مـــــــــــنــــــــــــــــتـــــــــــــــدى حـــــــــــــبـــــــــــــــــيـــــــبـــــة

تعليمي ثقافي شامل


هجم التتار لصلاح عبد الصبور:

شاطر
avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 531
نقاط : 1212
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 42

هجم التتار لصلاح عبد الصبور:

مُساهمة من طرف أ-رمضان في الخميس مايو 26, 2016 11:40 pm

هجم التتار لصلاح عبد الصبور:
*هجم التتار قصيدة لصلاح عبد الصبور يصور فيها الواقع العربي المرير ما بين الهزيمة والانكسار، ويرمز للعدو فيها بالتتار الذين دخلوا بغداد وأباحوها للنهب والخراب والتدمير حين كانت حاضرة الخلافة العباسية في فترة من أقسى فترات الضعف العربي لينهزم العرب والمسلمون تاركين مدينتهم العريقة مجالاً مباحًا لتخريب التتار يسعون فيها فسادًا ويسيحون نهبًا وخرابًا.
فتلك الفترة ملأها الضعف والهوان العربي والتشرذم وعدم الاتحاد، إنها تشبه الوقت العربي الراهن بكل تشرذماته وانكساراته وضعفه وتشتته لذلك فقد اخترت هذه القصيدة لعلها تكون صرخة تدعو من يسمعها إلى المقارنة بين ما نحن عليه وبين حالات ضعفنا السابقة فتكون دعوة للاتحاد والقوة.
*تدور الفكرة الرئيسة في القصيدة حول الهزيمة التي يتلقاها العرب والمسلمون على يد التتار وهي فكرة رمزية تؤطر للانكسار العربي وللانهزام في مرحلة الضعف والهوان ويمثل ذلك قوله في القصيدة:

هجم التتار

ورموا مدينتنا العريقة بالدمار

رجعت كتائبنا ممزقة وقد حمي النهار

الراية السوداء والجرحى وقافلة موات

هذه هي الفكرة الرئيسة الهزيمة المادية والمعنوية الانكسار بين الخاص والعام هزيمة وطن وهزيمة جندي، وبينهما يولد الضعف والانكسار، وينمو اليأس وتظلم الدنيا حين ينكسر السيف العربي ويضويه التلف وحين نستبدل عز المقاتل المنكسر بذل الهارب المهزوم.
وهناك العديد من المظاهر المختلفة والمتنوعة في القصيدة، فمظاهر الانكسار في العيون هي أول ما يجده المنهزمون وأول ما تشاهده في وطن مكسور تكسو عيون المقاتلين وتكسو عيون خيولهم، وتغطي نظرة الآباء والأبناء الرجال والنساء الأطفال والشيوخ وحتى الجدران.

والخيل تنظر في انكسار

الأفق يهمل في انكسار

العين تدمع في انكسار

الأذن يلسعها الغبار

والجندأيديهم مدلاة إلى قرب القدم

قمصانهم محنية مصبوغة بنثار دم

يرجع الجنود من ميدان القتال وقد خضبت قمصانهم بالدم رؤوسهم محنية أيديهم موهنة ضعيفة عيونهم دامعة أما النساء في البلدة فقد هربن واعتراهن الخوف والرعب من هول ما يشاهدون من الحرائق في كل مكان، فإذا لجئن إلى الجنود الذين كانوا يحمونهن بالأمس القريب لم يجدن عندهم إلا الضعف والهوان والانكسار فيعودون عندئذ خائبات يحتمين بالأماكن المرتفعة والجبال خوف الموت المحقق وهذا نجده في قول الشاعر:

والأمهات هربن خلف الربوة الدكناء من هول الحريق

أوهول أنقاض الشقوق

أو نظرة التتر المحملقة الكريهة في الوجوه

أو كفهم تمتد نحو اللحم في نهم كريه

زحف الدمار والانكسار

وبلدتي هجم التتار

أما مظاهر الاحتلال؛ فالآن سقطت المدينة في قبضة الأعداء وتغيرت مظاهر الحياة فيها وأصبح أصحاب الوطن الحقيقي أسرى في يد المغتصبين يذيقونهم ويلات الأسر وعذابات الهوان ويتمثل ذلك في قوله:

في معزل الأسرى

الليل والأسلاك والحرس المدجج بالحديد

والظلمة البلهاء والجرحى ورائحة الصديد

ومزاج مخمورين من جند التتار

يتلمظون الانتصار

ونهاية السفر السعيد

أصبحت مدينة الشاعر سجنًا كبيرًا لأهلها وقبورَا لقتلاهم تفوح منها رائحة اللحم المشوي وصديد الجرحى كما تفوح منها رائحة الخمر الكريهة التي يتجرعها جنود التتار، أما الأخطر في الأمر فهو اعتراف الجندي بهزيمته وبكائه مدينته كما تبكي النساء.

وأنا اعتنقت هزيمتي ورميت رجلي في الرمال

وبكيت ملء العين يا أمي أماسينا لذكرى كالنسيم

وغمائم الكلم القديم

ولأن أياما أثيرات تولت لن تعود

وعلى الرغم مما خلفته الهزيمة من أوجاع ودمار وعلى الرغم مما أوجدته من انكسار ودمار يعلن الشاعر أنه لن يستسلم لها ولن تنتهي مدينته ولن يبيد قومه. ومن رحم الهزيمة يبحث ورفاقه عن الانتصار ويتمسك بالأمل في الحياة من جديد ويرنو للانتصار.

أماه إنا لن نبيد

هذا بسمعي صاحب من أهل شارعنا العتيد

وسعال مهزوم قعيد وأنا وكل رفاقنا ياأم حين ذوى النهار

بالحقد أقسمنا سنهتف في الضحى بدم التتار

إن الجميع هنا يتفقون على وجوب الأخذ بالثار والانتقام من الأعداء واستعادة الوطن يأخذون بذلك عهدًا على أنفسهم يدفعهم للوفاء به تلك النظرة الحزينة في عيون أطفالهم ويتمثل ذلك في قوله:

أماه قولي للصغار

أيا صغار

سنجوس بين بيوتنا الدكناء إن طلع النهار

ونشيد ما هدم التتار

* أما اللغة في القصيدة فتتميز لغة صلاح عبد الصبور بوصفه أحد رواد الحداثة في الشعر العربي بأنها لغة شعرية بسيطة أو ما يمكن أن نطلق عليه لغة الشعر اليومية التي تقترب بالشعر من لغة النثر التي يستخدمها الجميع في معاملاته اليومية، فهي ليست لغة شعرية خالصة بقدر ما هي لغة يومية مستخدمة من الجميع. وإذا كان الشعر يرفض اللغة المستهلكة والألفاظ المستهجنة فهو لا يرفض بساطة اللغة ووضوحها طالما هي قادرة على حمل مشاعر الشاعر، وطالما هي قادرة على غزو الفكرة التي يريدها وإيصالها للمتلقي وهو ما نجده واضحًا عند عبد الصبور.

يبدأ الشاعر قصيدته بلغة بسيطة وبكلمات نستخدمها في لغتنا اليومية يقول: "هجم التتار" الجملة هنا واضحة لا تحتاج إلى شرح إنه هجوم الأعداء الذي يؤذون بالخراب والدمار. ويمكن لنا أن نجمل أهم ما يميز لغة عبد الصبور الشعرية في هذه القصيدة بما يلي:
التكرار: يلجأ الشاعر كثيرًا إلى التكرار ليحمل لغته ما تحتاج إليه من شحنات عاطفية. ومن الأمثلة على هذا النمط كلمة (انكسار) في قوله:

هجم التتار

ورموا مدينتنا العريقة بالدمار

والأفق مختنق الغبار

والخيل تنظر في انكسار

الأنف يهمل في انكسار

العين تدمع في انكسار

والأذن يلسعها الغبار.

هنا يسيطر مشهد الدمار الذي ألحقه التتار بتلك المدينة العريقة، وتسهم كلمة (انكسار) هنا في تعميق الحالة الشعورية المسيطرة وهى الحقد والثورة والغضب لهذا الدمار، لا بدلالتها فحسب، بل بتكرارها كذلك في جمل قصيرة متوالية، لتصوير الانفعال الحاد بهذا المشهد. ويلعب التكرار هنا دورًا هامًا في تصوير حالة الخوف والهزيمة والحزن.
والعطف بين الجمل هنا ليس مرادًا به مجرد ترصيص للجمل وإنما يقصد به الشاعر المزاوجة بين هذه الجمل حيث نلاحظ في القصيدة إلحاحه الشديد على خلق المزاوجات اللفظية المبتكرة بين الاسم والصفة، سواء كان ذلك باستغلال الكلمة نفسها أو باستخدام كلمات أخرى كثيرة استخدامًا مجازيًا.
وأغلب الظن أن تردد هذه الصيغة واستخدامها على هذا النحو إنما هو انعكاس لكثرتها وتغليبها على صفات أخرى في لغة الحديث اليومية. وتتجلى القيمة الأسلوبية للصفة هنا لا في قدرتها على الجمع بين المجرد والمحسوس تارة، أو بين المحسوسين تارة أخرى فحسب، وإنما تتجلى كذلك في استغلال الشاعر قدراته الإيحائية، وإطلاق هذه القدرات دون التوقف حيث تتوارد في القصيدة الكثير من المزاوجات اللفظية الوصفية المجازية، حيث تتمتع الصفة فيها بقدرات إيحائية عالية متعددة. ومن ذلك (الظلمة البلهاء)، التي توحي بطغيانها وامتدادها وتحديها دون وعي أو ترفق أو رحمة وذلك في قوله:

في معزل الأسرى البعيد

الليل، والأسلاك، والحرس المدجج بالحديد

والظلمة البلهاء، والجرحى، ورائحة الصديد

وقد استخدم الشاعر الألفاظ التي تدل على الألوان والتي لها دلالتها التعبيرية الواضحة وهي تستمدها أيضًا من استخدام اللغة اليومية؛ فمن المعروف مثلاً أننا نستخدم اللون الأبيض وغيره من الألوان المبهجة للدلالة على الفرحة والصفاء والبهجة، كما نستخدم اللون الأسود وغيره من الألوان الداكنة للدلالة على الحزن والكآبة وهو ما فعله عبد الصبور. ولننظر إلى استخدام عبد الصبور للألوان والألفاظ الدالة عليها في تصويره لحالة الحزن والهزيمة والانكسارفالراية التي يحملها الجند أسود لونها من أثر الهزيمة.
الراية السوداء والجرحى وقافلة الموت والكون يملؤه الغبار بلونه الداكن
والأفق مختنق بالغبار والربوة دكناء اللون والظلمة تزداد في ليل المدينة وقمصان الجند يخضبها الدم بلونه القاني الكريه.
وتسيطر على القصيدة عاطفة الحزن والانكسار؛ وهي تحمل في طياتها معاناة الشاعر مع هذه العاطفة التي تولدت عنده مع هزيمة بلده في المعركة واحتلالها بعد الهزيمة فكل ما في القصيدة يوحي بالحزن والانكسار. إن عاطفة الحزن هنا تسيطر على القصيدة منذ بدايتها حتى النهاية تتماوج داخلها خالقة جوًا من الكآبة التي تبدو صادمة في أحيان كثيرة إلى درجة البكاء حين يتذكر الشاعر الأيام الجميلة في مدينته فيبكيها حزنًا عميقًاعلى هذه الأيام ونرى ذلك في قوله:

وبكيت ملء العين يا أمي لذكرى ك

وذكرت يا أمي أماسينا المنعمة الطوال

النسيم

وغمائم الكلم القديم

بل يتخيل الشاعر أن أمه يغلبها البكاء وهي هناك في التل بين الهاربين في ظلمات الليل وهي تحتضن الأطفال الصغار.

أترى بكيت لأن قريتنا حطام

ولأن أيامًا أثيرات تولت لن تعود

إن عبد الصبور هو شاعر الحزن والألم لا يفارقه الحزن ولا ينفصل عنه فيعبر عن الحزن دون تكلف ويعبر الحزن عنه لأنه شاعره.
والتصوير عند عبد الصبور لا يقتصر فقط على استخدام البيان من استعارة وتشبيه وكناية وغيرها بل هو يتوجه إلى الصورة الكلية التي تعبر عن مضمون فكرته وما يريد التعبير عنه؛ فهو يعبر بالصورة الشكلية والصورة الذهنية فالمدينة الغارقة في الظلام والأسر والجوع والمركبات التي تعود محترقة من الميدان تصور الهزيمة ووجعها.

والأرض حارقة كأن النار في قرص تدار

و الأرض حارقة كأن النار في قرص تدار

والخيل تنظر في انكسار

فالتصوير هنا يعتمد على الصورة الكلية التي تتجمع أجزاؤها من صور جزيئة تنضم إلى بعضها البعض لتكتمل تلك الصورة ويأخذ كل جزء منها موقفه المعبر عن الصورة الكلية لموقف: الهزيمة الأرض حارقة الخيل منكسرة العيون دامعة الراية سوداء.
وتنضم صورة أخرى للأسر (الليل ــ الأسلاك ــ الحرس ــ رائحة الجرح ــ الخمر) والصورة البديعة للجندي الذي رضي بالهزيمة واعتنقها محتضنًا بينما تغوص رجله في الرمال ويمثل ذلك قوله:

وأنا اعتنقت هزيمتي ورميت رجلي في الرمال

وأتمنى أن أكون قد وفقت لتقديم هذه القصيدة التي تعبر عن ألم الشاعر بشكل جيد ومفيد..

    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 13, 2017 2:59 pm