بناء الصورة الفنية في سورة المدثر:

كان التصوير بجرس الحروف وإيقاع الكلمات، هو الغالب في هذه السورة، وإن تخلل ذلك بعضُ الصور البيانية المحكمة، الدالة على إعجاز القرآن الكريم.

فمن ذلك قوله تعالى: "وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ " المدثر: 4

حيث كنَّى بتطهير الثياب عن تطهير النفس، وقد عبَّر بالكناية لاحتمال إرادة تطهير الثياب وتطهير النفس، أي المعنى الحقيقي والمعنى الكنائي، وفي ذلك حثّ للداعية على الجمع بين حسن المظهر، ونظافة المخبر.

يقول الألوسي : تطهير الثياب كناية عن تطهير النفس عما تُذمّ به من الأفعال، وتهذيبها عما يُستهجن من الأحوال؛ لأن من لا يرضى بنجاسة ما يمسُّه، كيف يرضى بنجاسة نفسه؟! يقال: فلانٌ طاهر الثياب، نقيُّ الذيل والأردان، إذا وُصف بالنقاء من المعايب، ومدانس الأخلاق (1).

وقوله تعالى: "سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا " المدثر: 17

حيث صور القرآنُ الكريم المكذِّبَ بآيات الله - الوليدَ بن المغيرة - وقد أثقلته الهموم والمحن، وأنزل الله عليه من البلايا ما لا طاقة له بحمله، في صورة رجل يكلَّف بصعود جبل شاهق وعر، فتتقطع أنفاسه، وتخور قواه، من دون بلوغ غايته، فلا يستطيع الصعود، ولا هو قادرٌ على النزول؛ إنه تجسيد حيٌّ للمتاعب النفسية والجسدية التي تنتظر الوليد بن المغيرة ومن على شاكلته بعد انتكاستهم وضلالهم.

وقوله تعالى:

"فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ" البقرة: 10

حيث صور النفاق بالمرض؛ لأن النفاق يأكل القلوب كما تأكل العللُ الأجسامَ، وفي ذلك فضحٌ لأمرهم، وكشفٌ لسوء طويتهم.

وقوله تعالى: "وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ " المدثر: 45

حيث جسَّد الخوضَ في الباطل بالخوض في مستنقع لا يرى الخائضُ فيه موضع أقدامه، ويندفع بلا وعيٍ معرِّضا نفسه للهلاك.

ومن ذلك –أيضا- ما صور به القرآن الكريم حالة الرعب التي سيطرت على المشركين لدى سماعهم القرآن الكريم، ومحاولتهم الهروب منه، فشبههم بالحمر الشديدة النِّفار، خوفًا من الأسد حتى لا يفترسها، وذلك في قوله تعالى:

"كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ(50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ" المدثر: 50،51

وقد اختار النسق القرآنيُّ تشبيهَهم بالحُمر؛ للتحقير؛ ولأنها من الحيوانات شديدة النفار، يقول الزمخشري: «وفي تشبيههم بالحُمُر مَذمَّةٌ ظاهرةٌ، وتهجينٌ لحالهم بيِّنٌ»، كما في قوله تعالى:

"مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" الجمعة: 5

وشهادةٌ عليهم بِالْبَلَهِ وقلَّةِ العقل، ولا يُرى مثل نفار حمير الوحش واطرادها في العَدْوِ إذا رابَها رائب، ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب في وصف الإبل وشدة سيرها بالحمر وعَدْوِها إذا وردتْ ماءً فأحسَّتْ عليه بقانص (2).

كما يُضرب بالحُمر المثل عند العرب في الذلة والهوان، على حد قول المُتَلَمِّس(3):

والحُرُّ يُنْكِرُه والرَّسْلَةُ الأُجُدُ(4)

إنَّ الهَوانَ حِمارُ الأهلِ يَعْرِفُه

إلا الأذَلاّنِ عَيْرُ الحَيِّ والوَتِدُ

ولا يُقِيمُ على ضَيْمٍ يُرادُ بِه

وذا يُشَجُّ فلا يَبْكِي له أَحَدُ

هذا على الخَسْفِ مَعْقُولٌ بِرُمَّتِه

وآثر الأسلوب القرآني صيغة الجمع" حُمُرٌ" مع أن حمارًا يُجمع –أيضا- على: (أَحْمِرَةٍ، وحُمْرٍ، وحُمُورٍ، وحَمِيرٍ)(5)؛ لخفتها وقلة حروفها وتتابع حركاتها، حتى تناسب خفة اللفظ وتتابع الحركات، تتابعَ العدو وسرعةَ النفار.

وزاد السين والتاء في" مُّسْتَنفِرَةٌ "؛ للمبالغة في النفار.

وقد اختار للأسد اسم" قَسْوَرَةٍ" من دون الأسماء الكثيرة الأخرى؛ ليحاكي حالة القسر والقهر والعجز التي سيطرت على المشركين المأخوذين ببيان القرآن الكريم.

وهكذا أدّت الصورُ الفنية ببنائها الفني المُحْكَم والمعجز دورَها في تحقيق الغاية المرجوة من سورة المدثر.

إيقاع الفواصل القرآنية:

يُقصد بالفاصلة: تلك الكلمة التي تُختم بها الآية القرآنية، ولعلها مأخوذة من قوله تعالى:

"كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" فصلت: 3

وربما سُميت بذلك؛ لأن بها يتم المعنى، ويزداد وضوحُه جلاءً وقوةً، وهذا لأن التفصيل فيه توضيح وجلاء وبيان، فمكانة الفاصلة من الآية مكانة القافية من البيت، إذ تصبح الآية لبنة في بناء هيكل السورة، والفاصلة في آيتها، تكمل من معناها، ويتمّ بها النغم الموسيقى للآية.

وتأتي الفاصلة في القرآن الكريم مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافرة ولا قلقة، يتعلق معناها بمعنى الآية كلها تعلقا تاما، بحيث لو طُرحت لاختلَّ المعنى واضطرب الفهم، فهي تؤدي في مكانها جزءًا من معنى الآية، ينقص ويختل بنقصانها (6).

وبالنظر في سورة المدثر نجد أن مظاهر الموسيقى فيها قد تنوعت، وتجاوبت أنغامها وأصواتها، وجرس كلماتها وإيقاع فواصلها، في التعبير عن مقاصد السورة، ونشر أجواء النُذر، وترجيع أصدائها، وتصوير المعاني بالحروف والحركات.

وكانت الجُمل القصار، السريعة الإيقاع، هي الغالبة على هذه السورة؛ تمشيا مع الأسلوب الحاد المنذر المتوعِّد، وفي مثل هذا السياق يغلب طابع التأثير الوجداني، وكانت موسيقى السورة المعبرة الآسرة، وإيقاع الفواصل القرآنية، إحدى أدوات هذا التأثير.

وكانت الفاصلة الغالبة في هذه السورة هي الراء، بطبيعتها الصوتية التي تحدث تكرارا وتتابعا سريعا، كأنها أصوات أجراس الإنذار المتكررة، التي تدق الأسماع، وتزلزل القلوب، وتوقظ من كان مستغرقا في نومه، أو سادرا في غيّه.

فاستُهلت السورة بفاصلة الراء:

"يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ(7)" المدثر: 1ـ 7

ليحاكي تكرارها صوت أجراس الإنذار والتنبيه؛ لإيقاظ الرسول ﷺ من نومه وتدثُّرِه، ليدع الراحة ويبدأ رحلة شاقة في سبيل الدعوة إلى الله تعالى، وعادت هذه الفاصلة في تهديد الوليد بن المغيرة:

"سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)" المدثر: 26ـ 30

حتى تدق الأسماع، وتزلزل القلوب، وتوقظ السادرين في غيّهم، الناكصين على رءوسهم، لعلّهم يُفيقون من غفلتهم، ويستيقظون من سكرتهم.

إلا أن هذا الإيقاع السريع في موسيقى السورة نراه – أحيانا – يميل إلى البطء والهدوء، فيسبق الراء حرف مد: واو أو ياء.

كما في قوله تعالى:

"فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ" المدثر: 8ـ9

ليعكس هذا الإيقاع البطيء طول يوم البعث والنشور، وشدته وعسره، فكأن طول الفاصلة يحاكي طول هذا اليوم.

ويزداد إيقاع الفواصل رخاء، وهدوءا، وتتحول إلى مدات مفتوحة في مطلع المقصد الثاني، في قوله تعالى:

"ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا (14)" المدثر: 11ـ14

حتى تعكس أجواء النعم التي لا حدود لها، التي أسبغها الله على الوليد بن المغيرة فكأن ألف الإطلاق التي ختمت بها هذه الآيات التي تتحدث عن النعم، تحاكي النعم المطلقة التي لا حصر لها، التي فتحها الله على الوليد بن المغيرة.

ولكن ألف الإطلاق هذه التي جاءت لتُشاكل النعم المفتوحة، انقطعت عند الطمع:

"ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا ۖ إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا" المدثر: 15ـ16

إشارة إلى أن الطمع يقطع النعم، وجاءت بعدها (كلا)؛ لتكون رادعًا، وصفعًا على وجهه، وقطعًا لرجائه وطمعه.

ويصبح الإيقاع أشد بطئا بفاصلة النون المسبوقة بحرف المد في قوله تعالى:

"قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ (47)" المدثر: 43 ـ 47



حتى تصوّر مشاعر الندم والحسرة، وتسمح بإخراج أكبر قدرٍ من الزفرات المتلاحقة التي تعتمل في نفوس المعذبين يوم القيامة.

قال أحد المفسرين: «وهذا التنوع في الإيقاع والقافية بتنوع المشاهد والظلال، يجعل للسورة مذاقا خاصا، لا سيما عند ردِّ بعض القوافي ورجعها بعد انتهائها كقافية الراء: المدثر - أنذر - فكبِّر.. وعودتها بعد فترة: قدَّر – بَسَر – استكبر – سقر.

كما كان لجرس الكلمات وإيقاعها المتميز أثرٌ في تصوير المعنى – فعلى سبيل المثال- كلمة (المدثِّر) أصلها: المُتَدَثِّر، أُدغمت التاء في الدال فصارت (المُدَّثِّر) هذا الإدغام يوحي حالةَ الخوف التي سيطرت على رسول الله ﷺ وتواريه في دثاره، فكما غطَّت الدالُ على التاء، غطّى الدثارُ رسولَ الله ﷺ.

كما جاء فك الإدغام في:(ولا تَمْنُنْ) مناسبا للمعنى؛ لأن في الفك وضوحًا وإظهارا، وتكرار الحرف يتناسب وحب الظهور والشهرة الذي يتفق ومعنى المنّ.

ومن الفواصل المنفردة التي وردت في سورة المدثر قوله تعالى:

"كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)" المدثر: 38 ـ 39

لتجسّد انفرادَ كل نفسٍ بمصيرها، وتحمُّلَها وحدَها أوزارها

" يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35)" عبس: 34 ـ 35

انفرادٌ في الإيقاع يقابله عزلةٌ وانفرادٌ في الحساب والجزاء، ذلك ما يهدف إليه النظم، وهو سرّ العدول عن الإيقاع المنتظم في هذه الفاصلة عن الروي بعدها، إذ كان من الممكن أن يأتي النظم هكذا

"وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِين" الطور: 21

كما جاء في سورة الطور، وحينئذ يتسق الإيقاع مع الفاصلة بعده "إلا أصحابَ اليمينِ" (7) .

إلا أن كسرَ الإيقاع بانفراد هذه الفاصلة؛ يوحي بانفراد كلِّ نفس بحسابها يوم القيامة، إلى هذا الحد المعجز، جاء البناء الموسيقي لسورة المدثر المتمثل في جرس كلماتها، وإيقاع فواصلها، في غاية الروعة والجلال والجمال، متعانقا مع ألفاظها ومعانيها ومقاصدها، ليأتي البناء الفني للسورة في غاية الكمال والجلال والجمال.

وبعد..

فسورة المدثر قد تآخت معانيها ومبانيها، وتلاحمت مقاصدها ومراميها، وتميزت بقوة أساليبها، وجرس كلماتها، وقصر آياتها، وأصوات رعود الإنذار والتحذير المجلجلة فيها، حتى بدتْ لُحمةً واحدة، في تسلسل وترابط فني معجز.

(1) روح المعاني: 29 / 117.

(2) الكشاف: 4/ 188.

(3) ديوان المتلمس. تحقيق د/محمد التونجي، ص 3/71.

(4) الرَّسْلَةُ الأُجُد: الناقة الذلول المطيعة.

(5) المعجم الكبير: 5 / 669 ، ولسان العرب: 2/ 992.

(6) من بلاغة القرآن. أحمد أحمد بدوي. ص 75.

(7) كسر الإيقاع في الفاصلة القرآنية ودلالاتها. أ.د/محمد الأمين الخضري. ص 1156. بحث منشور بالمؤتمر الدولي الثالث بكلية دار العلوم- جامعة المنيا سنة 2007م.

نقلا عن مجلة الازهر
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]