مـــــــــــنــــــــــــــــتـــــــــــــــدى حـــــــــــــبـــــــــــــــــيـــــــبـــــة

تعليمي ثقافي شامل


الكتاب: غاية المرام في علم الكلام الجزء الثاني

شاطر
avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 445
نقاط : 978
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 41

الكتاب: غاية المرام في علم الكلام الجزء الثاني

مُساهمة من طرف أ-رمضان في السبت يونيو 04, 2016 11:22 am

الطّرف الأول فى وجوب الإماكة وَمَا يتَعَلَّق بهَا
مَذْهَب أهل الْحق من الإسلاميين أَن إِقَامَة الإِمَام واتباعه فرض على الْمُسلمين شرعا لَا عقلا وَذهب أَكثر طوائف الشِّيعَة إِلَى وجوب ذَلِك عقلا لَا شرعا وَذهب بعض الْقَدَرِيَّة والخوارج إِلَى أَن ذَلِك لَيْسَ وَاجِبا لَا عقلا وَلَا شرعا
وَنحن الْآن نبتدئ بِتَقْدِيم مَذْهَب أهل الْحق أَولا ثمَّ نشِير إِلَى شبه الْمُخَالفين فى معرض الإعتراض وَإِلَى وَجه إِبْطَالهَا عِنْد الِانْفِصَال ثَانِيًا
قَالَ أهل الْحق الدَّلِيل الْقَاطِع على وجوب قيام الإِمَام واتبعاه شرعا مَا ثَبت بالتواتر من إِجْمَاع الْمُسلمين فى الصَّدْر الأول بعد وَفَاة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على امْتنَاع خلو الْوَقْت عَن خَليفَة وَإِمَام حَتَّى قَالَ أَبُو بكر فى خطبَته الْمَشْهُورَة بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَلا إِن مُحَمَّدًا قد مَاتَ وَلَا بُد لهَذَا الدّين مِمَّن يقوم بِهِ فبادر الْكل إِلَى تَصْدِيقه والإذغان إِلَى قبُول قَوْله وَلم يُخَالف فى ذَلِك
(1/364)
________________________________________
أحد من الْمُسلمين وَلَا تقاصر عَنهُ أحد من أَرْبَاب الدّين بل كَانُوا مطبقين على الْوِفَاق ومصرين على قتال الْخَوَارِج وَأهل الزيع والشقاق وَلم ينْقل عَن أحد مِنْهُم إِنْكَار ذَلِك وَإِن اخْتلفُوا فى التَّعْيِين
وَلم يزَالُوا على ذَلِك مَعَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ من الخشونة فى الدّين والصلابة فِي الْيَقِين وتأسيس القواقد وَتَصْحِيح العقائد من غير أَن يرهبوا فى الله لومة لائم حَتَّى بَادر بَعضهم إِلَى قتل الْآبَاء والأمهات وَالإِخْوَة وَالْأَخَوَات كل ذَلِك مُحَافظَة على الدّين وذبا عَن حوزة الْمُسلمين وَالْعقل من حَيْثُ الْعَادة يحِيل الِاتِّفَاق من مثل هَؤُلَاءِ الْقَوْم على وجوب مَا لَيْسَ بِوَاجِب لَا سِيمَا مَعَ مَا ورد بِهِ الْكتاب الْعَزِيز من مدحهم وَالسّنة الشَّرِيفَة فى عصمتهم فَقَالَ تَعَالَى {كُنْتُم خير أمة أخرجت للنَّاس} وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام أمتى لَا تَجْتَمِع على الْخَطَإِ لَا تَجْتَمِع امتى على ضَلَالَة لم يكن الله بالذى يجمع أمتى على الضَّلَالَة وَسَأَلت الله أَلا يجمع أمتى على الضَّلَالَة فَأَعْطَانِيهَا إِلَى غير ذَلِك من الْأَحَادِيث وهى وَإِن كَانَت آحادها آحادا فهى مَعَ اخْتِلَاف ألفاظها وَكَثْرَتهَا تنزل منزلَة التَّوَاتُر فى حُصُول الْعلم بِمَا دلّت عَلَيْهِ من جِهَة الْعَادة قطعا وَذَلِكَ على نَحْو علمنَا بكرم حَاتِم وشجاعة عنترة كَمَا بَينا فِيمَا سلف ثمَّ كَذَلِك الْعَصْر الثانى وَالثَّالِث وهلم جرا إِلَى زَمَاننَا هَذَا لم يزل النَّاس ينسجون على منوال أهل الصَّدْر الأول ويتبعون آثَارهم ويقتفون أخبارهم على الْخط القويم والمهج الْمُسْتَقيم
(1/365)
________________________________________
وَلذَلِك من نظر بِعَين الِاعْتِبَار وحلى نَحره بالأخبار وسلك طَرِيق الرشاد وجانب الْهوى والعناد لم يجد من نَفسه الاختلاج بمخالفة شئ من ذَلِك أصلا
ثمَّ والذى يُؤَكد ذَلِك النّظر إِلَى مُسْتَند الْإِجْمَاع فَإنَّا نعلم أَن مَقْصُود الشَّارِع من أوامره ونواهيه فى جَمِيع موارده ومصادره من شرح الْحُدُود والمقاصات وَشرع مَا شرع من الْمُعَامَلَات والمناكحات وَأَحْكَام الْجِهَاد وَإِظْهَار شَعَائِر الْإِسْلَام فى أَيَّام الْجمع والأعياد إِنَّمَا هُوَ لاصلاح الْخلق معاشا ومعادا وَذَلِكَ كُله لَا يتم إِلَّا بِإِمَام مُطَاع من قبل الشَّرْع بِحَيْثُ يفوضون أزمتهم فى جَمِيع أُمُورهم إِلَيْهِ ويعتمدون فى سَائِر أَحْوَالهم عَلَيْهِ فأنفسهم مَعَ مَا هم عَلَيْهِ من اخْتِلَاف الاهواء وتشتت الآراء وَمَا بَينهم من الْعَدَاوَة والشحناء قَلما تنقاد بَعضهم لبَعض ولربما أدّى ذَلِك إِلَى هلاكهم جَمِيعًا
والذى يشْهد لذَلِك وُقُوع الْفِتَن واختباط الْأُمَم عِنْد موت وُلَاة الْأَمر من الْأَئِمَّة والسلاطين إِلَى حِين نصب مُطَاع آخر وَأَن ذَلِك لَو دَامَ لزادت الهوشات وَبَطلَت المعيشات وَعظم الْفساد فى الْعباد وَصَارَ كل مَشْغُولًا بِحِفْظ نَفسه تَحت قَائِم سَيْفه وَذَلِكَ مِمَّا يفضى إِلَى رفع الدّين وهلاك النَّاس أَجْمَعِينَ وَمِنْه قيل الدّين أس وَالسُّلْطَان حارس الدّين وَالسُّلْطَان توأمان
فَإِذا نصب الإِمَام من أهم مصَالح الْمُسلمين وَأعظم عمد الدّين فَيكون وَاجِبا حَيْثُ عرف بِالسَّمْعِ أَن ذَلِك مَقْصُود للشَّرْع وَلَيْسَ مِمَّا يُمكن القَوْل بِوُجُوبِهِ عقلا
(1/366)
________________________________________
كَمَا بَيناهُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يعْنى بِكَوْنِهِ وَاجِبا عقليا أَن فى فعله فَائِدَة وفى تَركه مضرَّة لذَلِك مَا لَا سَبِيل إِلَى إِنْكَاره أصلا
فَإِن قيل الِاحْتِجَاج بِإِجْمَاع الْأمة فرع تصور الْإِجْمَاع وكما زعمتم أَن الْعَادة تحيل اجْتِمَاع الْأمة على الْخَطَإِ فَكَذَلِك أَيْضا بِالنّظرِ إِلَى الْعلمَاء تحيل اجْتِمَاع الْكل على حكم وَاحِد مَعَ مَا هم عَلَيْهِ من اخْتِلَاف الطباع وتفاوت الْأَزْمَان والسهولة والصعوبة فى الانقياد كَمَا يَسْتَحِيل من حَيْثُ الْعَادة اتِّفَاقهم كَافَّة على الْقيام أَو الْقعُود فى لَحْظَة وَاحِدَة فى يَوْم وَاحِد
ثمَّ وَإِن تصور ذَلِك فالاطلاع عَلَيْهِ لكل وَاحِد من أهل الْعَصْر مَعَ انقسام الْمُجْتَهدين إِلَى مَعْرُوف وَإِلَى غير مَعْرُوف وتنائى الْبلدَانِ وتباعد الْعمرَان أَيْضا مُتَعَذر
ثمَّ وَإِن قدر أَن ذَلِك كُله مُتَصَوّر لَكِن مَا من وَاحِد نفرضه مِنْهُم إِلَّا وَيجوز عِنْد تَقْدِيره مُنْفَردا أَن يكون فى ذَلِك الحكم مخطئا وَذَلِكَ الْجَوَاز لَا ينْتَقض وَإِن انضاف إِلَيْهِ فى ذَلِك الحكم من أعداد الْمُجْتَهدين مَا لَا يُحْصى والذى يدل على جَوَاز ذَلِك وُرُود النهى بِصفة الْعُمُوم وَهُوَ قَوْله {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ} {وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ} وَلم لم يكن ذَلِك مِنْهُم جَائِزا وَإِلَّا لما نهوا عَنهُ
(1/367)
________________________________________
وَلَو كَانَ ذَلِك حجَّة قَطْعِيَّة فى الشرعيات لما ذكر للَزِمَ أَن يكون ذَلِك حجَّة فى العقليات وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع
وَمَا ذكرتموه من الْأَحَادِيث فجملتها آحَاد لَا مُعْتَبر بهَا فى القطعيات والأمور اليقينات وَإِن اسْتدلَّ على صِحَّتهَا بِإِجْمَاع الكافة عَلَيْهَا يلْزم الدّور وَامْتنع الِاسْتِدْلَال ثمَّ وَإِن كَانَت يقينية فمدلول اسْم الْأمة كل من آمن بِهِ من حِين الْبعْثَة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَذَلِكَ غير مُتَصَوّر فِيمَا نَحن فِيهِ وَمَعَ حمله على أهل الْحل وَالْعقد من أهل كل عصر فَيحْتَمل أَنه أَرَادَ بالضلال أَو الْخَطَأ الْكفْر أَو مَا يُوجب الِاعْتِقَاد الْخَبيث أَو نوعا آخر من أَنْوَاع الْخَطَأ إِذْ تنَاوله لكل ضلال وَخطأ إِن كَانَ فَلَيْسَ إِلَّا بطرِيق الظَّن والتخمين دون الْقطع وَالْيَقِين
ثمَّ وَإِن قدر أَن المُرَاد بِهِ الْعِصْمَة من كل خطأ وَالْحِفْظ من كل زلل فَلَا بُد أَن يبين وجود الْإِجْمَاع فِيمَا نَحن فِيهِ وَمَا الْمَانِع من أَن يكون ثمَّ نَكِير وَأَنه لم تتَحَقَّق الْمُوَافقَة إِلَّا من آحَاد الْمُسلمين والذى يدل على ذَلِك قَول عمر رضى الله عَنهُ أَلا إِن بيعَة أَبى بكر كَانَت فلتة وقى الله شَرها فَمن عَاد إِلَى مثلهَا فَاقْتُلُوهُ أى إِن بيعَة أَبى بكر من غير مشورة وَقد وقى الله شَرها فَلَا نعود إِلَى مثلهَا
(1/368)
________________________________________
ثمَّ إِن الْإِجْمَاع لَا بُد وَأَن يعود إِلَى مُسْتَند من الْكتاب وَالسّنة وَلَو كَانَ للْإِجْمَاع مُسْتَند لقد كَانَت الْعَادة تحيل أَن لَا ينْقل مَعَ توفر الدواعى إِلَى نَقله فَحَيْثُ لم ينْقل لَهُ مُسْتَند علم أَنه غير وَاقع فى نَفسه
وَأَيْضًا فَإِن تعاون النَّاس على أشغالهم وتوفرهم على إصْلَاح أَحْوَالهم وَأَخذهم على أيدى السُّفَهَاء مِنْهُم وَالْقِيَام بِمَا يجب عَلَيْهِم فى دينهم ودنياهم مِمَّا تحدوهم إِلَيْهِ طباعهم وأديانهم وَيدل على ذَلِك انتظام حَال العربان وَأهل البوادى والقفار الخارجين عَن أَحْكَام السُّلْطَان فَإِذا قَامُوا بذلك فِيمَا بَينهم لم يكن لإِقَامَة وَاحِد مِنْهُم يحكم عَلَيْهِم فِيمَا يَفْعَلُونَهُ ويتأمر عَلَيْهِم فِيمَا يصنعونه تعين
لَا سِيمَا وَمَا من مسئلة اجتهادية إِلَّا وَيجوز لكل وَاحِد من الْمُجْتَهدين أَن يُخَالِفهُ فِيهَا بِمَا يُؤدى إِلَيْهِ اجْتِهَاده وَكَيف يكون وَاجِب الطَّاعَة مَعَ جَوَاز الْمُخَالفَة وَمَا الْفَائِدَة فى نَصبه نعم إِن أدّى اجتهادهم إِلَى أَن يقيموا أَمِيرا ورئيسا عَلَيْهِم يتَكَلَّف أُمُورهم ويرتب جيوشهم ويحمى حوزتهم وَيقوم بذلك على وَجه الْعدْل والإنصاف فَلهم ذَلِك من غير أَن يلْزمهُم من تَركه حرج فى الشَّرْع أصلا ثمَّ إِن ذَلِك يستدعى كَون الطَّرِيق متواترا وَقد عرف مَا فِيهِ فِيمَا مضى
(1/369)
________________________________________
وَالْجَوَاب هُوَ أَن وُقُوع الِاتِّفَاق من الْأمة على وجوب الصَّلَوَات الْخمس وَصَوْم رَمَضَان وَغير ذَلِك من الْأَحْكَام يكر على مقالتهم فى منع تصَوره بالإبطال وَمَا يتخيل من امْتنَاع الِاتِّفَاق عَلَيْهِ كَمَا فرض من الْقيام وَالْقعُود وَالْأكل وَالشرب وَغير ذَلِك فَلَيْسَ إِلَّا لعدم الصَّارِف والباعث لَهُ وَإِلَّا فَلَو تحقق الصَّارِف لَهُم إِلَى ذَلِك لم يكن بِالنّظرِ إِلَى الْعَادة مُمْتَنعا وَلَا محَالة أَن الْأمة متعبدون بِاتِّبَاع النُّصُوص والأدلة الورادة من الْكتاب وَالسّنة ومعرضون للعقاب على تَركهَا وإهمال النّظر إِلَيْهَا فَغير بعيد أَن يَجدوا أَنَّهَا تصرف دواعيهم إِلَى الحكم بمدلوله وتبعثهم على الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ وَيعرف ذَلِك مِنْهُم بمشافهة أَو نقل متواتر كَمَا عرف أَن مَذْهَب جَمِيع الفلاسفة الإلهيين نفى الصِّفَات وكما عرف التَّثْلِيث من مَذْهَب النَّصَارَى والتثنية من مَذْهَب جَمِيع الْمَجُوس إِلَى غير ذَلِك من الْأُمُور الْمُتَّفق عَلَيْهَا
وَإِن اتّفق أَن كَانَ ذَلِك مُسْتَندا إِلَى قَول وَاحِد وَالْكل فى اتِّفَاقهم لَهُ مقلدون وَعَلِيهِ معتمدون كَمَا علم من أَصْحَاب الشافعى الِاتِّفَاق على منع قتل الْمُسلم بالذمى وَالْحر بِالْعَبدِ وَنَحْوه وكما علم من اتِّفَاقهم ان ذَلِك هُوَ مَذْهَب إمَامهمْ فَكَذَلِك نَعْرِف من اتِّفَاق الْأمة أَن ذَلِك مُسْتَند إِلَى قَول نَبِيّهم بل وَمَعْرِفَة ذَلِك من إِجْمَاع الصَّدْر الأول يكون أقرب وَأولى فَإِنَّهُم لم يَكُونُوا بعد قد انتشروا فى الْبِلَاد وَلَا تناءت بهم الأبعاد وَلم يكن عَددهمْ مِمَّا يخرج عَن الْحصْر لَا سِيمَا أهل الْحل وَالْعقد مِنْهُم
وتخيل الرُّجُوع من الْأمة عَمَّا اتَّفقُوا عَلَيْهِ مُتَعَذر لضَرُورَة الْخَطَأ فى أحد الإجماعين وَقد دلّ السّمع وَالْعقل على امْتِنَاعه وَرُجُوع بَعضهم وَإِن كَانَ جَائِزا فَغير قَادِح لكَونه مخصوما ومحجوجا بِمَا تقدم من الْإِجْمَاع السَّابِق الذى دلّ الْعقل والسمع على
(1/370)
________________________________________
تصويبه وَمَعَ جَوَاز الِاتِّفَاق وَوُقُوع الْإِجْمَاع يمْتَنع أَن يكون على الحطأ وَإِن كَانَ ذَلِك جَائِزا على كل وَاحِد أَن لَو قدر مُنْفَردا لما تقرر من قبل
وَأقرب شَاهد يخصم هَذَا الْقَائِل مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ فى جَانب حُصُول الْعلم بالتواتر فى مَسْأَلَة النبوات وَلَا معنى للتطويل بإعادته
وَمَا أُشير إِلَيْهِ من الْأَخْبَار الدلة على جَوَاز الْخَطَأ على الْأمة فَلَيْسَتْ ناهية عَن الْإِجْمَاع ليلزم مَا ذَكرُوهُ وَإِنَّمَا النهى فِيهَا مُتَوَجّه على الْآحَاد ثمَّ وَلَو قدر ذَلِك فَلَيْسَ النهى يستدعى وُقُوع المنهى عَنهُ وَلَا جَوَازه فى نَفسه فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ لنَبيه {فَلَا تكونن من الْجَاهِلين} وَقَالَ {لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك} مَعَ علمه بعصمته وَأَن ذَلِك لَا يَقع مِنْهُ وَلَا يجوز عَلَيْهِ
وَلَا شكّ أَن الْعَادة كَمَا تحيل اتِّفَاق الْأمة على الْخَطَأ فى السمعيات كَذَلِك فى العقليات أَيْضا لكننا لَا نحيل تَجْوِيز الْعقل لنقيض الْمُتَّفق عَلَيْهِ من جِهَة الْعقل وَأَن ذَلِك لَا تعرف استحالته إِلَّا من دَلِيل عقلى أَو أَمر يقينى آخر وَلم نتعبد بإزاحه ذَلِك الِاحْتِمَال الواهى بِالنّظرِ إِلَى الدَّلِيل العقلى وَإِلَّا فالاجماع حجَّة فى العقليات بِسَبَب كَونه فى الشرعيات وَعَلَيْكُم بمراعاة هَذَا الْمَعْنى فَإِنَّهُ كثيرا مَا يغلط فِيهِ وَيدل على الِاحْتِجَاج بِهِ مَا أَشَرنَا إِلَيْهِ من الْأَخْبَار والْآثَار وهى وَإِن كَانَت آحادا فَلَا شكّ أَن جُمْلَتهَا تنزل منزلَة التَّوَاتُر كَمَا أسلفناه
(1/371)
________________________________________
وَأما حمل لفظ الْأمة على من تَابعه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَهُوَ وَإِن كَانَ مُقْتَضى اللَّفْظ من حَيْثُ الصِّيغَة قد خُولِفَ إِجْمَاعًا بِإِخْرَاج المجانين وَالصبيان وَمن لَا تفهم لَهُ عَنهُ وَمَعَ صرف اللَّفْظ عَن ظَاهره يجب أَن ينزل على مَا دلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل وَقد دلّت السمعيات والقواطع من الشرعيات على تهديد مُخَالف الْجَمَاعَة الْخَارِج عَن السّمع لَهُم وَالطَّاعَة بِإِخْرَاجِهِ من زمرة الْمُوَحِّدين وسلبه ثوب الدّين مثل قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام من خرج عَن الْجَمَاعَة قيد شبر فقد خلع ربقه الْإِسْلَام من عُنُقه وَقَوله من فَارق الْجَمَاعَة وَمَات فقد مَاتَ ميتَة جَاهِلِيَّة إِلَى غير ذَلِك من الْآثَار وقواطع الْأَخْبَار والموافقة والمخالفة والتهديد بِمثل هَذَا الْأَمر الْعَظِيم والخطب الجسيم إِنَّمَا تتَحَقَّق أَن لَو كَانَ الْمُخَالف مَعْصُوما فِيمَا اتاه مصيبا فِيمَا رَآهُ وان تكون مِم وجد دون من لم يُوجد فَوَجَبَ حمل اللَّفْظ عَلَيْهِ وَإِلَّا فالموافقة والمخالفة إِنَّمَا تتَصَوَّر فى يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ محَال
وَأما تَخْصِيص الْخَطَأ والبطلان بالكفران أَو غَيره من أَنْوَاع الْعِصْيَان مَعَ مَا فِيهِ من مُخَالفَة ظَاهر اللَّفْظ فَهُوَ مُخَالف لظَاهِر الْإِطْلَاق بالتهديد لمخالف الْإِجْمَاع من غير تَفْصِيل ومبطل لفائدة التَّخْصِيص بالتنصيص على الْأمة وإيراد ذَلِك فى معرض الإكرم والإنعام والتفضل من جِهَة أَن الْوَاحِد قد يُشَارك الْأمة فى ترك كل مَا تقدم حمل الضلال وَالْخَطَأ عَلَيْهِ من أَنْوَاع الْعِصْيَان وَإِن لم يوافقهم فى أَن كل مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ يكون صَوَابا وحسنا فَلَا سَبِيل إِذا إِلَيْهِ
(1/372)
________________________________________
وَأما منع وُقُوع الْإِجْمَاع فِيمَا نَحن فِيهِ فبعيد لما أسلفناه والنكير وَإِن كَانَ وُقُوعه بِالنّظرِ إِلَى الْعقل جَائِزا لكنه بِالنّظرِ إِلَى الْعَادة مُسْتَحِيل من جِهَة امْتنَاع وُقُوع التواطؤ على ترك نَقله مَعَ توفر الدواعى والصوارف إِلَيْهِ وَلَيْسَ فى قَول عمر مَا يدل على انْتِفَاء وُقُوع الْإِجْمَاع على وجوب الْإِمَامَة كَمَا هُوَ مقصدنا بل وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضا دلَالَة على انْتِفَاء وُقُوع الْإِجْمَاع على تعْيين أَبى بكر أَيْضا فَإِنَّهُ لَا مَانع من وُقُوع الْإِجْمَاع على ذَلِك بِعَيْنِه وَإِن قدر الِاخْتِلَاف فى التَّعْيِين
وَعدم الِاطِّلَاع على مُسْتَند الْإِجْمَاع فَإِنَّمَا يكون قادحا أَن لَو كَانَ ذَلِك مِمَّا تدعوا الْحَاجة إِلَيْهِ وتتوفر الدواعى على نَقله وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِنَّهُ مهما تحقق الِاتِّفَاق وَاسْتقر الْوِفَاق وَظهر دَلِيل وجوب اتِّبَاعه وَقع الِاكْتِفَاء بِهِ عَن مُسْتَنده وَلم يبْق نظر إِلَّا فى مُوَافَقَته ومخالفته وَمَعَ عدم الْحَاجة إِلَى النّظر فى الْمُسْتَند لكَون الْوِفَاق قد صَار وَاجِبا حتما ولازما جزما لم تَنْصَرِف الدواعى إِلَى نَقله وَلم تتوفر البواعث على اتِّبَاعه فَلَا يكون عدم الإطلاع عَلَيْهِ إِذْ ذَاك قادحا كَيفَ وَإنَّهُ لَا يبعد أَن يكون مِمَّا لَا يُمكن نَقله بل يُعلمهُ من كَانَ فى زمن النبى عَلَيْهِ السَّلَام ومشاهدا لَهُ بقرائن أَحْوَال وإشارات ثمَّ أَقْوَال وأفعال إِلَى غير ذَلِك من الْأُمُور الَّتِى لَا يُمكن مَعْرفَتهَا إِلَّا بِالْمُشَاهَدَةِ والعيان
(1/373)
________________________________________
وَأما اتِّفَاق النَّاس على مَا لأَجله نصب الإِمَام وَإِن كَانَ ذَلِك جَائِزا فى الْعقل لكنه بِالنّظرِ لما لَا تقبله الْعَادة الْجَارِيَة وَالسّنة المطردة فممتنع بِدَلِيل مَا ذَكرْنَاهُ من أَوْقَات الفترات وَمَوْت الْمُلُوك والسلاطين وَغير ذَلِك مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَلِهَذَا نرى العربان والخارجين عَن حكم السُّلْطَان كالذئاب الشاردة وَالْأسود الكاسرة لَا يبْقى بَعضهم على بعض وَلَا يُحَافِظُونَ فى الْغَالِب على سنة وَلَا فرض وَلم تَكُ دواعيهم إِلَى صَلَاح أُمُورهم وتشوفهم إِلَى الْعَمَل بِمُوجب دينهم بمغن عَن السُّلْطَان إِذْ السَّيْف والسنان قد يفعل مَا لَا يَفْعَله الْبُرْهَان
وَمن نظر إِلَى مَا قَرَّرْنَاهُ من الْفَائِدَة الْمَطْلُوبَة من نصب الإِمَام والغاية الْمَقْصُودَة من إِقَامَته لِلْإِسْلَامِ علم أَنه لَا أثر لجَوَاز الْمُخَالفَة لَهُ فِيمَا يَقع من مسَائِل الِاجْتِهَاد وَأَن ذَلِك غير مَقْصُود فِيهِ الانقياد
وَإِذا ثَبت وجوب الْإِمَامَة بِالسَّمْعِ فَهَل التَّعْيِين فِيهَا مُسْتَند إِلَى النَّص أَو الِاخْتِيَار فَذَهَبت الإمامية إِلَى أَن مُسْتَند التَّعْيِين إِنَّمَا هُوَ النَّص وَزَعَمُوا أَن خلَافَة على مَنْصُوص علها من قبل النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بقوله أَنْت منى كهارون من مُوسَى وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام بعد مَا وَجَبت طَاعَة الْمُؤمنِينَ لَهُ وَثَبت أَنه أَحَق بهم من أنفسهم
(1/374)
________________________________________
من كنت مَوْلَاهُ فعلى مَوْلَاهُ وَقَوله أَنْت أخى وخليفتى من بعدى على أهلى ومنجز عداتى إِلَى غير ذَلِك من الْآثَار وَالْأَخْبَار
ولربما قرروا ذَلِك بطرِيق معنوى وَهُوَ أَن النبى عَلَيْهِ السَّلَام إِمَّا أَن يكون عَالما باحتياج الْخلق إِلَى من يقوم بمهماتهم ويحفظ بيضتهم ويحمى حوزتهم وَيقبض على أيدى السُّفَهَاء مِنْهُم وَيُقِيم فيهم الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة على وفْق مَا وَردت بِهِ الْأَدِلَّة السمعية على مَا تقرر أَو لم يكن عَالما لَا جَائِز أَن يُقَال بِكَوْنِهِ غير عَالم إِذْ هُوَ إساءة ظن بِالنُّبُوَّةِ وقدح فى سر الرسَالَة وَكَذَلِكَ أَيْضا إِن كَانَ عَالما وَلم ينص لَا سِيمَا والتنصيص هَهُنَا آكِد من التَّنْصِيص وَإِيجَاب التَّعْرِيف لما يتَعَلَّق بِبَاب الِاسْتِنْجَاء وَالتَّيَمُّم على مَالا يخفى وَهَذَا وَإِن لزم مِنْهُ صُدُور الْخَطَأ من الْأمة تبع مَا عينه وسومح من ادِّعَاء انْتِفَاء النكير فَلَا يخفى أَن صِيَانة النبى عَن الْخَطَأ أولى من صِيَانة الْأمة الَّتِى عصمتها لم تثبت إِلَّا بقوله وبعصمته فَإِذا لَا بُد من التَّنْصِيص وَالْإِشَارَة إِلَى التَّخْصِيص
وَلَا جَائِز أَن يُقَال إِنَّه ترك الْأَمر شُورَى فِيمَا بَين الصَّحَابَة وفوض الْأَمر إِلَى اجتهاداتهم وآرائهم ليعلم الْقَاصِر من الْفَاضِل والمجتهد من العيى وَألا لجَاز للصحابة
(1/375)
________________________________________
أَلا ينصبوا إِمَامًا أَيْضا ليعلم الطائع من العاصى والمنقاد للأوامر والنواهى من غَيره بل ولجاز إهمال بعثة الرُّسُل وتفويض الْأَمر إِلَى أَرْبَاب الْعُقُول ليتميز أَيْضا الْمُجْتَهد وَمن لَهُ النّظر فى المدارك واستنباط المسالك مِمَّن لَيْسَ كَذَلِك وَذَلِكَ مِمَّا لَا يخفى فَسَاده كَيفَ وَأَن التَّعْيِين بعد مَا ثَبت القَوْل بِوُجُوب الْإِمَامَة لَازم لَا محَالة فَهُوَ إِمَّا أَن يسْتَند إِلَى النَّص أَو الإختبار والاجماع على التَّعْيِين لَا مُسْتَند لَهُ ثمَّ كَيفَ يجب على النَّاس طَاعَته وَهُوَ إِنَّمَا صَار إِمَامًا باقإمتهم لَهُ فَإِذا لابد وان يكون التَّعْيِين واردا من قبل الشرق وصادرا من جِهَة السّمع وَهُوَ إِنَّمَا يثبت فى حق من يَدعِيهِ دون من يَنْفِيه هَذَا مُعْتَقد الشِّيعَة وَطَوَائِف الإمامية
وَأما مُعْتَقد أهل الْحق من أهل السّنة وَأَصْحَاب الحَدِيث فَهُوَ أَن التَّعْيِين غير ثَابت بِالنَّصِّ بل بِالِاخْتِيَارِ لِأَنَّهُ لَو ورد نصا فَهُوَ إِمَّا أَن يكون نصا قَطْعِيا أَو ظنيا لَا جَائِز أَن يكون قَطْعِيا إِذْ الْعَادة تحيل الِاتِّفَاق من الْأمة على تَركه وإهمال النّظر لموجبه لما سبق وَإِن كَانَ ظنيا بِالنّظرِ إِلَى الْمَتْن والسند أَو بِالنّظرِ إِلَى أَحدهمَا فادعاء الْعلم بالتنصيص إِذْ ذَاك يكون محالا والاكتفاء بمحض الظَّن أَيْضا مِمَّا لَا سَبِيل إِلَيْهِ هَهُنَا لما فِيهِ من مُخَالفَة الْإِجْمَاع الْقَاطِع من جِهَة الْعَادة
كَيفَ وَأَنه لم يرد فى ذَلِك شئ من الْأَخْبَار وَلَا نقل شئ من الْآثَار على لِسَان الثِّقَات
(1/376)
________________________________________
وَالْمُعْتَمد عَلَيْهِم من الروَاة لَا متواترا وَلَا آحادا غير مَا نقل على لِسَان الْخُصُوم وهم فِيهِ مدعون وَفِيمَا نقلوه متهمون لَا سِيمَا مَعَ مَا ظهر من كذبهمْ وفسقهم وبدعتهم وسلوكهم طرق الضلال والبهت بادعاء الْمحَال وَمُخَالفَة الْعُقُول وَسَب أَصْحَاب الرَّسُول وَغير ذَلِك مِمَّا اشتهاره يغنى عَن تعداده وإظهاره
وَمِمَّا يُؤَكد القَوْل بِانْتِفَاء التَّنْصِيص إِنْكَاره من اكثر المعتقدين لتفضيل على عَلَيْهِ السَّلَام على غَيره كالزيدية ومعتزله البغداديين وَغَيرهم مَعَ زَوَال التُّهْمَة عَنْهُم وَالشَّكّ فى قَوْلهم وَقَوله عَلَيْهِ السَّلَام حِين خرج إِلَى غَزْوَة تَبُوك لعلى وَقد اسْتَخْلَفَهُ على قومه أَنْت منى كهارون من مُوسَى مَعْنَاهُ فى الِاسْتِخْلَاف على عشيرتى وقوى كَمَا كَانَ هَارُون مستخلفا على قوم مُوسَى من بعده وَلَيْسَ فى ذَلِك دلَالَة على استخلافه بعد مَوته فَإِن ذَلِك مِمَّا لَا يثبت لهارون الْمُشبه بِهِ بعد مُوسَى لِأَنَّهُ مَاتَ قبله فى التيه وَمَا ورد فى مساق الحَدِيث من قَوْله إِلَّا أَنه لَا نبى بعدى لَيْسَ الْمَعْنى بِهِ بعد موتى حَتَّى يكون مَا ذكرنها مُخَالفا لظَاهِر الحَدِيث بل مَعْنَاهُ بعد نبوتى لَا معى وَلَا بعدى وَذَلِكَ كَمَا يُقَال لَا نَاصِر لَك بعد فلَان أى بعد نصرته لَا مَعَه وَلَا قبله وَهُوَ وَإِن افْتقر إِلَى إِضْمَار النُّبُوَّة فَمَا ذَكرُوهُ أَيْضا لَا بُد فِيهِ من إِضْمَار الْمَوْت وَلَيْسَ إضماره بِأولى من إضماره بل مَا ذَكرْنَاهُ أولى نفيا لإبطال فَائِدَة التَّخْصِيص بِمَا بعد الْمَوْت فَإِنَّهُ كَمَا قد
(1/377)
________________________________________
عرف امْتنَاع وجود نبى آخر بعد وَفَاته عرف امْتنَاع وجوده فى حَيَاته والاستخلاف فى حَالَة الْحَيَاة مِمَّا لَا ينتهض دَلِيلا على الِاسْتِخْلَاف بعد الْمَوْت وَإِلَّا كَانَ ذَلِك دَلِيلا فى حق الْوُلَاة والقضاة وكل من تولى شَيْئا من أَمر الْمُسلمين فى حَالَة حَيَاة النبى عَلَيْهِ السَّلَام وكل عذر ينقدح هَهُنَا فَهُوَ بِعَيْنِه منقدح فى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام ثمَّ الذى يُؤَكد مَا قُلْنَاهُ أَنه لَو صدرت هَذَا الْعبارَة عَن خَليفَة الْوَقْت إِلَى وَاحِد من الْمُسلمين لم يكن ذَلِك عهدا لَهُ بالخلافة بعد الْمَوْت إِجْمَاعًا وَإِن كَانَ ذَلِك مِمَّا يدل على فَضله وعلو رتبته وعَلى هَذَا يخرج قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام أَنْت أخى وخليفتى على أهلى وقاضى دينى ومنجز عداتى وَكَذَا قَوْله من كنت مَوْلَاهُ فعلى مَوْلَاهُ ثمَّ إِن لفظ الْمولى قد يُطلق بِمَعْنى الْمُحب وَقد يُطلق بِمَعْنى الْمُعْتق وَبِمَعْنى الظّهْر وَالْخلف وَبِمَعْنى الْمَكَان وَالْمقر وَبِمَعْنى النَّاصِر وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {فَإِن الله هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيل وَصَالح الْمُؤمنِينَ} أى ناصره وَمِنْه قَول الأخطل ... فَأَصْبَحت مَوْلَاهُ من النَّاس كلهم ... وَأَحْرَى قُرَيْش أَن يهاب ويحمدا ...
أى ناصرها فَيحْتَمل أَن يكون كَلَام النبى عَلَيْهِ السَّلَام منزلا على هَذَا الْمَعْنى وَهُوَ أظهر فى لفط الْمولى
وَلَا يُمكن حمل لفظ الْمولى على الأولى فَإِن ذَلِك مِمَّا لَا يرد فى اللُّغَة أصلا وَقَوله {مأواكم النَّار هِيَ مولاكم} لَيْسَ الْمَعْنى بِهِ أولى بكم بل مستقركم ومكانكم ثمَّ
(1/378)
________________________________________
وَإِن كَانَ ذَلِك مُحْتملا فَهُوَ مِمَّا يمْتَنع حمل كَلَام النبى عَلَيْهِ لما فِيهِ من مراغمة الْإِجْمَاع وَمُخَالفَة اتِّفَاق الْمُسلمين وَهدم قَوَاعِد الدّين
ثمَّ إِنَّه لَو صَحَّ الِاعْتِمَاد على مثل هَذِه الْآثَار فى التَّوْلِيَة لقد كَانَ ذَلِك بطرِيق الأولى فِيمَا تمسك بِهِ الْقَائِلُونَ بالتنصيص على خلَافَة أَبى بكر رضى الله عَنهُ فَإِنَّهَا مَعَ مَا واتاها من إِجْمَاع الْمُسلمين أشهر وَأولى وَذَلِكَ مثل قَوْله يَأْبَى الله إِلَّا أَبَا بكر وَقَوله اقتدوا باللذين من بعدى أَبى بكر وَعمر وَقَوله لَا ينبغى لقوم يكون فيهم أَبُو بكر أَن يقدم عَلَيْهِ غَيره وَقَالَ ايتونى بِدَوَاةٍ وكتف أكتب إِلَى أَبى بكر كتابا وَهُوَ لَا يخْتَلف عَلَيْهِ اثْنَان وَقَوله إِن تولوها أَبَا بكر تَجِدُوهُ ضَعِيفا فى بدنه قَوِيا فى دينه وَذَلِكَ مَعَ مَا قد ورد فى حَقه من الْأَخْبَار الدَّالَّة على فَضله والْآثَار المشعرة بعلو
(1/379)
________________________________________
رتبته مثل قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام خير أمتى أَبُو بكر ثمَّ عمر وَقَوله من أفضل من أَبى بكر زوجنى ابْنَته وجهزنى بِمَالِه وجاهد معى فى سَاعَة الْخَوْف وَمَا روى عَن على كرم الله وَجهه أَنه قَالَ خير النَّاس بعد النبى أَبُو بكر ثمَّ عمر ثمَّ الله اعْلَم وَهَذِه النُّصُوص كلهَا إِن لم يتخيل كَونهَا راجحة فَلَا أقل من أَن تكون مُعَارضَة ومساوية وَمَعَ التَّعَارُض يجب التساقط وَالْعَمَل بِإِجْمَاع الْمُسلمين والاستناد إِلَى اتِّفَاق الْمُجْتَهدين
وَكَون النبى عَلَيْهِ السَّلَام لم ينص على التَّعْيِين مِمَّا لَا يشْعر بِعَدَمِ علمه بحاجة الْمُسلمين إِلَى من يخلفه بعده وَيقوم مقَامه فى إِلْزَام النَّاس بِمَا يسْتَمر بِهِ أَمر دينهم وَأمر دنياهم وَمَعَ علمه فَترك التَّنْصِيص عَلَيْهِ إِنَّمَا يكون محذورا أَن لَو كَانَ بِهِ مُكَلّفا ومأمورا وَإِلَّا فكم من حكم فى وَاقعَة تدعوا حَاجَة النَّاس إِلَى بَيَانه مَاتَ النبى عَلَيْهِ السَّلَام وَلم يُبينهُ من الْفَرَائِض والمعاملات والمناكحات وَغير ذَلِك من أَحْكَام الْعِبَادَات فَإِذا ترك التَّنْصِيص من النبى عَلَيْهِ السَّلَام مِمَّا لَا يَسْتَحِيل شرعا وَلَا عقلا وَلَا عَادَة بِخِلَاف اتِّفَاق الْأمة على الْخَطَأ كَمَا بَيناهُ
وَلَيْسَ التَّنْصِيص على من عقدت لَهُ الْإِمَامَة بِالِاخْتِيَارِ شرطا فى طَاعَته فَإِن طَاعَته بعد ذَلِك إِنَّمَا صَارَت وَاجِبَة بِالْإِجْمَاع الْمُسْتَند إِلَى الْكتاب اَوْ قَول الرَّسُول
(1/380)
________________________________________
لَا إِلَى نفس الِاخْتِيَار لَهُ أَولا فَإِذا اشْتِرَاط استناد الِاخْتِيَار إِلَى التَّنْصِيص إِنَّمَا يلْزم أَن لَو كَانَ وجوب الطَّاعَة مُسْتَند إِلَيْهِ ومعتمدا عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِك وَبِهَذَا ينْدَفع مَا ذَكرُوهُ من الخيال الآخر أَيْضا كَيفَ وَأَنه لَو قدر استناد الطَّاعَة إِلَى الِاخْتِيَار فامتناعه واستبعاده إِنَّمَا يَسْتَقِيم أَن لَو كَانَ مَا يثبت بِالِاخْتِيَارِ لَا يتم الِاخْتِيَار إِلَّا بِهِ وَلَا يجب إِلَّا بِالنّظرِ إِلَيْهِ لما فِيهِ من الدّور الْمُمْتَنع أما إِذا كَانَ مَا يجب طَاعَة الإِمَام فِيهِ هُوَ غير مَا يتَوَقَّف وجوب الطَّاعَة عَلَيْهِ فَلَا امْتنَاع وَلَا استبعاد وَقد تحقق بِمَا قَرَّرْنَاهُ إبِْطَال النَّص وَإِثْبَات الِاخْتِيَار
وَإِذا ثَبت أَن مُسْتَند التَّعْيِين لَيْسَ إِلَّا الاختبار فَذَلِك مِمَّا لَا يفْتَقر إِلَى إجماعه أهل الْحل وَالْعقد فَإِن ذَلِك مَا لم يقم عَلَيْهِ دَلِيل عقلى وَلَا سمعى نقلى بل الْوَاحِد من أهل الْحل وَالْعقد والاثنان كَاف فى الِانْعِقَاد وَوُجُوب الطَّاعَة والانقياد لعلمنا بِأَن السّلف من الصَّحَابَة رضوَان الله عَلَيْهِم مَعَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ من الصلابة فى الدّين والمحافظة على قَوَاعِد الْمُسلمين اكتفوا فى عقد الْإِمَامَة بِالْوَاحِدِ والإثنين من اهل الْحل وَالْعقد كعقد عمر لأبى بكر وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف لعُثْمَان وَلم يشترطوا إِجْمَاع من فى الْمَدِينَة من اهل الْحل وَالْعقد فضلا عَن إِجْمَاع الْأَمْصَار واتفاق من فى سَائِر الأقطار وكانون على ذَلِك من المتفقين وَله من المتبعين من غير مُخَالفَة وَلَا نَكِير وعَلى ذَلِك انطوت الْأَعْصَار فى عقد الْإِمَامَة فى كل حِين وَعَلِيهِ اتِّفَاق كَافَّة الْمُسلمين
(1/381)
________________________________________
قَالَ بعض الْأَصْحَاب وَيجب أَن يكون ذَلِك بِمحضر من الشُّهُود وَبَيِّنَة عادلة كفا للخصام وَوُقُوع الْخلاف بَين الْأَنَام وادعاء مُدع عقد الْإِمَامَة لَهُ سرا مُتَقَدما على عقد من كَانَ لَهُ جَهرا عيَانًا وَهُوَ لَا محَالة وَاقع فى مَحل الِاجْتِهَاد فعلى هَذَا لَو اتّفق عقد الْإِمَامَة لأكْثر من وَاحِد فى بلدان مُتعَدِّدَة أَو فى بلد وَاحِد من غير أَن يشْعر كل فريق من الْعَاقِدين بِعقد الْفَرِيق الآخر فَالْوَاجِب أَن نتصفح الْعُقُود فَمَا كَانَ مِنْهَا مُتَقَدما وَجب إِقْرَاره وامر الْبَاقُونَ بالنزول عَن الامر فَإِن أجابوا وَإِلَّا قوتلوا وَقتلُوا وَكَانُوا خوارج بغاة وَإِن لم يعلم السَّابِق وَجب إبِْطَال الْجَمِيع واستأنف عقد لمن يَقع عَلَيْهِ الِاخْتِيَار كَمَا إِذا زوج أحد الوليين موليته من شخص وَجَهل العقد السَّابِق مِنْهُمَا
وَلَا خلاف فى أَنه لَا يجوز عقد الْإِمَامَة لشخصين فى صقع وَاحِد متضايق الأقطار ومتقارب الْأَمْصَار لما فِيهِ من الضراء وَوُقُوع الْفِتَن والشحناء وَأما إِن تَبَاعَدت الأقطار وتناءت الديار بِحَيْثُ لَا يسْتَقلّ إِمَام وَاحِد بتدبيرها وَالنَّظَر فى أحوالها فقد قَالَ بعض الْأَصْحَاب إِن إِقَامَة إِمَام آخر فى مَحل الِاجْتِهَاد
(1/382)
________________________________________
وَلَيْسَ الِاخْتِيَار لعقد الأمامة جَائِزا على التشهى والإيثار بل لَا بُد وَأَن يكون للمعقود لَهُ صِفَات وخصوصيات وهى أَن يكون من الْعلم بِمَنْزِلَة قَاض من قُضَاة الْمُسلمين وَأَن يكون لَهُ من قُوَّة الْبَأْس وَشدَّة المراس قدر مَا لَا يهوله إِقَامَة الْحُدُود وَضرب الرّقاب وإنصاف الْمَظْلُوم من الظَّالِم وَأَن يكون بَصيرًا بِأُمُور الْحَرْب وترتيب الجيوش وَحفظ الثغور ذكرا حرا مُسلما عدلا ثِقَة فِيمَا يَقُول لِاتِّفَاق الْأمة على ذَلِك ومحافظة على مَا لأَجله نصب الْأَمَام
وَمِمَّا دلّ السّمع على اشْتِرَاطه أَن يكون قرشيا وَذَلِكَ نَحْو قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام الْأَئِمَّة من قُرَيْش وَقَوله قدمُوا قُريْشًا وَلَا تقدمُوا عَلَيْهَا وَقَوله إِنَّمَا النَّاس
(1/383)
________________________________________
تبع لقريش فبر النَّاس تَابع لبرهم وفاجرهم تَابع لفاجرهم وَأَيْضًا فَإِن الْأَئِمَّة من السّلف مطبقون على ان الْإِمَامَة لَا تصلح إِلَّا لقريش وتلقيهم لهَذِهِ الْأَخْبَار بِالْقبُولِ واحتجاج بَعضهم على بعض بهَا وَقَول عمر رضى الله عَنهُ عَن سَالم مولى أَبى حُذَيْفَة لَو كَانَ حَيا لما تخالجنى فِيهِ شكّ فَإِنَّمَا كَانَ لِأَنَّهُ قد قيل إِنَّه كَانَ ينتسب إِلَى قُرَيْش ولعمرى إِن مثل هَذَا الشَّرْط وَاقع فى محَال الِاجْتِهَاد
وَقد زَادَت الشِّيعَة شُرُوطًا أخر وَهُوَ أَن يكون من بنى هَاشم مَعْصُوما عَالما بِالْغَيْبِ لأَنا نَأْمَن بمبايعتهم من النيرَان وَغَضب الرَّحْمَن وَهَذِه الشُّرُوط مِمَّا لم يدل عَلَيْهَا عقل وَلَا نقل ثمَّ إِن اشْتِرَاط الهاشمية مِمَّا يُخَالف ظَاهر النَّص وَإِجْمَاع الْأمة على عقد الامامة لأبى بكر وَعمر وَبِه يبطل اشْتِرَاط الْعِصْمَة وَالْعلم بِالْغَيْبِ أَيْضا ثمَّ وَلَو اشْترطت الْعِصْمَة فى الإِمَام لأمن متبعيه لوَجَبَ اشْتِرَاطهَا فى حق الْقُضَاة والولاة ايضا فَإِنَّهُ لَيْسَ يلى ببيعته أَشْيَاء أَكثر مِمَّا يلى خلفاؤه وأولياؤه
ثمَّ كَيفَ يدعى اشْتِرَاط الْعِصْمَة فى الْإِمَامَة مَعَ الِاتِّفَاق على عقد الْإِمَامَة للخلفاء
(1/384)
________________________________________
الرَّاشِدين واعترافهم بِأَنَّهُم لَيْسُوا بمعصومين حَتَّى إِن كل وَاحِد مِنْهُم قد كَانَ يرى الرأى ثمَّ يرجع فِيهِ وَيطْلب الْآثَار وَالْأَخْبَار كَطَلَب آحَاد النَّاس وَبَعْضهمْ يُخَالِفهُ الْبَعْض وَذَلِكَ كَمَا نقل عَن على عَلَيْهِ السَّلَام أَنه قَالَ فى حق أُمَّهَات الْأَوْلَاد اتّفق رأيى وَرَأى عمر على أَن لَا يبعن والآن فقد رَأَيْت بيعهنَّ وبالضرورة عِنْد اخْتِلَافهمَا لَا بُد من وُقُوع الْخَطَأ فى حق أَحدهمَا وَيخرج عَن أَن يكون مَعْصُوما
بل وفى ذَلِك دلَالَة على انْتِفَاء الْعِصْمَة عَن على أَيْضا فَإِنَّهُ لَا بُد وَأَن يكون مصيبا فى إِحْدَى الْحَالَتَيْنِ مخطئا فى الْأُخْرَى وَمَعَ تطرق الْخَطَأ إِلَيْهِ لَا يكون مَعْصُوما
فَإِذا قد بَان أَن مَا ذَكرُوهُ لَيْسَ بمتعين فى الشَّرْع وَلَا وَارِد فى السّمع بل مهما ظهر بالإشارات والعلامات وَالْبَيَان من الْأَفْعَال والأقوال مَا يدل ظَاهرا على استجماع مَا شرطناه فى شخص مَا جَازَ عقد الْإِمَامَة لَهُ لما أَشَرنَا إِلَيْهِ وَنَبَّهنَا عَلَيْهِ من قبل وَيكون حكمه فى معرفَة ذَلِك مِنْهُ حكم الْقُضَاة والولاة وكل من يتَوَلَّى أمرا من أُمُور الْمُسلمين
وَلَهُم أَن يخلعوه وَإِن شَرط غير ذَلِك إِذا وجد مِنْهُ مَا يُوجب الاختلال فى أُمُور الدّين وأحوال الْمُسلمين وَمَا لأَجله يُقَام الْأَمَام وان لم يقدروا على خلعه وَإِقَامَة غَيره لقُوَّة شوكته وَعظم تأهبه وَكَانَ ذَلِك مِمَّا يفضى إِلَى فَسَاد الْعَالم وهلاك النُّفُوس
(1/385)
________________________________________
وَكَانَت الْمفْسدَة فى مُقَابِله آكِد من الْمفْسدَة اللَّازِمَة من طَاعَته أمكن ارْتِكَاب أدنى المحذورين دفعا لأعلاهما
وَإِن كَانَ مَا طَرَأَ عَلَيْهِ هُوَ الْكفْر بعد الْإِسْلَام وَالرِّدَّة بعد الْإِيمَان فحالهم فى طَاعَته والانقياد إِلَى مُتَابَعَته لَا تتقاصر عَن حَال الْمُكْره على الرِّدَّة أَو الْقَتْل بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُكْره
وعَلى هَذَا إِن لم يُوجد فى الْعَالم مستجمع لجَمِيع شُرُوط الْإِمَامَة بل من فقد فى حَقه شئ كَالْعلمِ أَو الْعَدَالَة وَنَحْوهَا فَالْوَاجِب أَن ينظر إِلَى الْمفْسدَة اللَّازِمَة من إِقَامَته وَعدم إِقَامَته وَيدْفَع أعلاهما بارتكاب أدناهما إِذْ الضرورات تبيح الْمَحْظُورَات وَذَلِكَ كَمَا فى أكل الْميتَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَة الإضطرار وَنَحْوه هَذَا تَمام الطّرف الأول
(1/386)
________________________________________
الطّرف الثانى
فى مُعْتَقد أهل السّنة فى الصَّحَابَة وإمامة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَالْأَئِمَّة المهديين
وَلَا خلاف فِيمَا بَين أهل الْحق أَن أَبَا بكر كَانَ إِمَامًا حَقًا وَذَلِكَ بِاتِّفَاق الْمُسلمين على إِقَامَته واجتماع اهل الْحق وَالْعقد على إِمَامَته وَاتِّبَاع النَّاس لَهُ فى أَيَّام حَيَاته وموافقة الصَّحَابَة لَهُ فى غَزَوَاته ونصبه للولا والحكام وتنفيذ أوامره ونواهيه فى الْبلدَانِ وَذَلِكَ مِمَّا لَا قبل بمدافعته وَلَا سَبِيل إِلَى مجاحدته وَأَن من تخلف عَن بيعَته فى مبدأ الْأَمر مثل على وَغَيره لم يكن عَن شقَاق ونفاق وَإِنَّمَا كَانَ لعذر وطروء أَمر والإ فَلَو كَانَ ذَلِك للشقاق وَالْخُرُوج عَن الْوِفَاق لأمر يكرهونه وَلَا يرتضونه لقد كَانَ ذَلِك مِمَّا يسارعونه إِلَى إِنْكَاره ويبالغون فى إِظْهَاره لَا سِيمَا فى حق الصَّحَابَة الَّذين شاهدوا التَّنْزِيل وَعرفُوا التَّأْوِيل وَكَانُوا مَعَ مَا هم عَلَيْهِ من قُوَّة الْيَقِين والصلابة فى الدّين لَا يراقبون فى الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهى عَن الْمُنكر لومة اللائمين وَلَا خوف المخوفين وَلَو كَانَ ذَلِك مِمَّا
(1/387)
________________________________________
ظهر لقد كَانَت الْعَادة مِمَّا تحيل تطابق الْأمة على ترك نَقله مَعَ توفر الدواعى عَلَيْهِ وَصرف الهمم إِلَيْهِ واتفاق الْأمة على ذَلِك مِمَّا يدل ضَرُورَة على كَونه أَهلا للْإِمَامَة ومستجمعا لشرائطها أَيْضا
ثمَّ كَيفَ يُنكر ذَلِك مَعَ مَا عرف من نسبه وعدالته وَعَمله وشجاعته وتصرفه فى الْبِلَاد وَإِصْلَاح نظام الْعباد بالآثار الدَّالَّة عَلَيْهَا والعلامات الْوَاضِحَة المشيرة اليها على مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَخْبَار وتتالت بِهِ الْآثَار على أَلْسِنَة الثِّقَات الأخيار وَغير ذَلِك مِمَّا يكل عَنهُ اللِّسَان ويتقاصر عَن تسطيره الْبَيَان فَوَجَبَ الِاكْتِفَاء بشهرتها عَن ذكرهَا
وَلَكِن قد يشكك بعض أهل الضلال وَمن لم يثبت لَهُ قدم راسخ فى الاستنباط وَالِاسْتِدْلَال باستقالة أَبى بكر من الامامة وَبِقَوْلِهِ وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ وَقَول عمر إِن بيعَة أَبى بمكر كَانَت فلتة وقى الله شَرها فَمن عَاد إِلَى مثلهَا فَاقْتُلُوهُ هَذَا وَأَمْثَاله مِمَّا يتَمَسَّك بِهِ من لَا خلاق لَهُ من الروافض والإمامية الخارجين عَن ربقة الدّين
وَلَيْسَ ذَلِك عِنْد من لَهُ أدنى حَظّ من التفطن مِمَّا يُؤثر خيالا وَلَا إشْكَالًا فَإِن الاستقالة لَا تدل على عدم الِاسْتِحْقَاق لَا سِيمَا مَعَ اتِّفَاق الْأمة على كَونه مُسْتَحقّا بل لَعَلَّ ذَلِك لم يكن
(1/388)
________________________________________
إِلَّا للفرار من حمل أعباء أُمُور الْمُسلمين وَالْخَوْف من شدَّة التَّكْلِيف والتقليد لتدبير أُمُور الدّين أَو الامتحان لتعرف الْمُوَافق من الْمُخَالف أَو غير ذَلِك من الِاحْتِمَالَات وَمَعَ ذَلِك فَلَا ينْهض الاقتيال شُبْهَة فى دَرْء الِاسْتِحْقَاق وَكَذَلِكَ قَوْله وليتكُمْ وَلست بِخَيْرِكُمْ فَإِنَّهُ يحْتَمل أَنه أَرَادَ التَّوْلِيَة فى الصَّلَاة على عهد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمن الْمَعْلُوم أَنه لم يكن إِذْ ذَاك أخير من قوم فيهم الرَّسُول وَيكون فَائِدَة ذكر ذَلِك الِاحْتِجَاج على جَوَاز تَوليته بعد الرَّسُول بطرِيق التَّنْبِيه بالأدنى على الْأَعْلَى وَيحْتَمل أَنه أرد بقوله وَلست بِخَيْرِكُمْ أى فى الْعَشِيرَة والقبيلة إِذْ الهاشمى أفضل من القرشى وَإِن لم يكن شرطا فى الْإِمَامَة وَيحْتَمل انه أَرَادَ ذَلِك قبل التَّوْلِيَة وفى الْجُمْلَة لَيْسَ يلْزم من نفى الْأَفْضَلِيَّة أَن يكون مفضولا بل من الْجَائِز أَن يكون مُسَاوِيا وَمَعَ ذَلِك فعقد الْإِمَامَة لَهُ يكون جَائِزا بالِاتِّفَاقِ
وَقَول عمر رضى الله عَنهُ مَعَ مَا كَانَ يحْتَج على النَّاس بإمامته ويدعوهم إِلَى طَاعَته وتمسكه فى ذَلِك بِعَهْد أَبى بكر وولايته لَا يجوز أَن يحمل على أَن خِلَافَته كَانَت بَاطِلَة وَإِلَّا فان ذَلِك مِمَّا يُوجب الْخبط فى قَوْله والهجر فِيهِ وَلَا يخفى على أحد مَا كَانَ عمر عَلَيْهِ من الْأَمَانَة والديانة وَالْعقل الْكَامِل والرزانة فَمَعْنَى قَوْله كَانَت فلتة أى عَن غير مشورة وَقَوله وقى الله شَرها أى شَرّ الْخلاف فِيهَا وَقَوله فَمن عَاد إِلَى مثلهَا فَاقْتُلُوهُ أى إِلَى مثل مُخَالفَة الْأَنْصَار فى نصبهم إمامين وَقَوْلهمْ منا أَمِير ومنكم امير وَمَعَ هَذِه الِاحْتِمَالَات وانقداح هَذِه الخيالات يخرج مَا ذَكرُوهُ
(1/389)
________________________________________
عَن أَن يكون قادحا وَيلْزم القَوْل بإمامته وَالِاعْتِرَاف بِصِحَّتِهِ تَوليته على مَا وَقع عَلَيْهِ اتِّفَاق الْأمة ومعتقد أهل السّنة
وَأما باقى الْخُلَفَاء الرَّاشِدين كعمر وَعُثْمَان وعَلى رضى الله عَنْهُم أَجْمَعِينَ فالسبيل إِلَى إِثْبَات إمامتهم وَصِحَّة توليتهم واستجماعهم لشرائط الْإِمَامَة كإثبات ذَلِك فى حق أَبى بكر رضى الله عَنهُ وَصِحَّة عهد أَبى بكر إِلَى عمر والشورى وَعقد عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف لعُثْمَان فَإِنَّهَا تستند إِلَى الْإِجْمَاع أَيْضا وَكَذَا الحكم على قتلة عُثْمَان ومقاتلى على بكونهم بغاة فَإِن أَسبَاب حل الْقَتْل وَجَوَاز قتال الإِمَام محصورة وَلم يُوجد شئ مِنْهَا قى حق عُثْمَان وَلَا على عَلَيْهِ السَّلَام
وَمَعَ هَذَا كُله فَالْوَاجِب أَن يحسن الظَّن بأصحاب الرَّسُول وَأَن يكف عَمَّا جرا بَينهم وَألا يحمل شئ مِمَّا فَعَلُوهُ أَو قَالُوهُ إِلَّا على وجهة الْخَيْر وَحسن الْقَصْد وسلامة الِاعْتِقَاد وانه مُسْتَند إِلَى الِاجْتِهَاد لما اسْتَقر فى الأسماع وتمهد فى الطباع ووردت بِهِ الْأَخْبَار والْآثَار متواترة وآحاد من غرر الْكتاب وَالسّنة واتفاق الْأمة على مدحهم وَالثنَاء عَلَيْهِم بفضلهم مِمَّا هُوَ فى اشتهاره يغنى عَن إِظْهَاره وَأَن أَكثر مَا ورد فى حَقهم من الْأَفْعَال الشنيعة والأمور الْخَارِجَة عَن حكم الشَّرِيعَة فَلَا أصل لَهَا إِلَّا تخرصات أهل الْأَهْوَاء وتصنعات الْأَعْدَاء كالروافض والخوارج وَغَيرهم من السفساف وَمن لَا خلاق لَهُ من الْأَطْرَاف وَمَا ثَبت نَقله وَلَا سَبِيل إِلَى الطعْن فِيهِ فَمَا كَانَ يسوغ فِيهِ الِاحْتِمَال والتأويل فِيهِ بِحَال فَالْوَاجِب أَن يحمل على أحسن الِاحْتِمَالَات وَأَن ينزل على أشرف التنزيلات وَإِلَّا فَالْوَاجِب
(1/390)
________________________________________
الْكَفّ عَنهُ والانقباض مِنْهُ وان يعْتَقد أَن لَهُ تَأْوِيلا لم يُوصل إِلَيْهِ وَلم يُوقف عَلَيْهِ إِذْ هُوَ الْأَلْيَق بأرباب الديانَات وَأَصْحَاب المروءات وَأسلم من الْوُقُوع فى الزلات وَلكَون سكُوت الْإِنْسَان عَمَّا لَا يلْزمه الْكَلَام فِيهِ أَرْجَى لَهُ من أَن يَخُوض فِيمَا لَا يعنيه لَا سِيمَا إِذا احْتمل ذَلِك الزلل والوقوع بِالظَّنِّ وَالرَّجم بِالْغَيْبِ فى الخطل
وَيجب مَعَ ذَلِك أَن يعْتَقد أَن أَبَا بكر أفضل من عمر وَأَن عمر أفضل من عُثْمَان وان عُثْمَان أفضل من على وَأَن الْأَرْبَعَة أفضل من باقى الْعشْرَة وَالْعشرَة أفضل مِمَّن عداهم من أهل عصرهم وَأَن اهل ذَلِك الْعَصْر أفضل مِمَّن بعدهمْ وَكَذَلِكَ من بعدهمْ أفضل من يليهم وَأَن مُسْتَند ذَلِك لَيْسَ إِلَّا الظَّن وَمَا ورد فى ذَلِك من الْآثَار وأخبار الْآحَاد والميل من الْأمة إِلَى ذَلِك بطرِيق الِاجْتِهَاد
وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ غنية للمبتدئين وشفاء للمنتهين عِنْد من نظر بِعَين الِاعْتِبَار وَله قدم راسخ فى الاختبار
والمسئول من بارئ النسم ومعيد الرمم أَن ينيلنا فَائِدَته ويعقبنا عائدته حِين الْفقر والفاقة وَضعف الطَّاقَة فى يَوْم الْقصاص حَيْثُ لات حِين مناص وَأَن يصلى على صفوته من الرُّسُل مُحَمَّد وَآله وَأَصْحَابه إِنَّه أَرْجَى مسئول وأعطف مأمول
(1/391)
________________________________________
وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَبِه نستعين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيد الْأَوَّلين والآخرين مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعَلى آله وَصَحبه أَجْمَعِينَ وَكَانَ الْفَرَاغ من نسخه الْخَامِس عشر من شهر رَجَب سنة ثَلَاث وسِتمِائَة وَذَلِكَ بثغر الْإسْكَنْدَريَّة بِالْمَدْرَسَةِ العادلية وَالسَّلَام وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل
(1/392)

    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد مارس 26, 2017 9:10 am