسار ، وباعها السمسار لرجل من مصر .
فوجئت أم موسى بما كان من بيع جلنار على غير علمها ، فبعثت إلى الوصي تعاتبه على ما صنع ، وتلح عليه أن يستقيل البيعة ويستعيدها منه ولكن موسى قد أوعز للرجل المصري فأبى ، ولكنه اعتذر إليها بأن ذلك لم يبق في إمكانه إلا أن يقبل الصفقة ، وأصر على طلب الجارية ، فما وسع الوصي إلا تسليمها إليه .
ولما علمت جلنار أنها ستحمل وشيكًا إلى مولاها الجديد ، بكت بكاء شديدًا وتشبثت بثياب مولاتها مستغيثة بها ألا ترضي بتسليمها ، قائلة : " اقتليني يا سيدتي ولا تسلميني إلى هؤلاء ! " فضمتها العجوز إليها ، وأجابتها والدموع تنهمر من عينيها : " تعلمين يا جلنار أن ليس لي من الأمر شيء ، وأنك والله لأعز على من ابنتي ، وقد اجتهدت أن أحتفظ بك ، ولكن ماذا أصنع وقد باعوك بغير علمي ؟ لعن الله ابني فشد ما عذبني وآذاني ، يا ليتني عقرت فلم أحمل به ، أوليتني إذ حملت به أسقطته ! لن يكف عني هذا الولد العاق حتى يلحقني بأبيه . حسبي الله منك يا موسى حسبي الله منك " .
وكان قطز واقفًا ينظر إليهما ، ويبكي ، حتى رأي موسى قد أقبل ومعه السمسار وجماعته ، كفكف دمعه وكتم جزعه ، وأظهر التجلد مكانه .
ووقف كأنه تمثال من الصخر الأصم ، ولما رأتهم جلنار ، وعلمت أن لا مناص لها من المسير معهم ، أرسلت ثياب مولاتها الوالهةالحسري ، واندفعت إلى حبيبها قطز تودعه وداعًا حارًا مفعمًا بالحسرة والألم .
وهو يقول لها : " أستودعك الله يا حبيبتي ، استودعك الله يا جلنار ، سيجمع الله شملنا بحوله وقوته " فاستأخرت عنه جلنار وهي تقول : " أستودعك الله يا محمود ، استودعك الله يا حبيبي " ومالت إلى مولاتها فأهوت على رأسها تقبله حتى بللته بدموعها ، والعجوز تلثم أطرافها وتبكي ، إلى أن تقدم قطز فجذبها وهو يقول : " حسبك يا جلنار ، توكلي على الله ولا تحبسي أصحابك ، وثقي بأن الله موجود وهو على جمعنا إذا يشاء قدير " .
فأشار موسى للسمسار قائلاً : " امض بها يا هذا ولا تدع وقتنا يمضي في هذا العبث " . فأخذ السمسار بيدها ، فمضت معه ، وعينها تتلفت مرة إلى سيدتها ومرة إلى حبيبها حتى توارت ، وبقي قطز واقفًا مكانه كأنه جماد ينظر إلى سيدته الباكية الحزينة ، وتنظر إليه حتى إذا ما اختفي موسى في أثر السمسار وجماعته ، غلبت قطز الرقة ، فدنا منها باكيًا ، وجعل يقبل رأسها ويديها قائلاً : " أشكرك يا سيدتي الكريمة ، لقد بذلت كل جهدك ولا لوم عليك فيما حدث " .
فقالت له : أحسن الله إليك يا بني ، ستكون عندي بمثابة ابني وإن شئت أعتقتك فمضيت حرًا إلى حيث تريد
قال لها : يا مولاتي لاأريد بخدمتك بدلاً بيد أني أخاف أن يتحرش بي موسى وقد نفد صبري فأسيء إليه فيغضبك ذلك مني .
فقالت : معاذ الله أن أغضب لموسى منك . لو قتلته لأرحتني منه " .
فأجابها : ما يكون لي أن أعتدي على ابن مولاي الذي أكرم مثواي وأحسن إلى .
واستأذن قطز مولاته . فمضي إلى صديقه الحميم الحاج علي الفراش ، وكان شيخًا صالحًا يخدم سريًا آخر من سراة دمشق وأعيانها يقال له ابن الزعيم ، كان يسكن في قصرقريب من قصر الشيخ غانم المقدسي ، ولا يقل عنه سعة وفخامة ، وكان قطز كثير الاختلاف إليه ، يجلس معه على مصطبة كبيرة مظللة بفروع الشجر تقع عند مدخل بستان ابن الزعيم ، فيشكو قطز همومه إليه ويبثه آلامه ويستشيره في شئونه ، ويتجاذبان أطراف الحديث في شئون مختلفة .
وكان الحاج علي شديد العطف على قطز والحب له ، وقد أحس في ضميره ، بما أعطي من قوة الفراسة وصدق الحدس ، أن لابد لهذا المملوك في صباحة وجهه ، ونبل خلاله من سر يكتمه عن الناس جميعًا . فاجتهد زمنًا أن يكتشف هذا السر من صديقه الشاب فلم يوفق ، إلا أن ظنه لم يزدد على الأيام إلا قوة عنده بما كان يؤيده من فلتات لسان صاحبه في ثنايا حديثه ، فجعل يضم بعضها إلى بعض ، ويستخرج منها صورة غامضة لأصل هذا الغلام .
فلما أقبل عليه حياه ، وفرش له على المصطبة كعادته ، وأخذ يعزيه في وفاة مولاه ويعدد مناقبه ومكارمه ، فمضي قطز يشكو إليه ما أصابه من اضطهاد موسى بعد وفاة أبيه ، وما مني به من فراق حبيبته جلنار وكيف أنه سئم الحياة بعدها ، فجعل الحاج يلاطفه ويسليه ، وبينما هو كذلك إذا أقبل موسى فدخل الباب وبيده سوط فلما دنا منهما نظر إلى قطز نظرة الغضب . وقال له : " ماذا تصنع هنا يا هذا ؟ أما تذهب لعملك في القصر ؟ " فلم يجبه قطز وأشاح عنه بوجهه ، فاستشاط موسى غضبًا وأراد أن يضربه بالسوط فتلقاه قطز بيده وأمسك بطرف السوط فلم يقدر موسى على انتزاعه .
وقال له قطز عند ذاك : " لو شئت لأوجعتك بسوطك هذا ضربًا ، فمثلك أيها السكير لا يقدر على مثلي ، وما يمنعني من البطش بك إلا احترامي لذكري أبيك " . فلطمه موسى على جبينه فاحمر وجه قطز ، ونظر إليه بعينين متقدتين كأنهما جذوتان من النار ملأتا قلب موسى رعبًا ، فانصرف عنه وهو يسبه ويلعن أباه وجده ، وقطز جامد في مقعده على المصطبة ، لا يتحرك ولا ينبس ببنت شفة ، وسوط موسى في يده وعيناه عالقتان بالباب حتى اختفي موسى . فبقي هنيهة واجمًا على حاله تلك ، ثم ارتمي على المصطبة ، ساترًا وجهه بيده ، وجعل يبكي بكاءً شديدًا .
حتى رق له صاحبه ، فطفق يمسح على ظهره ، ويقول له : " خفض عليك يا قطز ، فالأمر أهون من أن يثير دمعك ، أتبكي من لطمة خفيفة من يد جبان ضعيف ؟ " .
فرفع قطز إليه رأسه قائلاً وقد تقلص دمعه : " سامحك الله ، أتظن بكائي من تلك اللطمة ؟ إن بكائي من لعن أبي وجدي ، وهما خير من أبيه وجده " .
- " لا يدفعنك الغضب أن تقول ما ليس لك بحق يا قطز ، أنت والله خير منه ألف مرة ، أما أبوك وجدك فليسا بخير من أبيه وجده المسلمين ، إذ شرف الإسلام فوق كل شرف " .
- " أتظن أبي وجدي كافرين ؟ لا والله إنهما لمسلمان من آباء مسلمين " . فأظهر الحاج علي الفراش استغرابه كمن يشك في صدق ما يقول فعز على قطز أن يظن به صديقه الكذب فاندفع يقول : " ألم تسمع يا حاج بـ جلال الدين بن خوارزم شاه الذي جاهد التتار؟ " .
- " بلي : ليس في الدنيا أحد لم يسمع بالسلطان جلال الدين " .
- " فأنا ابن جهان خاتون أخت جلال الدين ، ووالدي الأمير ممدود ابن عمه ، واسمي محمود ، وإنما سماني قطزًا اللصوص الذين اختطفوني ، فباعوني ، عاملهم الله بما يستحقون " .
فتهلل وجه الحاج علي وقال : " الآن تحققت فراستي وصدق ظني فيك . والله الذي لا إله إلا هو لقد حدثني قلبي أول يوم عرفتك فيه إنك لست مملوكًا جلب من مجاهل ما وراء النهر . وأنك ترجع إلى أصل كريم . فلما بلوتك واختلطت معك عرفت أن لك سرًا تكتمه عن الناس جميعًا فحدست أنك ابن ملك أو أمير نكبه الزمان فألقاه في أيدي باعة الرقيق ، فما زلت من يومئذ أجتهد في معرفة سرك ، وقد سألتك مرارًا عن أصلك ، فكنت تقول لي إنك لا تعرف عنه شيئًا ، ولكني رجحت آخر الأمر أنك من أولاد جلال الدين بن خوارزم شاه" . فنظر إليه قطز مستغربًا ، وسأله :
- هل عرفت ذلك قبل أن أخبرك الآن ؟ ! .
- إي والله قبل أن تخبرني بزمان طويل .
- شيء لعمر الله عجيب ، كيف عرفت ذلك يا حاج علي ؟ .
- لما رجح عندي أنك من أولاد الملوك أو الأمراء جعلت أقص عليك من أنبائهم وأختبر أثر حديثي في وجهك كلما ذكرت ملكًا من الملوك أو أميرًا من الأمراء .
فكنت إذا ذكرت جلال الدين عندك ووقائعه مع التتار ، ألمح تغييرًا في وجهك ، واختلاجًا في شفتيك ، وقد كررت هذه التجربة فأيقنت أن لك صلة بـ جلال الدين ، ورجحت أنك من أولاده .
فتبسم قطز ، وعجب من ذكاء صاحبه الحاج وفطنته وقال له :
- " الآن عرفت لماذا كنت مغرى بأخبار الملوك والسلاطين ، تعيدها على مرة بعد مرة ".
وسكت قطز قليلاً ثم ما لبث أن عاودته شجونه ، فقال بصوت يخالطه البكاء : " بالله يا صديقي الحاج ألا ما أشرت على ماذا أصنع في مصابي هذا ، فإنك ما علمت لذو رأي ، إنهم أبطلوا وصية مولاي المرحوم بعتقي وعتق حبيبتي جلنار ، ولم يكتفوا بذلك حتى فرقوا بيني وبينها ، فباعوها لرجل من مصر ، إي والله لقد فرقوا بيني وبين جلنار ابنة خالي جلال الدين ، التي أحبها وتحبني ، ونشأت .

معها منذ الصغر ، ولم أفترق عنها إلا اليوم . قل لي كيف آوي إلى هذا القصر وقد فارقه مولاي الشيخ الذي أكرم مثواي وتبناني وخلا من جلنار التي كانت سلواي في هذه الحياة ، وعزائي في كل ما أصابني من نكبات الأيام ؟ كيف أصبر على خدمة ذلك الوغد اللئيم الذي سلبني حريتي وسعادتي ، وأمعن في اضطهادي وإهانتي ؟ إن هذا القصر أصبح عندي كالجحيم ، لا أطيق رؤيته ، فما بال الإقامة فيه ، ما لهؤلاء يستعبدونني وقد ولدتني أمي حرًا ؟ أليس في الأرض من عدل ينصفني من هذا الظلم ؟ ما لي أراك صامتًا يا حاج علي ؟ تكلم قل لي ما أصنع في أمري ؟ " : وهنا غلبه البكاء ، فعاقه عن المضي في الكلام .
سكت الحاج علي برهة كأنه يفكر في طريقه لخلاص صديقه ، أو في جواب يقنعه ويرضيه ، ثم قال له : " ولكن في القصر سيدتك العجوز، وهي تحبك وتعزك ولن ترضي أبدًا أن يمسك من موسى أي سوء " .
فقال له قطز : " نعم إنها تحبني وتعزني وتعتبرني كولدها ، وقد وعدتني أن تجعلني حين تقسم التركة من نصيبها فتعتقني ، ولكنها ضعيفة لا حول لها ولا قوة ، وقد غلبها ابنها على كل شيء ، ولا تقدر على صده أو منعه مما يريد . إني أخشى أن أقع في ملك يمين موسى ، فينتقم مني ، ويبالغ في إهانتي وتعذيبي ، خلصني يا حاج علي خلصني ! " .
- " الله يخلصك يا بني .. هون عليك يا قطز فسيجعل من ضيقك مخرجًا " .
- " دعني من كلمات المواساة والتهوين والتعليل ، فإنها لا تنفعني شيئًا ، وفكر لي في طريقة للخلاص مما أنا فيه من العذاب " .
- " لقد فكرت لك في طريقة للخلاص مما أنت فيه من العذاب . ولكن عليك أن تصبر يومين أو ثلاثة أيام ريثما أدبر هذه الطريقة " .
- " سأصبر لك أكثر من ذلك ، فقل لي بالله ما هي ؟ " .
- سأقص على سيدي ابن الزعيم خبرك : فسيشتاق لرؤيتك حين يعرف أنك من أولاد السلطان جلال الدين ، فقد كان مع شيخه ابن عبد السلام كثير الاهتمام بنجدة جلال الدين في جهاده التتار ، فإذا قابلته فسأذكر له طرفًا من حال موسى ابن الشيخ غانم معك واضطهاده لك ، وسأعزز قولك عنده ، فأقص عليه ما وقع منه اليوم في حقك على مرأى مني ومسمع ، وما أشك في أنه سيرثي لحالك ويعطف عليك ، فأشير عليه عندئذ بشرائك منهم، وما أحسبه يتأخر عن ذلك. واعلم أنك ستسعد في خدمة سيدي ابن الزعيم ، وسيكون لك مثل المرحوم الشيخ غانم أو خيرًا منه" .
- " حسبي أن أعيش بجوارك يا صديقي الحاج ، ولكني أخشى ألا يرضي موسى ببيعي لسيدك إذا علم أني سأسعد عنده"
- " لن ندع موسى يعلم بشيء من هذا ، وسيطلبك سيدي بنفسه من الوصي ، ولن يتردد الوصي في إجابة طلبه ، فاطمئن ولا تخف شيئًا ، فسأدبر لك كل شيء تدبيرا متقنًا " .
- " بارك الله فيك يا حاج علي ، لقد فرجت كربي ، فرج الله كربك يوم القيامة " .
وقام قطز عن مقعده من المصطبة قائلاً : " دعني أنصرف فأرجع إلى عملي في القصر ، لعل مولاتي تحتاجني فقد أبطأت عليها في الرجوع ، وغدًا أراك إن شاء الله " .

avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 534
نقاط : 1221
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 43

رد: قصة وإسلاماه بالتعديل

مُساهمة من طرف أ-رمضان في الأربعاء أكتوبر 18, 2017 8:08 pm

الفصل الثامن






لم تمض ثلاثة أيام على ما سبق ، حتى أتم الحاج علي الفراش الخطة التي دبرها لخلاص صديقه ، فنجحت على خير وجه ، وانتقل قطز إلى ملك السيد ابن الزعيم ، فسلا ما كان فيه من البلاء بموسى ومضايقاته ، وانطوت صفحة من حياته ، شيعها بدموعه وحسراته ، فقد كانت على علاتها من أجمل أيام عمره وأسعدها ، إذ أشرق فيها الحب على قلبه فملأه نورًا وأتي على ما في زواياه من ظلمات الهم والحزن واليأس ، فبدده وأبدله به مسرة وجذلاً ، وغبطة وأملاً كان يعيش فيها مع جلنار في دعة وسلام ، مشمولين برعاية مولاهما الرحيم وزوجته البارة ، وقد ذاقا فيها من لذة الأمن وطمأنينة الاستقرار ما لم يذوقاه منذ أيام طفولتهما ، فقد عاشا ما عاشا قبل ذلك في جو مضطرب ، يسوده القلق والفزع ، وتهدده الحروب والغارات ، وتراوحه وتغاديه الفجائع والنكبات ، حتى استقر بهما المقام في كنف الشيخ غانم ، فلقيا من عطفه وبره ما أنساهما مرارة اليتم ، وذل الرق ، وألم التغرب والتشرد ، ونعما بعيشة راضية آمنة مطمئنة ، وكان أكبر نعمة تمت عليهما عنده ، نعمة الحب .
لم يكد قطز يسكن إلى كنف مولاه الجديد ، ويستريح قلبه من عنت موسى واضطهاده حتى تذكر فراق جلنار ، فذهبت نفسه حسرات في أثر حبيبته الذاهبة ، وشفه الوجد والحنين حتى اصفر وجهه ونحل جسمه وتقرحت مقلتاه من طول السهر والبكاء ، كأنما كان مشغولاً عن ألم فراقها بما كان يكابده من المحن بموسى ، فلما سلا هذه المحنة وتنفس الصعداء في قصر سيده الجديد ، فرغ لمحنته الكبرى بفراق حبيبته جلنار ، وكذلك قد تنزل بالمرء مصيبتان فيضيق بصغراهما وتشغله عن كبراهما حتى يظن أنه قد سلاها ، فما هي إلا أن تنقشع الصغرى ، فإذا الكبرى تعود من جديد فتطبق على قلبه .
رق السيد ابن الزعيم لحال مملوكه الأمير الخوارزمي ، فبالغ في تكرمته والبر به ، واجتهد أن يصرفه عن لوعته وحزنه ، فكان يدنيه منه ويقول له : " كفاك يا بني حزنًا على حبيبتك الحسناء جلنار ، فإن شئت زوجتك جارية مثلها أو أجمل منها " .
فيجيبه قطز في أدب جم : لا يا مولاي ، لا أرغب في الزواج من غيرها ، وإن تكن أجمل منها ، إنها ابنة خالي ، نشأنا معا ولم نفترق منذ ولدنا " فيقول له سيده : " إنك لعلى حق يا قطز ، إذ ليس في وسعنا أن نزوجك أميرة مثل ابنة جلال الدين .
ولكني أنصحك أن تجتهد في سلوانها إشفاقًا على نفسك ، وإبقاء على صحتك وشبابك واصبر لعل الله يجمع شملكما من حيث لا تحتسبان " .
وأوصي ابن الزعيم خادمه الحاج عليًا الفراش ، بألا يألو جهدًا في العناية بقطز وتسلية همه ، ولم يكن الحاج علي بحاجة إلى وصية سيده بصديقه الحميم ، فلم يدع وسيلة من الوسائل لتسليته وتعزيته إلا استعملها
وكان الحاج علي لبق الحديث ، حسن التصرف ، خبيرًا بأدواء القلوب ، عليمًا بعلاجها ، فما زال بصديقه الحزين ، يقبضه ويبسطه ويسليه ويعلله ، ويضرب له الأمثال في ذلك ، ويتنزه به في ضواحي المدينة ورياض الغوطة ، ويرود به زحمة الأسواق ويغشى به مجالس العلم في المسجد حتى استطاع أن يكسر سورة الحزن في قلبه ووكل الباقي إلى الأيام لتقضي عليه .
أخذت المملوك الشاب عقب ذلك جذبة إلهية ، فتعلق قلبه بالعبادة والتقوي ، فكان يصلي الفروض لأوقاتها ، ويحافظ على النوافل ، وأكثر من تلاوة القرآن وتردد على مجالس العلم في جامع المدينة ، ولاسيما دروس الشيخ ابن عبد السلام ، فقد أغرم بها فكان لا يفوته درس ، ولم يتصد للقراءة عليه ، أو على غيره من العلماء ، بل كان يكتفي بالحضور والاستماع ، وكان سيده ابن الزعيم يشجعه على ذلك ويثني عليه ، وما كلفه قط عملاً يحول بينه وبين حضور هذه المجالس .
وجاء الشيخ يومًا إلى دار ابن الزعيم يزوره ، فأكرمه واحتفل به فلما استقر بهما المجلس دخل قطز عليهما بشراب الورد ليقدمه للشيخ ، فلما رآه الشيخ التفت إلى مضيفه ، وقال له : " من هذا الشاب ؟ أحسبني رأيته مرة في حلقة الدرس " . فأجابه ابن الزعيم : هذا مملوك كان لجاري الشيخ غانم رحمه الله اشتريته قريبًا ، وهو يحبك يا سيدي ويحضر دروسك ويستمع إليك
قال الشيخ وهو يتفرس في وجه قطز : " إنه ما علمت لشاب صالح " .
فقال ابن الزعيم : " أجل إنه صالح ومن أصل كريم " .
وكان الشيخ قد فرغ من شرابه عند ذاك ، فرد الكأس إلى ساقيه ، فانصرف وقد خجل من ثناء الشيخ عليه ، ومضي ابن الزعيم يحدث ضيفه الكريم بخبر مملوكه ، وأنه من بيت السلطان جلال الدين ابن خوارزم شاه . وأن اللصوص اختطفوه وابنة السلطان وهما صغيران فباعوهما في سوق حلب ، وأن الشيخ غانم المقدسي اشتراهما فرباهما إلى آخر قصتهما .
فعجب الشيخ من هذا الحديث . وتلا قوله تعالي : " قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء . وتنزع الملك ممن تشاء ، وتعز من تشاء ، وتذل من تشاء ، بيدك الخير ، إنك على كل شيء قدير "
فقال ابن الزعيم : "إني ما اشتريته إلا لأعتقه، ولولا حبي له وخشيتي أن يفارقني فتضيق به سبل الحياة لأعتقته من قبل".
فقال الشيخ : " شكر الله لك يا ابن الزعيم جميل صنعك فيه . إن جلال الدين لحرى أن تحفظه في ولده .. ألا تدعوه فأراه قبل أن أنصرف ؟ " .
فقام ابن الزعيم وعاد بقطز معه ، وقدمه للشيخ فتلقاه بالبشر ، وطيب خاطره ، وأقعده قريبًا منه ، وقال له : " إن جلال الدين كان حبيبًا إلى نفوسنا ، إذ كان يجاهد التتار ، ويدافعهم عن بلاد الإسلام ، وأنت ابن أخته ولك عندنا منزلة وحرمة . وقد أحسن الله إليك إذ أفضي بك إلى كنف هذا السيد وهو من الصالحين المجاهدين ، لا غضاضة على مسلم في خدمة مثله . وسيعتقك ويحسن إليك … " .
فقبل قطز يد الشيخ ، وقال بصوت يخالطه البكاء لما تأثر به من كلامه : " أنا مملوك سيدي ابن الزعيم وعبد إحسانه ، لا أحب أن يعتقني ، ولا أريد أن يحرمني شرف خدمته " .
فقال ابن الزعيم : " بل أنت ولدي يا قطز ، ونحن جميعًا خدام الدين وخدام الشيخ ابن عبد السلام " .
كذلك عرف الشيخ ابن عبد السلام قطزًا ، فصار يدنيه من مجلسه إذا حضر لاستماع الدرس ، ويلتفت إليه ، ويسأله عن سيده ابن الزعيم ويحمله تحيته ، وأحيانًا يبعثه برسالة إليه ، وسرعان ما وثق به سيده والشيخ ، لما رأيا فيه من رجاحة العقل ، وحصافة الرأي وكمال الرجولة ، والاضطلاع بمهام الأمور .
فأتمناه على أسرارهما ، فكان أحدهما يقول له ما يشاء من الكلام ليبلغه للآخر لا يأتمنان أحدًا غيره عليه ، من أمور تتصل بحركتهما السياسية أو الإصلاحية لا في دمشق وحدها بل في سائر بلاد الشام وغيرها من البلاد الإسلامية .
فعرف قطز في هذه المدة القصيرة التي قضاها في خدمة ابن الزعيم كثيرًا من أحوال العالم الإسلامي إذ ذاك . وأحوال ملوكه وأمرائه والحزازات التي بينهم والمنافسات على الملك ، وموقف كل منهم من معاداة الصليبين أو موالاتهم ، وأدرك السياسة التي كان ، الشيخ وأنصاره ينتهجونها ، والمرمي الذي يرمون إليه من توحيد بلاد الإسلام وتكوين جبهة قوية من ملوك الإسلام وأمرائه لطرد الصليبيين من البلاد التي يحتلونها في الشام ، ولصد غارات التتار التي تهددهم من الشرق .
وقد اقتضت هذه السياسة أن تخص بالمناصرة والتأييد أقوي ملوك المسلمين وأصلحهم للاضطلاع بهذه المهمة الكبرى ممن لا يميلون إلى موالاة الصليبيين أو مصانعتهم . وأن تسعي للقضاء على من يواليهم أو يخضع لنفوذهم من الملوك والأمراء . فكان الملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر على رأس الفريق الأول ، وكان على رأس الفريق الثاني عمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل صاحب دمشق ، وكان العداء بين هذين مستحكمًا ، والتنافس بينهما شديدًا على الملك ، فلا غرو أن يوالوا ملك مصر ويدعوا له ، ويعادوا ملك دمشق ويعتبروه خائنًا للإسلام .
وكان الشيخ ابن عبد السلام يراسل الملك الصالح أيوب ، ويحرضه على تطهير بلاد الشام من الصليبين أسوة بجده المجاهد العظيم السلطان صلاح الدين ، ويعده بمناصرة عامة أهل الشام ، فيتلقى ردودًا منه يعده فيها بالقيام بذلك عندما تسنح الفرصة وتتم الأهبة وقد علم الصالح إسماعيل بحركة ابن عبد السلام .
فأراد القبض عليه ، ولكنه خشي أنصاره أن يثوروا له فيؤلبوا العامة عليه ، فأجل ذلك إلى حين . وقوي عزم الصالح أيوب على المسير إلى الشام .
فاشتد خوف الصالح إسماعيل ، وعزم على غزو مصر قبل أن يغزو ملكها بلاده فبعث إلى أميري حمص و حلب يطلب منهما النجدات . وكاتب الفرنج واتفق معهم على مساعدته والمسير معه لمحاربة سلطان مصر .
وأعطاهم في سبيل ذلك قلعتي صفد والشقيف وبلادهما ، وصيدا وطبرية وأعمالها ، وسائر بلاد الساحل . وما اكتفي بذلك حتى أذن لهؤلاء الأعداء في دخول دمشق . وشراء الأسلحة وآلات الحرب من أهلها .
وأدرك الشيخ ابن عبد السلام الخطر الذي يتهدد بلاد الإسلام من هذا الخطب الفادح ، فكتب رسالة قوية إلى الصالح أيوب يحثه فيها على التعجيل بالجهاد ، ويتوعده فيها بغضب الله ونقمته وعذابه إذا تهاون في المسير حتى يتم ما أراده أعداء الإسلام به ، مؤكدًا له أن تبعة ذلك ستكون على رقبته إذا قصر فيما أوجبه الله عليه ، وأنذره بضياع ملكه وخسارة دنياه وآخرته .
وأخذ الشيخ يكثر الاجتماع بأنصاره ومريديهويحمسهم ويأمرهم بالاستعداد للقيام بواجبهم من الجهاد في سبيل الوطن ، وكان يفعل كل هذا في السر ، حتى إذا كان يوم الجمعة وامتلأ الجامع الكبير بالناس ، دخل الشيخ ابن عبد السلام من الباب الخاص بالخطيب فرقي المنبر فتطلعت إليه العيون واشرأبت إليه الأعناق ، وساد الحاضرين صمت عميق كأنما على رءوسهم الطير .
فحمد الله وأثني عليه ، وصلي على نبيه عليه الصلاة والسلام . ثم ذكر الجهاد وفضائله وكيف كان النبي وأصحابه يجاهدون المشركين حتى علت كلمة الله ، وبلغت دعوة الإسلام إلى المشرق والمغرب وأورث الله المسلمين البلاد ، وجعلهم خلفاء الأرض ما قاموا بالدين واستقاموا على طريقته ، فلما غيروا ما بأنفسهم غير الله عليهم فسلط الأعداء على بلادهم ينتقصون أطرافها ، ويستأثرون بخيراتها ، ويسومون أهلها الخسف والهوان ويذيقونهم ألوان العذاب ابتلاء من الله ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة سورة الأنفال [] .
وأن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها ، ولم يصلح أولها إلا بالجهاد في سبيل الله . ثم ذكر ما أوجب الله على المسلمين من طاعة أولي الأمر منهم . ليستقيم بهم أمر معاشهم ومعادهم . وما أوجب الله على أولي الأمر من النصح للإسلام وأهله . والقيام بحماية بلادهم وسد ثغورهم حتى يأمنوا على دينهم ، وأعراضهم وأنفسهم وأموالهم.
ولما أخذ في الخطبة الثانية جعل يدعو الله أن يعز الإسلام وأهله وأن ينصر من في بقائه صلاح المسلمين . وكان يدعو في آخر خطبته للصالح إسماعيل ، فقطع الدعاء له في هذه الخطبة واكتفى بالدعاء لمن يعلي كلمة الإسلام وينصر دين الله .
وفرغ الشيخ من خطبته وأقيمت الصلاة ، والناس لا يصدقون أنهم سمعوا ما سمعوه من الشيخ في خطبته ، لشدة ما حمل على الصالح إسماعيل ، وندد بفعلته في كلمات واضحة صريحة لا غموض فيها ولا إبهام .
وانصرف الناس من الجامع . ولا حديث لهم إلا خطبة الشيخ ابن عبد السلام يفخر من سمعها على من لم يسمعها ، ويود من لم يسمعها لو انه خسر شطرًا من عمره وسمعها ، واتفق السامعون على الإعجاب بها ، واختلفوا في وجه الإعجاب ، فمن معجب ببلاغة الشيخ ، ومن معجب بقوة حجته، ومن معجب باطراد بيانه وتسلسله ، ومن معجب بشجاعته ورباطة جأشه .
واتفق الناس في الإشفاق على مصيره ، ولكنهم اختلفوا في تقدير ما يناله من عقوبة الصالح إسماعيل ، فمن قاطع أنه سيقتله ، ومن ذاهب إلى أنه سيحبسه ، ومن مرجح أنه سينفيه ويصادر أملاكه ، وآخر يري أنه سيعزله عن الخطابة ، ويشتت شمل أنصاره ، على أنهم جميعًا آسفون ؛ لأنهم لن يسمعوه يخطب على منبر جامعهم بعد ذلك اليوم .
وكان الصالح إسماعيل غائبًا عن دمشق يومذاك ، فكتب إليه بما كان من الشيخ ، فورد كتابه بعزله من الخطابة والقبض عليه وحبسه حتى يرجع إلى دمشق فيري فيه رأيه . وكان أنصار الشيخ قد أشاروا عليه بأن يغادر البلاد وينجو بنفسه من يد الصالح إسماعيل وأعدوا له وسائل الهرب ، ولكنه أبى ذلك ، وألحوا عليه فأصر على الإباء ، فعرضوا عليه أن يختبئ في مكان أمين لا يهتدي إليه الصالح إسماعيل ورجاله ، فرفض هذا الاقتراح أيضًا وقال : " والله لا أهرب ولا أختبئ وإنما نحن في بداية الجهاد ، ولم نعمل شيئًا بعد وقد وطنت نفسي على احتمال ما ألقي في هذا السبيل ، والله لا يضيع عمل الصابرين " .
وقبض على الشيخ ابن عبد السلام ، وسجن ، وثار أنصاره فطالبوا بالإفراج عنه.
وقد حاول الصالح إسماعيل قمع الثورة فلم يفلح ، فما وسعه إلا أن يأمر بالإفراج عن الشيخ ابن عبد السلام . ولكن الصالح إسماعيل ألزم ابن عبد السلام بملازمة داره ، وبألا يفتي ولا يجتمع بأحد ألبتة . فشق على أنصاره أن يحال بينهم وبينه للاسترشاد بآرائه فيما يجب عليهم عمله .
وفكروا في حيلة للاتصال به فإذا السيد ابن الزعيم قد أمر مملوكه قطزًا أن يتعلم الحلاقه ، وإذا قطز قد حذقها ، وتشبه بالحلاقين في زيه وحركته ، ففرحوا بهذا الحل الطريف . وبعثوا قطزًا فذهب إلى الشيخ في داره ، فلم يشك أحد من مراقبيه في أنه حلاق قد جاء ليزين الشيخ ، فلما دخل عليه لم يعرف الشيخ أنه قطز إلا من صوته فسر به . فبلغه قطز أخبار سيده ابن الزعيم وغيره من أنصاره وما أصاب بعضهم من عقوبة الملك الصالح إسماعيل .
وكذلك تردد الحلاق قطز على الشيخ فوصل بينه وبين أنصاره يطلعه على خططهم وأعمالهم وسائر ما يهمه من أخبار البلاد ، ويبلغهم أوامره وإرشاداته فيقومون بتنفيذها ، ولا يبالون ما يصيبهم في ذلك من قتل أو حبس أو تعذيب . وكانا ربما انتهيا من حديثهما في السياسة فتبسط الشيخ إلى حلاقه . وتشقق بينهما الحديث في شئون شتى من هزل الحياة وجدها .
وجاء قطز يومًا آخر متهلل الوجه ، طيب النفس ، عليه أثر الاغتسال ، والطيب ينفح من رأسه وثيابه ، فسأله الشيخ ملاطفًا : ما هذا يا قطز هل تزوجت البارحة ؟ " .
فتبسم الشاب وقال : " لا يا مولاي الشيخ، لقد أقسمت ألا أتزوج إلا بابنة خالي جلنار ، ولكني رأيت النبي صلي الله عليه وسلم البارحة في المنام، فأخبرت سيدي فأمرني بالاغتسال والتطيب فجئت كما تري " .
فقال الشيخ : " خيرًا صنعت وبخير أشار عليك سيدك فحدثني عن رؤياك " .
فخفق قلب الشاب وسرت في جسمه رعدة كأنه يتهيب أن يقص رؤياه على الشيخ العظيم ، ولكنه رأي طلاقه وجه الشيخ وإقباله عليه فشجعه ذلك على الحديث فقال :
" أرقت البارحة ونابني ضيق شديد ، فقمت فتوضأت . وصليت النفل وأوترت ، ودعوت الله ، ثم عدت إلى فراشي فغلبتني عيناي ، ورأيت كأني ضللت طريقي في برية قفراء فجلست على صخرة أبكي ، وبينما أنا كذلك إذا بكوكبة من الفرسان ، قد أقبلت ، يتقدمها رجل أبيض جميل الوجه ، على رأسه جمة تضرب في أذنيه ، فلما رآني أشار لأصحابه ، فوقفوا وترجل عن فرسه ، ودنا مني فأنهضني بقوة ، وضرب على صدري ، وقال لي : " قم يا محمود فخذ هذا الطريق إلى مصر ، فستملكها وتهزم التتار " .
فعجبت من معرفته اسمي وأردت أن أسأله من هو؟ فما أمهلني أن ركب جواده فانطلق به فصحت بأعلي صوت : " مـن أنـت ؟ "
فالتفت أحد أصحابه وهم منطلقون في أثره : " ويلك هذا محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم " وانتبهت من نومي وأنا أحس برد أنامله في صدري ، فما ملكت نفسي من الفرح أن انطلقت إلى سيدي فوجدته يتوضأ ، فلم أصبر حتى يفرغ من وضوئه ، فخرجت إلى الحاج علي الفراش فوجدته على فراشه ، فأيقظته وقلت له : " رأيت رؤيا عظيمة ، رأيت النبي صلي الله عليه وسلم " فهب من فراشه وأقبل على فرحا يريد أن أقصها عليه ، فقلت له : " لا أقصها إلا على سيدي أولا " فقال لي : " أتبعك إليه فاسمعها معه " ، فانطلق معي ، فوجدنا السيد ابن الزعيم حين خرج من المغتسل : فلما رأنا تعجب من إقبالنا معًا ، فقال له الحاج علي : " إنه رأي النبي صلي الله عليه وسلم يا سيدي ، ويريد أن يقصها عليك " فابتسم سيدي وأقبل على فحدثته بما رأيت في منامي، ففرح وبشرني وأمرني بالاغتسال فاغتسلت وطيبني بيده وقال لي : " اذهب إلى مولانا الشيخ فاقصص رؤياك عليه وانظر ماذا يقول لك في تعبيرها " .
فسكت الشيخ هنيهة متعجبًا من الرؤيا ، ثم قال : " مازلت تفكر في الملك وهزيمة التتار يا قطز حتى أتاك النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ فبشرك بهما " إنها لرؤيا عظيمة كما ذكرت ، فإن تكن صدقًا فستملك مصر حقا وتهزم التتار ، فإن النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ يقول : " من رآني فقد رآني حقا فإن الشيطان لا يتمثل بي " .
فجعل الشاب يقبل رأس الشيخ ويلثم يده ظهرًا لبطن ، وهو يقول : " بشرك الله يا سيدي " فقال له الشيخ ممازحًا : " ما بشارتي إذا تحققت رؤياك وصرت ملكًا على مصر ؟ " فسكت قطز قليلاً وهو يبتسم كأنه يعد في نفسه جوابًا للشيخ ثم قال . وقد لمعت عيناه : " ولو كنت يا سيدي الشيخ تحب الدنيا لسقت إليك بدر الذهب والفضة . ولكني سأرجع إلى رأيك في كل شئون ملكي . فأقيم الشرع ، وأنشر العدل ، وأحيي ما أمات الناس من سنة الجهاد ، فهذه بشارتك عندي " .
ففرح الشيخ من حسن جوابه ، واستنار وجهه كأنه القمر ، وقال : " إنك لصادق القول وصالح العمل يا قطز ، وإنك لجدير بأن تكون ملك المسلمين " . ثم رفع يديه إلى السماء وقال : " اللهم حقق رؤيا عبدك قطز كما حققتها من قبل لعبدك ورسولك يوسف الصديق عليه وعلي آبائه السلام …. " ولم يكد الشيخ يؤمن على دعائه حتى رأي البكاء في عيني قطز ، فظنه أول الأمر يبكي من الفرح ، ولكنه لم يلبث أن استخرط في البكاء ورآه يزفر بشدة تكاد تشق صدره وتقصم أضلاعه ، فدنا الشيخ منه وسأله عما يبكيه ؟ فأجابه الشاب بصوت يخالطه النشيج : " لقد علمت يقينا يا مولاي الشيخ أن الله سيجب دعاءك لي ، فذكرت حبيبتي جلنار ، وعز على أني لن أراها أبدًا ، فوددت لو دعوت الله لي أيضا أن ألقاها فأتزوج بها " .
فرق له الشيخ ، وسنحت على ثغره بسمة خفيفة ، ولم يقل شيئًا ، بل عاد فرفع يديه إلى السماء ، وقال : " اللهم إن في صدر هذا العبد الصالح مضغة تهفو إلى إلفها في غير معصية لك ، فأتمم عليه نعمتك ، واجمع شمله بأمتك التي يحبها على سنة نبيك محمد صلي الله عليه وسلم " .
وما أتم الشيخ دعوته حتى جف دمع الشاب ، وسكن لاعج قلبه وطفق يتمتم : " الحمد الله ، سألقاها : سأتزوجها " .
فقال الشيخ : " إن شاء الله " .

avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 534
نقاط : 1221
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 43

رد: قصة وإسلاماه بالتعديل

مُساهمة من طرف أ-رمضان في الأربعاء أكتوبر 18, 2017 8:09 pm

ما تم حذفه وإضافته في قصة وا إسلاماه للصف الثاني الثانوي
الفصل الأول :
المحذوف : ص 5 السطر 5 ( فنظر إليه ممدود .......... كله أمام ربه )
إضافة: ص5 السطر 15 ( قال ممدود حسبه أنه جاد بنفسه )
المحذوف ص6 وص 7 السطر قبل الأخير ( وحسبي أني أدفع ........ أن يصلوا إلينا )
التبديل : ص7 السطر 15 ( وقد قلت لك ...... ملوك الإسلام المتقاعدون)
( وحسبي أني سأحصن حدود بلادي وأمنعها منهم وأدفع شرهم عنها فلا أدعهم يخلصون إليها)
المحذوف: ص8 ( وكان الليل قد انتصف .......... ما تبح العيون )
المحذوف : ص9 ( سنكون سعداء ....... إلى أخر الفصل )
الفصل الثاني
المحذوف : ص11، 12 ، 13 ، 14 : السطر 5 ( وكان جلال الدين ............ تنهمر من عينيهما )
المحذوف : ص 17 ( فأقبل على أهله .............. ويشيعهن بقلب مكلوم )
إضافة: ص 17 السطر 13 تضاف هذه الجملة بعد ( وحريمه وأثقاله ) [ ونتج عن ذلك غرق النسوة من أهل بيته
المحذوف : ص19 السطر السادس ( فلما اطمأن ............ على حيتان النهر )
الفصل الثالث
المحذوف : ص21 السطر 20 ( بهما وانحدر بهما .......... ومضت في سبيلها )
المحذوف : ص22 السطر 3 ( فأنزلهم في قاربه .. إلى قريته )
المحذوف : ص22 السطر 11 ( وجرى القارب ............. حديث الصياد إذ )
المحذوف : ص22 السطر 27 ( وقال لن أشغل نفسي ........ ماضيا في سبيله )
المحذوف : من ص 25 حتى ص 34
الفصل الرابع
التبديل : ص40 السطر 27 ( احتفالا بالنصر) بدلا من ( على السهل الذي امتلأ بجثث التتار )
المحذوف : ص41 السطر 3 ( وأمر بالأسرى ...... من جلال الدين إلى حين )
المحذوف : ص41، 42 السطر 18 ( على أنه عرف من ......... ويخلص إلى مصر )
التبديل : ص43 السطر 4 ( إلى ) بدل من ( لولا )
المحذوف : ص 43 السطر 5 ( ليفرغ لخصمه العنيد ...... ملك أساء إليه )
المحذوف : ص43 السطر 16 ( وقد مزقت صدرها .... بحناجرهم طعنا )
المحذوف :ص43،44،45،46 السطر 28 ( وإذا نصحه أحد ........ يغفر آثامي محمود وجهاد )
المحذوف :ص49 أخر ثلاثة اسطر ( وجحظت مقلتاه .... ويكفر آثامي )
الفصل الخامس
التبديل : ص51 ( وفي أثناء عودة جلال الدين غلى بلاده للقاء جنكيز خان ) بدلا من ( ولما انتهى جلال الدين من الإغارة على بلاد الملك الأشرف وقصة بلاده مسرعا )
المحذوف : ص51 السطر 15 ( وكان جماعة من أهل خلاط .......عليها سواء )
إضافة : ص52 السطر الأول ( وبينما كان محمود وجهاد يسيران )
المحذوف : ص54 السطر 16 ( أما تذكر نبوءة المنجم .......... في هذه البتة )
الفصل السادس و الفصل السابع (لن يتم حذف فيهما)
الفصل الثامن
المحذوف : ص 76 ، 77 السطر 18 ( وكان السيد ابن الزعيم ... ومسالمة الأيام )
المحذوف : ص77 اخر ثلاثة أسطر ( وسكت هنيهة ..... الأبرار )
المحذوف : السطر 10 ( فايما سلطان أو ملك ... رددها ثلاثا ثم قعد )
المحذوف: ص81 السطر 6 ( ولولا سماعهم ..... المسجد الكبير )
المحذوف : ص82 في السطر الأول ( فشق ذلك على الناس )
وفي السطر الثاني ( وغدا لم يجابوا إلى طلبهم ......... عدوه ملك مصر )
إضافة : ص82 السطر 11 ( وقد حاول الصالح إسماعيل قمع الثورة )
المحذوف :ص82 السطر 20 ( وإنهم كفو عن ...... من دفع الباطل )
المحذوف : ص82 السطور الثلاثة الأخيرة ( وقد يستطرد الحديث ...... ودعا له بالكرامة والخير )

    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 16, 2018 12:37 pm