مـــــــــــنــــــــــــــــتـــــــــــــــدى حـــــــــــــبـــــــــــــــــيـــــــبـــــة

تعليمي ثقافي شامل


سيميائية العنوان في مسرحية -مسافر ليل- ل صلاح عبد الصبور

شاطر
avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 534
نقاط : 1221
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 42

سيميائية العنوان في مسرحية -مسافر ليل- ل صلاح عبد الصبور

مُساهمة من طرف أ-رمضان في الخميس يونيو 09, 2016 11:22 pm

حمودي بن العربي
سيميائية العنوان في مسرحية "مسافر ليل ".
مقدمة
لقد اعتبر العنوان إلى وقت قريب هامشا لا قيمة له، وملفوظا لغويا لا يقدم شيئا إلى تحليل النص الأدبي؛ لذلك تجاوزه النقاد إلى النص كما تجاوزوا باقي العتبات الأخرى التي تحيط بالنص. ولم يهتموا به إلى أن جاء المنهج السيميائي الذي أولى في مشروعه النقدي الاهتمام بتفاصيل وتضاريس الإبداع الفني بداية بالجانب الشكلي الذي صيغت فيه ، من عناوبن خارجية وداخلية ومقدمات وتوجيهات وهوامش مع ايلاء النص الأدبي في حد ذاته الأهمية القصوى ،تركيبا وبناءا وصياغة و أسلوبا ولغة ، وهذا من صلب اهتمام التحليل السيميائي الذي يسعى إلى الانكباب على أدبية النص لا على الجوانب الخارجة عنه، من ظروف الكاتب وغيرها مما أفاضت فيه المناهج السابقة لهذا المنهج .
وهو ما أولت المناهج الحديثة و المعاصرة ، في نظريات القراءة، و سيميائيـات النص وجماليات التلقي، أهمية كبيرة لعنوان النص ، و اعتبرته مكون أسـاسي و دال من الدلالات التي ترافـق النصوص الرئيسـة و التي لا يمكـن الاستغناء أو التغاضي عنها .و تكمـن أهمية هذا المكـون ( العنوان) في كونه أول المؤشرات التي تدخل في حوار مع المتلقي ، فتثير فيه نوعا من الإغراء، و الفضول المعرفـي و إليهما توكل مهمة نجاح العمل الفني في إثارة استجابة القارئ بالإقبال عليه و تداوله قراءة ومشاهدة ، أو النفور منه و استهجانه، قراءة و مشاهدة كذلك.
يأتي هذا البحث ليسلط الضوء على هذا المكون الأساسي-العنوان- المفتاحي للعمل الفني عموما وللنص الأدبي المسرحي خصوصا،لما يشكله من انطباع أولي عن طبيعة هذا العمل ورسمه لأفق توقع لدى المتلقي ، يختلف هذا الأفق في اتساعه وضيقه على اللغة المشكلة للعنوان نفسه.
وقدتم اختيار مسرحية " مسافر ليل" لصلاح عبد الصبور موضوعا للدراسة سيميائية العنوان فيها لاعتبارات كثيرة من بينها أن هذه المسرحية جاءت مكثفة في موضوعها الذي تعالجه ، وطبيعة اللغة التي تمت صياغتها بها فهي مسرحية شعرية وهذا يسمح لنا مقاربتها سيميائيا لوفور الصور الدلالية التي يتوفر عليها الشعر دون النثر ، هذا من جهة و غناء تركيبها الفني الذي يحوي الكثيرة من الصور الرمزية من جهة أخرى. و لهذا سنستخدم المنهج السيميائي- نظرا للاعتبارات التي سلف ذكرها - الذي نعت بأنه منهج نصي،و في ضوئه سنحاول استنطاق عنوان هذه المسرحية ؛ على اعتبار أن علم السيمياء أكثر المناهج اهتماما بالعنوان، لمساهمته هو الآخر في كشف مفاتيح النص الأدبي.كما نحاول من خلاله الإجابة عن مدى ملائمته للتيمة المعالجة داخل النص ؟ .
هل كان هذا العنوان يتمثل النص في أوجز لغته.. ؟
وأود قبل البدء في التطرق إلى هذه المسرحية من خلال دراسة عنوانها سيميائيا ،أن ادرس مدى أهمية العنوان في الأعمال الأدبية وبعض التعاريف المختلفة للعنوان وغيرها كمقدمة نظرية تسمح لنا بإثراء الموضوع ومحاولة مقاربته مقاربة سيميائية، تساعدنا على الوقوف على أهمية هذا المكون في العملية الإبداعية في المسرح تحديدا.

أهمية العنوان في العمل الأدبي:
حظيت العناوين بأهمية كبيرة في المقاربات السيميولوجية، باعتبارها أحد المفاتيح الأولية والأساسية التي على الباحث أن يحسن قراءتها وتأويلها، والتعامل معها، فهو بمثابة عتبة (Seuil) على الدارس أن يطأها قبل إصدار أي حكم. فعنوان الرواية لا يوضع هكذا عبثا أو اعتباطا على الغلاف «إنه المفتاح الإجرائي الذي يمدنا بمجموعة من المعاني التي تساعدنا في فك رموز النص، وتسهيل مأمورية الدخول في أغواره و تشعباته الوعرة»
لقد اهتمت الدراسات السيميائية الحديثة ابتداءا من سنة 1968 بموقع "العنوان "وعلاقته بالنص من خلال دراسة "فرانسوا فروري و" أندري فوتانا " ،إلى جانب أعمال " كلود دوتشي"، "ليوهوك "،" روبرت شولز " و جيرار جنيت ..الخ التي فتحت المجال واسعا أمام علم جديد سمي (علم العنونة).
تنبثق أهمية العنوان ، بشكل خاص ، من كونه مكونا نصيا لا يقل أهمية عن المكونات النصية الأخرى، فالعنوان يشكل سلطة النص وواجهته الإعلامية، وهذه السلطة تمارس على المتلقي إكراها أدبيا ، كما أنه - أي العنوان - الجزء الدال من النص و هذا ما يؤهــله للكشف عن طبيعة النص و المساهمة في فك غموضه بـــل يعين مجموع النص و يظهر معناه، و هذا يعني أن العنوان هو مرآة النسيج النصي، وهو الدافع للقراءة، وهو الشرك الذي ينصبه الفنان لاقتناص المتلقي، و من ثمة فإن الأهمية التي يحظى بها العنوان نابعة من اعتباره مفتاحا في التعامل مع النص في بعديه الدلالي و الرمزي،بحيث لا يمكن لأي قارئ أن يلج عوالم النص أو الكتاب، و تفكيك بنياته التركيبية والدلاليـة و استكشاف مدلولاته و مقاصدها التداولية، دون امتلاك المفتاح الأول وهو العنوان .
العنوان إذن هو الثريا التي تضيء فضاء النص، و تساعد على استكشاف أغواره، فيكون العنوان بكل ذلك ضرورة كتابية تساعد على اقتحام عوالم النص؛ لأن المتلقي يدخل إلى" العمل " من بوابة " العنوان " متأولا لــه، و موظفا خلفيته المعرفية في استنطاق دواله الفقيرة عددا و قواعد تركيب هو سياقه ، و كثيرا ما كانت دلالية العمل وفهمه هي ناتج تأويل عنوانه، أو يمكن اعتبارها كذلك دون إطلاق، كما يأخذ العنوان أهميته من كونه علامة كاملة تحمل دالا و مدلولا.
لهذا يمثل العنوان أعلى اقتصاد لغوي ممكن، و هذه الصفة على قدر كبير من الأهمية، إذ أنها – في المقابل – ستفرض أعلى فعالية تلق ممكن، مما يجعل المتلقي فعال بشكل كبير في عملية تلقيه للعنوان، وهي فعالية تتضح من خلال البحث عن دلالات العنوان من خارج العمل، وعن تفاصيل كاملة من داخله، و حين يلج المتلقي العمل تتحدد تلك الدلالات التي استقاها من خارج العمل. وعلى الرغم من أن العنوان نص مختصر مقلص فإنه يلعب دورا هاما وحاسما في الأعمال الأدبية خاصة وفي الأعمال الفنية عامة. فهو جزء لا يتجزأ من عملية إبداع الكاتب. كما أنه يلعب دورا مركزيا في عملية إنتاج القارئ لمعنى العمل ودلالاته ويقوم بوظائف متعددة ومتنوعة، وتبرز أهمية العنوان في الأدب الحديث كونه لم يعد فيه العنوان مجرد مرشد للعمل، يمر عليه القارئ مرورا سريعا متوجها إلى النص، وإنما أصبح جزءا من المبنى الاستراتيجي للنص. لذا يعد مفتاح أساسي للدخول إلى مناطق العمل العميقة، بقصد التأويل و تفكيك العمل من أجل تركيبه، عبر استكناه بنياته الدلالية و الرمزية، فهو يضيء في بداية الأمر ما أشكل من العمل و غمض، لكن ليس دائما، فقد يتلاشى الغموض فور تلقي العمل، وقد يتضاعف، ففي أحيان كثيرة، يكون العنوان فقيرا على مستوى الدلائل مما يأتي غامضا، و هذا يتعلق بالكاتب واضع العنوان.
و بالتالي فالعنوان يشكل لحظة تأسيس وعي لدى المتلقي، و بالعمل يتم تثبيت أو كسر هذه اللحظة، يقول ميشيل فوكو: " فخلف العنوان، و الأسطر الأولى، و الكلمات الأخيرة، وخلف بنيته الداخلية وشكله الذي يضفي عليه نوعا من الاستقلالية و التميز، ثمة منظومة من الإحالات إلى كتب ونصوص و جمل أخرى"، أي ما يجعل العنوان نصا يتعلق بطريقة مباشرة أو خفية مع النصوص الأخرى.كما بإمكانه أن يؤسس أسئلة في وجه القراءة، ويثر الحيرة لدى القارئ، دون أن يكون سهل الفهم، فقد تجاوزت العنونة مرحلة الوضوح، لتكتنف الغموض الواضح أو الوضوح الغامض، فلاهي بالغامضة، و لا هي بالواضحة، بقدر ما تسعى إلى إرباك أفق توقع المتلقي.
ولكن ليس العنوان هو الذي يتقدم النص ويفتتح مسيرة نموه- كما يقول علي جعفر العلاق- فهو مجرد اسم يدل على العمل الأدبي: يحدد هويته، ويكرس انتماءه لأب ما. لقد صار أبعد من ذلك بكثير، وأضحت علاقته بالنص بالغة التعقيد. إنه مدخل إلى عمارة النص، وإضاءة بارعة وغامضة لأبهائه وممراته المتشابكة(...) لقد أخذ العنوان يتمرد على إهماله فترات طويلة، وينهض ثانية من رماده الذي حجبه عن فاعليته، وأقصاه إلى ليل من النسيان. ولم يلتفت إلى وظيفة العنوان إلا مؤخرا.
العنوان في المسرحية.
يشكل العنوان والنص ، ثنائية من خلال علاقة مؤسسة " إذ يعد العنوان مرسلة لغوية تتصل لحظة ميلادها بحبل سري يربطها بالنص لحظة الكتابة والقراءة معا فتكون للنص بمثابة الرأس للجسد نظرا لما يتمتع به العنوان من خصائص تعبيرية وجمالية كبساطة العبارة وكثافة الدلالة و أخرى إستراتيجية إذ يحتل الصدارة في الفضاء النصي للعمل الأدبي .. إنها علاقة ميتا لغوية بحيث تعتبر تمثيل لتمثيل، و للعنوان في المسرحية مهام متعددة:
- الوظيفة الندائية للتعريف بالمنتوج.
- الوظيفة المرجعية للتعريف بمحتواه العام
- الوظيفة الإيحائية أو الإشهارية ، لتشويق المتلقي.
- وظيفة المماثلة أو تحقيق هوية من خلال استعارة اسم بطل من التاريخ (يوغورطة، حنبعل)أو أسطورة أو جانب خيالي أو حالة اجتماعية ،أو صفة أو طبع ، أو نوع حيواني (بقة)
- مهمة إخبار و إعلام .
- مهمة جذب أو صدم وهو ما أضحى الكتاب المعاصرين يستهويهم مثل هذا النوع من العناوين حيث تزلزل بعض المفاهيم الثابتة تمتاز بالجرأة .
إن دراسة العنوان نظريا تحتاج لبحث مستقل بذاته، لما يكتنفه هذا الموضوع من أهمية في النقد السيميائي ، ولكثرة الدراسات الغربية منها والعربية التي تناولته بالدرس والتمحيص والتوضيح باعتباره أول نص مركز ومكثف مختصر ومضغوط في جملة ألسنية أو كلمة أو جملة فعلية ،أو اسم شخصية ، أو دلالة مكانية أو ظرفا زمانيا أو دلالة زمكانية، تتيح للناقد والمتلقي من ولوج عالم النص الفسيح ، وكذا استكشاف المناطق العميقة في النص الأدبي التي لا يمكن سبرها إلا انطلاقا من الواجهة الإعلامية (العنوان).لذا سنكتفي بهذا القدر الضئيل من الجانب النظري عسى نوفق في الجانب التطبيقي.

سيميائية العنوان في مسرحية "مسافر ليل":
" العنوان – أيا كان عمله – يدل، بمظهره اللغوي من الصوت إلى الدلالة على وضعية لغوية شديدة الافتقار "، فيتراوح تركيبيا وضع العنوان – بين جملة أو جمل اسمية كانت أو فعلية، و التركيب الجزئي، و الاسم علما كان أو شيئا، أو ظرفا مكانيا أو زمانيا، أو صفة، أو حرفا أحيانا، و بالتالي قد يطول، و قد يقصر تركيبا، لكنه غالبا ما يكون بين كلمة أو شبه جملة، وكما يبدو " فلغة العنوان غير مشروطة تركيبيا بشرط مسبق، وبالتالي فان إمكانات التركيب التي تقدمها اللغة كافة قابلة لتشكيل العنوان "، مما يعني أن إفادة العنوان تستند إلى وظيفته الإحالية إلى ما يعنونه، بينما إفادة التنفيذات اللغوية كافة تستند إلى اكتمالها التركيبي، فثمة مسافة اختلاف بين لغة العنوان، و اللغة ، و حتى الوظيفة الإحالية. هذا يجعلنا قبل الدخول في تحليل العنوان ورصد دلالاته ان نبدأ بعنصر مهم في العملية على الشكل الآتي:
1- لغة العنوان :
يأتي هذا العنوان ذو ميزة خاصة ،على غرار عناوين المسرحيات التي ألفها صلاح عبد الصبور ، مسرحية (الحلاج)ومسرحية(ليلى ومجنون) ومسرحية(بعد أن يموت الملك) ومسرحية (الأميرة تنتظر). تتقارب في اختيار العنوان ، بحيث كل مسرحية منها تدل على الوظيفة المرجعية للتعريف بمحتواها العام . وكذا مهمة مماثلة وتحقيق هوية الموضوع ، فمن خلال عنوان الحلاج ، يتبين الزمن والمكان و الأحداث التاريخية التي توالت فيها أحداث موت الحلاج ، وتاريخ التصوف . وبالمثل عنوان مسرحية "ليلى والمجنون " وهي الدلالة على موضوع الحب والصراع من اجله ، انطلاقا من المرجعية التراثية التاريخية المعروفة من "مجنون ليلى" المسرحية التي آلفها احمد شوقي غير أن صلاح عبد الصبور قام بتقديم ليلى وعطفها بالصفة "المجنون " ليلفت الانتباه لليلى التي هي المركز ثم المجنون الذي يدور في فلكها ..
ويدخل عنوان المسرحيتين الاخريتين في نطاق الجذب و الإغراء و الإثارة ومحاولة التسويق عبر تركيبة العنوان من جملة فعلية تفتح أفق توقع ما سيحدث ، ماذا تنتظر الأميرة ؟ وماذا سيحدث بعد موت الملك..؟ إن هذه العناوين لها قدرة من خلال تركيبتها وصياغتها، على إحداث نوع من استشراف المستقبل لدى المتلقي، والتساؤل والاستفهام الذي يصاحبه تشوق ممزوج بقلق لما سيحدث لان الصيغة الفعلية لها تفتح لها آفاق توقع كبيرة مملوءة بالتكهنات والاحتمالات.
غير أن المسرحية التي نحن بصدد دراسة عنوانها يختلف عن عناوين المسرحيات السابقة فهو من الناحية اللغوية مصاغ من جملة اسمية، مكونة من مفردتين الأولى صفة والثانية ظرف زمان. تتميز هذه الجملة بأنها جملة نكرة، تجعلنا نطرح أسئلة عن من هو هذا المسافر هويته، مهنته، سنه.. الخ لكن سرعان ما تسقط هذه الأسئلة وتحل عن طريق ( التلميحات الديدسكالية).
والجزء الثاني من الجملة ظرف زمان أتى أيضا نكرة "ليل" لدلل على زمن وقوع أحداث هذه المسرحية ،زمنها الدرامي والفني، فيطرح بذلك لدى القارئ تساؤلات هل هو ليل العشق والعشاق الذين يختفون فيه من أنظار الناس ،ليمارسوا حبهم بسرية تامة، أم هو ليل التعبد والتهجد والتصوف والمناجاة والتقرب، لما لهذا الوقت من مساحات للتأمل الروحي وللصفاء الذهني والنفسي، أم هو ليل الظلم والأناة والتوجع والعذاب والتهميش والصمت ..من خلال ما تقدم يمكننا بعد جمع هذه المفردتين والتساؤلات التي تطرحها كل لفظة على حدة، يمكننا القول بان هل هذا "مسافر" يسافر بحث عن الحب والغرام والعشق ؟، أم يسافر ليلا بحثا عن الحقيقة والصفاء والعزلة والتنسك في رحلة وجدانية..؟، أم انه يسافر هربا من الظلم و العذاب والتوجع والآلام..؟.هذا ما يفتحه العنوان من توقعات وآفاق على الصفة "مسافر" والظرف الزماني "ليل"، فهو يخبرنا عن مسافر نكرة يسافر ليلا لكنه يفتح أفقا آخرا ما هي وسيلة سفره وهو سؤال يلقي بظلاله الملحة عن المكان المسافر إليه والوسيلة المستعملة في هذا السفر.
إن ورود العنوان بصيغة النكرة لم اعتباطيا بمحض الصدفة الفنية ،والذي يثبت هذا هو ما جاء في المنظر في المسرحية ، وما كتبه المؤلف كإرشادات مسرحية، بعد أن يقدم لنا أجوبة عن بعض ما أثاره العنوان فينا من استفهامات ،ليكون المكان والوسيلة التي يسافر بها المسافر هي "عربة قطار" ويحدد أكثر الزمان "بمنتصف الليل" ويوضح: ".. على احد مقاعد العربة يجلس المسافر، نموذج للإنسان بلا أبعاد. الإنسان الذي لا نستطيع أن نصف إلا ملامحه الخارجية، فنقول انه بدين أو نحيف طويل أو ربعة، أشقرا أو اسمر، وكل هذه الأوصاف سواء."
وهذا ما يفسر لنا إتيان العنوان بصيغة نكرة للتحقق المراد الذي يسعى له المؤلف.في رسم هذا المسافر نموذجا لإنسان بلا أبعاد مستلب و لا يتضح هذا إلا من خلال القراءة العميقة للعمل وتحليلها انطلاقا من تمثلات عنوانها .
لكن سؤال آخر يتبادر لنا، لماذا جعله نكرة هل لإنكار ما يحدث أثناء هذا السفر من جريمة في حق هذا الراكب؟.أم انه دلالة على عبثية الزمن والتنكر لهذا المسافر المجهول، وهو نموذج الإنسان دائم في رحلة سفر إلى مجهول..؟
2- العنوان والمتن الحكائي:
في علاقته بالمتن الحكائي ،فالعنوان يحيلنا مباشرة إلى أهم المكونات الأساسية والتي دائما هي أول ما يواجه المتلقي ، وآخر ما يبقى في ذهنه بعد العرض أو حتى القراءة ،إنها قصة المسرحية ، لذا اهتم بها المبدعون أيما اهتمام لأنها اللحمة التي تكسب العناصر الأخرى تماسكا وجمالية، ونقدمها على الشكل التالي انطلاقا من علاقتها بالعنوان:
الشخصيات: الراكب (مسافر) وهي الفاعل الأساسي التي يحيلنا إليها الكاتب على انه الشخصي المحور التي تدور في فلكها الأحداث فهي محركها الأول و الأخير، وهي التي يريد المؤلف أن نصب عليها اهتمامنا فهي الشخصية الرئيسية.
الزمن : الليل (الظلام) أي أن أحداث المسرحية ستكون ليلا،فالأحداث منذ بدايتها إلى نهايتها تدور في الليل أثناء سفر هذا المجهول النكرة الذي نعلم عنه من العنوان انه مسافر يحمل صفته فقط، صفة يلازمها عدم الاستقرار والتعب والارتحال من مكان إلى آخر ، ومن حال إلى حال ، صفة يلازمها النصب والتعب.
إن العنوان بهذا الشكل وهذه الصيغة قد احتوى على عناصر السرد الحكائي الأساسية وهي الزمن ، الذي يضفي جمالية في زمن الحكاية وزمنها السردي ذو الدلالة العميقة مع الحكاية.من هنا يمكن القول بعد الاطلاع على المسرحية، إن علاقة العنوان بحكاية المسرحية علاقة مترابطة متجانسة تحيل على الزمن المحكي وزمن السرد الذي يحمل الخطاب المسرحي في ثناياه عادة.
العنوان و تيمة السفر:
ميزة هذا العنوان هو ما تحمله المسرحية من عنوانها للتيمة المعالجة ،تيمة السفر الذي كان للكشف والتعرية والجنون كموضوعات حضورها في "أرجاء" هذه المسرحية وامتدت لتشمل أعمال مسرحية أخرى لصلاح عبد الصبور، وما كان لها أن تتولد في مسافر ليل لولا الإيمان بالتجاوز والتحليق والتوغل في الدواخل ومن ثم كان السفر هو المحفز على تحقيق هذه الإضاءات وهذه القرائن اللفظية التي تحيل إلى السفر كبنية داخلية في العمل المسرحي، وقابلة لأن تحمل دلالات متعددة صفتها الخفاء وإذا أردنا استجلاء هذه التيمة فسنجدها تتحدد عبر المستويات التالية :

1- السفر في الذات.
2- السفر في التاريخ.
3- السفر في الواقع/العالم.
فمنذ بداية المسرحية يعلن الراوي: "بطل روايتنا و مهرجها رجل يدعى ..
يدعى ما يدعى
ماذا يعني الاسم..
صنعته ..أية صنعة
ولنحكم من هيئته وثيابه
وعلى كل ،فالأمر بسيط
صنعته ..أية صنعة
وهو يسافر في آخر قاطرة ليلية
نحو مكان ما .."
فالمستوى الأول هو ما يعيشه الراكب على طول خط المسرحية من السفر داخل ذاته نموذج للمواطن العربي وهذا ما تدل عليه البداية من خلال الراوي، وأيضا التردد المستمر خلال حواراته مع عامل التذاكر،في حالة مراجعات لمنطق الأشياء تحت قهر عامل التذاكر الذي هو واقع المستبد بشتى صوره وأنواعه.
والمستوى الثاني سفر في التاريخ من خلال استحضار شخصيات تاريخية حكمت شعوبا بالقهر والاستبداد والإرهاب للنتبين بوضوح الاستلاب عبر التاريخ البشري وان التاريخ يعيد نفسه من خلال صور جديدة وأشكال متعددة ،لكنها في نهاية الأمر لا تشكل إلا استمرارية للقهر نفسه.
والمستوى الثالث يأتي امتداد للمستوى الثاني، فهو تجسيد له من خلال واقع وقصة هذا المسافر في هذه المسرحية.لتعطي بذلك المصداقية لهذا السفر داخل القطار(الزمن- التاريخ) حيث المسافر هو الفلك والقطار هو المكان والراوي هو السارد الشارة، وعامل التذاكر هو الشرارة، والزمن هو الليل إنه الاستعداد لخوض غمار مغامرة السفر وهذه العبارات التي أنبأنا بها الراوي جاءت لتؤكد لنا سبب صيغة العنوان بصفة نكرة ، ليكون السفر عميقا سواء في ذواتنا أو في الآخرين ليلا لما لليل من هدوء وسكينة تسمح بالتأمل ، وما له من وحشة وقلق ورهبة ، مفارقة تجعل من الموضوع خصوصية تسعى في إضفاء ضلالها على العمل المسرحي منذ البداية مشكلة في العنوان بداية " مسافر ليل" فالمسافر هو الشخصية الرئيسية في المسرحية يبدو مهرجا وبسيطا ونكرة لا يمكننا معرفته إلا من خلال ثيابه وهيئته يسافر مع إيقاع القطار ليلا ويسافر في ذاته .
على هذا الأساس، فإن تيمة السفر سنمثل لها بالشبكات التالية :
(أ‌) السفـــر :
- الذات
- التاريخ
- الواقع/العالم
(ب‌) سفـر :
- الراكب : الإنسان العربي المستلب(الضحية)
- عامل التذاكر : القهر والاستلاب(الجلاد).
- الراوي : المثقف السلبي المستلب أو -على حد تعبير الكاتب- ممثل لكل من هم خارج المسرح.
ج السفـر :
- سجن – موت - ألم- جرح- عذاب- بحث- وحدة - جنون- سؤال- ذاكرة- تاريخ- نفي- حكمة- فلسفة- إشراق - متعة- حلم- حياة- حرية- نزيف- غربة - تعرية- يقظة- كشف- نور- شهادة.
ان تقاطع هذه الشبكات هو ما يعطي للمسرحية بعدها العميق، الذي يمكننا من التغلغل داخل عالمها الفسيح داخل قطار هو الزمن وهو التاريخ وهو الحياة ، فهو الزمان والمكان ، وهو الماضي والحاضر والمستقبل. بهذا يمكن استجلاء توظيف السفر كتيمة رئيسة في المسرحية ، لنفهم لماذا حملها الكاتب في عنوانه .

خاتمة
خلص هذا البحث البسيط لسيميائية العنوان في مسرحية صلاح عبد الصبور " مسافر ليل" أن الكاتب قد اختار عنوان مسرحيته بعناية فائقة، جعلت منه مدخلا أوليا للولوج إلى النص وسبر أغواره لا من خلال أفق التوقع الذي يفتحه فحسب، و إنما جعله يرافق المتلقي والقارئ كنص موازي يتقاطع مع المسرحية ليفكك بعض شفراتها التي قد تستعصي عليه أثناء تدرجه مع عتباته عمقا ، وهو ما منح العنوان قوة من خلال لغته المشكلة له، التي تعبر بصدق وبعمق وبوضوح عن رؤية الكاتب إذا ما تصفحنا المسرحية، كيف لا وهو الكاتب الشاعر قبل أن يكون مسرحيا. ومن سمات الشعراء إنهم ينتقون كلماتهم انتقاءا مركزا يسمح لهم بان يطوعها حسب الحالة التي هم بصدد التعبير عنها عن طريق الكلمات، التي تأتي مكثفة في الشعر كما في لغة المسرح الذي بدء شعرا ، لما يتميز به الشعر من كثافة والتركيز والتوالد..
لهذا أتى عنوان مسرحية صلاح عبد الصبور بهذا التركيز والتكثيف- لا لان العنوان يتطلب ذلك وهو يمثل أقصى اللغة اقتصادا- بل لطبيعة المسرحية ،التي أتت في فصل واحد، كما جاء ملائما الموضع الذي تعالجه وحكايتها التي تتقاطع مع العنوان، كذا الزمن والمكان . لقد كان العنوان هو المفتاح الذي أعطي إلينا لنلج به النص ،ونفتح أبوابه ونجول في أركانه و زواياها الكثيفة كثافة التيمة المعالجة. إن مسرح صلاح عبد الصبور غني بالدلالات التي تجعل منه يفتح شهية البحث فيه سيميائيا ، والذي يجعله كذلك هو انه مسرح شعري، يعالج على المستوى الشعري كنص ومتطلبات العرض المسرحي، إن هذا البحث قد ترك لي الباب مواربا، للدخول إلى عالم صلاح عبد الصبور المسرحي من خلال دراسة عناوين مسرحياته الأخرى. وهو مشروع مستقبلي، يحتاج لإرادة علمية وأسلحة معرفية أكثر مما جاء في هذا البحث.

    الوقت/التاريخ الآن هو السبت فبراير 17, 2018 7:42 pm