مـــــــــــنــــــــــــــــتـــــــــــــــدى حـــــــــــــبـــــــــــــــــيـــــــبـــــة

تعليمي ثقافي شامل


سورة الرحمن سورة أشغلت وملأت فكري وقلبي

شاطر
avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 529
نقاط : 1206
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 42

سورة الرحمن سورة أشغلت وملأت فكري وقلبي

مُساهمة من طرف أ-رمضان في السبت مارس 26, 2016 5:54 pm

أبو مسلم العرابلي أبو مسلم العرابلي
باحث إسلامي في علوم القرآن واللغة

سورة الرحمن سورة أشغلت وملأت فكري وقلبي

سورة الرحمن سورة أشغلت فكري وملأت قلبي
بسم الله الرحمن الرحيم
تتميز سورة الرحمن بأنها السورة الوحيدة التي بدأت باسم من أسماء الله وشغل آية لوحده
وفيها أكثر الآيات تكرارًا: {فبأي آلاء ربكما تكذبان}؛ 31 مرة.
سأقف إن شاء الله تعالى على كل آية من آيات السورة وربطها بما قبلها وما بعدها، وبمجموعة الآيات التي في موضوعها ما استطعت.
: {الرحمن {1} الرحمن
الرحمن اسم من مادة "رحم" وهي مستعملة في العطاء المسبب للامتداد
ورحمة الله تعالى هي العطاء المسبب للامتداد؛ ومنه المطر المسبب لامتداد الحياة للنبات والحيوان والإنسان، والرحمة: الجنة لعطائها الممتد بلا توقف ولا انتهاء، والرحم: عضو الإنجاب في الأنثى؛ لأنه يمد الجنين بما يحتاجه وينميه حتى يصل إلى حد يستطيع أن يعيش خارجه. والرحم: الإنثى القريبة من أم، وأخت، وبنت، وعمة، وخالة، وبنات الإخوة والأخوات، وغيرهن من بنات الأقارب؛ لأنه يحصل بهن امتداد وقوة ارتباط بالعائلات والأسر الأخرى، وامتداد للطرفين بالصفات والجينات الوراثية.
والله عز وجل هو الرحمن ذو الرحمة التي تشمل المؤمن والكافر بعطائه المسبب لامتداد حياتهم في الحياة الدنيا.
و"رحمن" اسم على وزن "فعلان" وفي مستعمل فيمن يدخل في حالة مؤقتة ثم يعود على الأصل؛ ومن هذا الباب على الوزن نفسه: غضبان، جوعان، عطشان، .... ، فالغضب حال مؤقت ينتهي بزوال الغضب وأسبابه، والجوع حال مؤقت، ينتهي ويزول بالأكل والشبع، والعطش مثل الجوع، وكذلك كل ما جاء على هذا الوزن.
ورحمة الرحمن رحمة لفئتين، رحمة دائمة للمؤمنين ورحمة مؤقتة محدودة للكافرين تنتهي بزوال الدنيا، وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.
أما اسم "الرحيم" على وزن "فعيل" وهو وزن للصفات الدائمة، ورحمة الله تعالى بالمؤمنين دائمة في الدنيا والآخرة، ورحمته هذه خاصة بهم في الآخرهم، ولا يدخل معهم فيها أحد من الكفار.
وقد سقطت ألف التفصيل من اسم "الرحمن" رسمًا كما سقطت رسمًا من اسم الجلالة "الله"؛ لأن هذا الاسم الدال على صفة الرحمة لا يشارك الله تعالى فيه أحد، ولا يقدر أحد عليها غير الله تعالى، فلما انتفى الند والمثيل له في فعله سقط التفصيل، لأن التفصيل يكون في المتعدد لبيان درجاتهم فيه، وليس في الواحد الذي لا ثاني له.
ولأن اسم الرحمن افتتحت به السورة، ورحمته شملت المؤمن والكافر، فقد اتصفت السورة بكثرة الثنائيات فيها.
ولأن الرحمة محيطة وحافظة وسبب في الاستمرار والتمتع وحفظ كذلك من المخاطر والأهواء فقد كثر التذكير بآلاء الله وما نشأ في حضن الذي حماه وأمده كان سببًا في نموه كالحب مع العصف، واللؤلؤ والمرجان، وغير ذلك ...
وكانت أعظم نعمة ورحمة من الله تعالى؛ أنه علم القرآن .
: {علم القرآن{2} الرحمن
مادة "علم" تستعمل فيما يعطى ليكون أساسًا لتبنى عليه معرفة أو علمًا ومعرفة أخرى، وأعطاه القدرة على البناء عليها، أو ما يبنى على الفعل من جزاء أو عقاب ولا يكون ذلك إلا عن قدرة كذلك.
فإذا أردت تعليم أحدًا القراءة والكتابة؛ تعرفه بالحروف نطقًا ورسمًا، وكلمات وجملا محددة، فمتى أتقنها؛ استطاع أن يقرأ من نفسه أية كلمة أخرى ويكتبها بناء على ما تعلمه.
وإذا أردت تعليم أحد مهنة النجارة مثلاً؛ تعرفه كيف يقيس وينشر ويجمع ويغري القطع ليعمل منها مقاعد أو طاولات أو خزائن محددة؛ فمتى أتقن هذه صناعة هذه الأدوات؛ يكون قد ملك القدرة على الانطلاق لصناعة غيرها، وابتداع أشياء جديدة فيها، لم تكن من قبل بما تعلمه في مهنته. وهكذا يفعل أصحاب المهن الأخرى.
وإذا اشتريت أرضًا تعلم حدودها لتبدأ بالانتفاع بها، وتعلم قواعد وأساس المبنى لتبدأ البناء عليه، فالعلم والتعليم يعطي القدرة البناء على الأساس الذي أُعطى ليبنى عليه.
والله تعالى يعلم؛ أي يبنى على علمه بأفعال الناس حسابهم على أفعالهم من خير أو شر، ويعلم من الغيب ما يكون، فيجعل الله تعالى عليه ما يريد منه أن يكون.
والله تعالى علم القرآن أي علم آياته وكلماته وحروفه، ليبنى عليها عبادته من تلاوة لها، وعملا بالأحكام بما فيها من أوامر ونواهي. وأساسًا ومصدرًا لكثير من العلوم التي بنيت على القرآن وكانت بسببه كعلوم اللغة والتفسير لضبط أمور المسلمين عليه يحفظ لهم قوتهم وإيمانهم أمام الشدائد والمصاعب التي تستهدفهم وتواجههم باستمرار.
فمن الذي سيبني عمله وعلمه على القرآن ؟!
فخلق لذلك الإنسان ...
avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 529
نقاط : 1206
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 42

رد: سورة الرحمن سورة أشغلت وملأت فكري وقلبي

مُساهمة من طرف أ-رمضان في السبت مارس 26, 2016 5:55 pm

: {علم القرآن{2} الرحمن
مادة "علم" تستعمل فيما يعطى ليكون أساسًا لتبنى عليه معرفة أو علمًا ومعرفة أخرى، وأعطاه القدرة على البناء عليها، أو ما يبنى على الفعل من جزاء أو عقاب ولا يكون ذلك إلا عن قدرة كذلك.
فإذا أردت تعليم أحدًا القراءة والكتابة؛ تعرفه بالحروف نطقًا ورسمًا، وكلمات وجملا محددة، فمتى أتقنها؛ استطاع أن يقرأ من نفسه أية كلمة أخرى ويكتبها بناء على ما تعلمه.
وإذا أردت تعليم أحد مهنة النجارة مثلاً؛ تعرفه كيف يقيس وينشر ويجمع ويغري القطع ليعمل منها مقاعد أو طاولات أو خزائن محددة؛ فمتى أتقن هذه صناعة هذه الأدوات؛ يكون قد ملك القدرة على الانطلاق لصناعة غيرها، وابتداع أشياء جديدة فيها، لم تكن من قبل بما تعلمه في مهنته. وهكذا يفعل أصحاب المهن الأخرى.
وإذا اشتريت أرضًا تعلم حدودها لتبدأ بالانتفاع بها، وتعلم قواعد وأساس المبنى لتبدأ البناء عليه، فالعلم والتعليم يعطي القدرة البناء على الأساس الذي أُعطى ليبنى عليه.
والله تعالى يعلم؛ أي يبنى على علمه بأفعال الناس حسابهم على أفعالهم من خير أو شر، ويعلم من الغيب ما يكون، فيجعل الله تعالى عليه ما يريد منه أن يكون.
والله تعالى علم القرآن أي علم آياته وكلماته وحروفه، ليبنى عليها عبادته من تلاوة لها، وعملا بالأحكام بما فيها من أوامر ونواهي. وأساسًا ومصدرًا لكثير من العلوم التي بنيت على القرآن وكانت بسببه كعلوم اللغة والتفسير لضبط أمور المسلمين عليه يحفظ لهم قوتهم وإيمانهم أمام الشدائد والمصاعب التي تستهدفهم وتواجههم باستمرار.
فمن الذي سيبني عمله وعلمه على القرآن ؟!
فخلق لذلك الإنسان ...
avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 529
نقاط : 1206
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 42

رد: سورة الرحمن سورة أشغلت وملأت فكري وقلبي

مُساهمة من طرف أ-رمضان في السبت مارس 26, 2016 5:56 pm

: {خلق الإنسان {3} الرحمن
قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون {56} الذاريات.
وأعظم عبادة لله تعالى أن يُتعبد بكلماته،
ولم يعرف الإنسان من كلمات الله تعالى إلا ما ورد في القرآن.
ومن أراد أن يكلم الله تعالى فليقرأ القرآن.
فخلق الإنسان هو لأجل تعبد الله تعالى بالقرآن
ولما كان الإنسان بحاجة لبيئة يستطيع أن يعيش فيها؛ فقد خلق له السماوات والأرض؛
قال تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات {29} البقرة .... وكل ذلك الخلق لأجل الإنسان .
أما الجن فهم تبعًا لما ينزل على الناس من الله تعالى ليتعبدوا الله به.
"الإنسان" اسم جنس شامل لكل أفراده، ولذلك سقطت في الرسم القرآني ألف التفصيل منه لأجل الشمولية.
وكل مادة لغوية فيها النون والسين والنون متقدمة على السين مع أحد حروف العلة أو كان في المادة تكرار لأحدهما أو كليها فإنا مستعملة في التأخير؛
فالنسيئة من نسأ : تأخير شهر "محرم" عن وقته حتى يحل استباحة الغزو والنهب عند المشركين.
وسميت عصا سليمان عليه السلام "منسأة" من نسأ لأجل تأخيرها لعلم الجن بوفاته مدة طويلة قيل أنها عام.
والنسيان من نسي: وهو تأخير ذكر الشيء بعد فواته موعده.
وأنس بالشيء: أبعد وأخر النفرة منه، لأن كل جديد يخشى منه، ثم يؤنس ببعض بعد ذلك.
وإنسان والإنس من مادة "أنس" والناس كذلك من "أنس" أو "نوس" سموا بذلك لأنه تأخر خلقهم بعد الملائكة والجن، وتأخر خلقهم فكان في آخر الزمان.
والخلق هو إيجاد صورة الشيء كانت معدومة فيها.
وليس الخلق هو إيجاد الشيء من العدم ... فهذا كلام فلاسفة لا أصل له في اللغة، ولا في استعمال القرآن.
فخلق الإنسان من تراب وماء ومن الطين الجامع لهما؛ فمرة يذكر الماء فقط ومرة يذكر التراب فقط، ومرة يذكر الطين؛ ويراعى في ذكر ذلك السياق الذي يذكر فيه.
فلم يخلق الإنسان من لا شيء ...
ونباتية ولم تخلق كل الكائنات الحية من حيوانية ونباتية من لا شيء ...
قال تعالى : {وجعلنا من الماء كل شيء حي{30} الأنبياء.
والسماء كانت دخانًا فسواها سبع سماوات ؛ {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين {11} فقضاهن سبع سماوات {12} فصلت. .... فلم تخلق السماء من لا شيء.
والأرض قد سميت بالتراب الذي يغطي سطحها الذي يقبل الماء وينبت النبات ، وقد شقه من صخور من الصخور تحتها والتي لا تقبل الماء ولا تنبت النبات، وجعل ما شقه فوق صخورها ... فهي لم تخلق من لا شيء ..
قال تعالى: {فلينظر الإنسان إلى طعامه {25} ثم شققنا الأرض شقًا {26} فأنبتا فيها حبًا {27} وعنبًا وقضبًا {28} وزيتونًا ونخلاً {29} ......... عبس
ولكن كيف سيستقبل الإنسان القرآن ويعمل به .... فعلمه البيان
avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 529
نقاط : 1206
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 42

رد: سورة الرحمن سورة أشغلت وملأت فكري وقلبي

مُساهمة من طرف أ-رمضان في السبت مارس 26, 2016 5:57 pm

: {علمه البيان {4} الرحمن
كيف سيتلقى الإنسان القرآن ؟
لا بد للإنسان أو طائفة منهم أن ترقى في بيانها إلى الدرجة التي تستوعب وتفهم كلمات الله تعالى حين تنزل ... والابتداء يكون بآدم
قال تعالى : {وعلم آدم الأسماء كلها{31} البقرة
لقد أعطى الله تعالى آدم الأساس التي تبني عليه اللغات وهي دلالة الحروف والحركات والأوزان، ليصنع منها الجذور على الاستعمال الذي يريده، ويختار لها حروفها، ليبنى ويشتق من هذه الجذور الأسماء والأفعال.
وقد كلم آدم عليه السلام الله تعالى، وكلم الملائكة، وكلم إبليس، وكل ذلك قبل الهبوط إلى الأرض، فجاء إلى الأرض وهو يملك لغة تكفي حاجته في التعبير عن نفسه، وإدراك ما يقال له، ولم ينشئ لغة بعد نزوله ... بل الذي كان منه ومن ذريته بعد ذلك التوسع بها والرقي في بيانه بها.
وتعليم الأسماء غير التعريف به؛ فالتعريف إطلاعه على شيء سابق الوجود، والتعليم ملك القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها، لأن الأشياء والأفعال في الحياة تستجد بشكل مستمر ولا بد من تسميتها. ونحن نلاحظ ما من شيء يستجد إلا وقد سمي باسم سابق أو باسم لم يعرف من قبل.
وقد تصرف هذه القدرة في التسمية في الباطل؛ كما قال تعالى: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان{23} النجم
وقد كان العرب هم صاحب الحظ في الرقي بلغتهم بشدة الاعتناء والاهتمام بفنونها إلى بلغت الصلاحية الكاملة لنزول كلمات الله تعالى بها.
وللموضع تتمة إن شاء الله تعالى حتى ننتهي من السورة ولو بعد حين وإن طال .
avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 529
نقاط : 1206
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 42

رد: سورة الرحمن سورة أشغلت وملأت فكري وقلبي

مُساهمة من طرف أ-رمضان في السبت مارس 26, 2016 5:58 pm

: {الشمس والقمر بحسبان {5} الرحمن
سميت الشمس بهذا الاسم من استمرار طلوعها من الشرق واستمرار سيرها إلى أن تغيب في الغرب ، والعين تحيط بقرصها ، وأنها تحيط بضوئها كل الأرض حولنا لسعة انتشاره ضوئها، وأن حرارتها لا تطاق ولا بد من الاحتماء منها عندما تشتد في الظهيرة وفي الصيف خاصة. ولذلك سمي الفرس الذي لا يطاق شمِس وشمُوس [والشَّمِسُ والشَّمُوسُ من الدواب: الذي إِذا نُخِسَ لم يستقرّ. وشَمَسَت الدابة والفرسُ تَشْمُسُ شِماساً وشُمُوساً وهي شَمُوسٌ: شَرَدتْ وجَمَحَتْ ومَنَعَتْ ظهرها، وبه شِماسٌ.]. مادة شمس، لسان العرب.
وسمي القمر بهذا الاسم لثبات ارتباطه بالأرض؛ فما أن يغيب ظهوره من الشرق، حتى يظهر ثانية في الغرب.
الشمس هو الجرم الناري الوحيد الذي نستفيد من ضيائها ، وما نور القمر إلا من ضيائها.
وهما جرمان خلقهما الله تعالى وسخرهما لتحقيق رحمته بالناس يوم خلق السماوات والأرض ، فلا حياة للكائنات الحية؛ الحيوانية والنباتية على الأرض، في البر والبحر، دون ضوء الشمس وحرارتها، ولا تصلح الحياة دون التقلبات التي تحدث فيها بسبب الشمس والقمر.
والحسبان من الحساب وهو التقدير، ويوم الحساب: يوم تقدير السيئات والحسنات لكل واحد ليجزى عليها، وعلم الحساب: علم تقدير الكميات، والقول بـ "أيحسب" أي أيقدر أن الأمر على ما يظن. وقولنا: حسبنا الله؛ أي أن الله الذي بيده مقادير كل شيء سيكفينا من شر كل شيء يراد بنا.
وقد كان وجود الشمس والقمر وخلقهما، وبعدهما، وكمية الضوء والحرارة التي تصل منهما، كلها بحسبان من الله تعالى، أي بتقدير من الله تعالى، لو اختل اختلت معه الحياة في الأرض. فمن رحمة الله تعالى كانت الشمس والقمر بهذا الحسبان. وأثرهما على النبات .
avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 529
نقاط : 1206
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 42

رد: سورة الرحمن سورة أشغلت وملأت فكري وقلبي

مُساهمة من طرف أ-رمضان في السبت مارس 26, 2016 5:59 pm

: {والنجم والشجر يسجدان {6} الرحمن
سمي النجم بالنجم لأنه لا يدوم ظهوره في الليل طوال العام، وأكثرها ظهورًا لا يزيد عن عشرة أشهر، وهذه الصفة حملتها النباتات الحولية أو السنوية التي تنبت وتظهر في أشهر محددة من السنة قبل أن تستهلك، أو تموت وتحول إلى حطام، والذي ينبت في العام القادم هو من بذورها. والأشياء التى تحمل نفس الصفات تسمى بنفس الأسماء وإن تباعدت تباعدًا كبيرًا في الصفات الأخرى؛ لأن الاسم يدل على ذات الشيء بإحدى صفاته فقط، وتعدد أسماؤه بتعدد صفاته.
وسمي الشجر بهذا الاسم بسبب استمرار نموه سنوات طويلة من أرومته نفسها، سواء طال وعظم، أو قل وصغر، ولما يلحق به كل عام أو بعد أعوام من أغصان وفروع جديدة، وأوراق وثمار.
ووالنجم والشجر يسجدان؛ أي يلتزمان ولا يخرجان على السنن الإلهية التي وضعت لها، فلا ينبت النبات إلى في أوقات محددة من السنة، ولا يورق الشجر إلا في أوقات محددة، ولا يخرج ثمره إلا بعد سنوات محددة، والسجود عامة هو العمل بالأمر والالتزام التام به وعدم الخروج عنه، أو السير على السنن الإلهية التي وضعت له لا يخرج عنها كفعل الشمس والقمر والنجوم والنبات والشجر.
وقد ذكرت نجوم النبات والشجر بعد ذكر الشمس لما بينهما من ارتباط، وحاجة النبات لهما واعتماده عليهما فلا حياة للنبات دونهما، ومنها غذاء وأكل الإنسان، من الحبوب والخضار والفاكهة، ولحوم الحيوانات وحليبها ومشتقاته، وبيض الطيور وغير ذلك من عطاء الرحمن للإنسان.
ثم يجيء ذكر رفع السماء ووضع الميزان لما لرفعها من علاقة بصلاح الحياة لكل من الإنسان والنبات والحيوان.
: {والسماء رفعها ووضع الميزان {7} الرحمن.
السماء من مادة "سمو" وهي مستعملة في "الدوام" ، فالسماء دائمة معك أينما كنت في بر أو بحر أو في الأقطاب الثلجية التي هي لا بر ولا بحر، بينما يغيب عنك البر في البحر، ويغيب عنك البحر في البر، وتغيب عنك الأقطاب في البر أو البحر البعيدان عنهما، ويغيبان عن الأقطاب، لكن السماء دائمة معك أينما كنت، ولها صفة الديمومة فوق جميع الأرض، والسماء تبدأ من وجه الأرض إلى أن ينتهي بنائها وشدتها.
والاسم كذلك من مادة "سمو" وله صفة الديمومة كذلك، فآدم عليه السلام مثلاً، دام اسمه هذه الآلاف من السنين بعد أن غاب جسده عن الحياة بالموت.
والمسماة: جورب ثقيل من الصوف يلبسه الصياد ليحمي به رجله من الحر، وخشونة الأرض والحجارة والشوك، وليديم ملاحقة الصيد الذي يكنس بين الأشجار وقت الظهيرة، ولو كان من خف قد ينخلع من سرعة الجري من رجله فيتوقف جريه في ملاحقة الصيد لأجل ذلك.
وصاحب السمو - وهو لفظ مستحدث يوافق الاستعمال – يقال لمن دام ملك آبائه أجيالاً عديدة.
ورفع السماء يكون بزيادة مادتها أو تباعد أجزائها؛ فيعلو سقفها، والرفع هو زيادة المقدار، وليس الرفع هو التعليق في الفضاء بلا شيء تحتها تركز عليه ويحملها.
فرفع قواعد البيت من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لم يكن بحملها ، بل كان بالزيادة عليها من حجارة الكعبة حتى برزت وظهرت فوق الأرض كما نراها.
ورفع الله تعالى بعض النبيين على بعض؛ هو بزيادة عطائه لبعضهم من الآيات فوق ما أعطى الآخرين، وليس أن الآخرين لم يعطوا شيئًا بل الزيادة كانت فوق عطائهم.
ورفع الشيء باليد عاليًا يكون بالجسد واليد اللذان يكونان بينه وبين الأرض.
وارتفاع الطير في السماء يكون بدفع الطير الهواء أسفله واعتماده عليه بجناحيه، وليس هو معلق في السماء بلا شيء يعتمد عليه، ولو ضم جناحية لخر إلى الأرض كما يفعل الصقر عندما يخر على فريسة يطلبها.
والسماء مكونة من غازات وظلت الغازات تزداد فيها وتتباعد فارتفع سقفها.
وضغط الغاز يزداد مع شدة الجاذبية ويقل حجمه ، ويقل الضغط ويرتفع سقف السماء مع نقصان شدة الجاذبية بتباعد أجزاء الأرض إذا مدت، وقد ذكر مد الأرض في القرآن ثلاث مرات سابقة، ورابعة تكون يوم القيامة فتخف جاذبيتها كثيرًا حتى تصبح الجبال كالعهن المنفوش، ويكون الناس كالفراش المبثوث، ولا تستطيع مسك القمر في مداره فيبتعد كثيرًا حتى يختفي، فتجذبه الشمس ويجمع معها؛ قال تعالى: {فإذا برق البصر{7} وخسف القمر{8} وجمع الشمس والقمر{9} القيامة،
عندها يرى الإنسان أن القمر لم يستطع الفرار من جمعه بالشمس بعد انفصاله عن الأرض؛ فيبعلم أنه لا مكان يلجأ إليه من جهنم التي تنتظره، والساعة لا تقوم إلا على شرار الناس؛ فيقول : {يقول الإنسان يومئذ أين المفر {10} كلا لا وزر {11} إلى ربك يومئذ المستقر {12} القيامة.
ووزن الأشياء يختلف بين شدة ضغط السماء وقلة ضغطها. ومع الشدة يصعب وزن أشياء كثيرة، ومع حفته يمكن وزنها؛ فلا يمكن وزن البرتقال مثلاً وأكثر الفاكهة في الماء، بينما يمكن وزنها في الهواء؛ لأن ضغط الماء أعلى فيجعلها تطفو عليه ...
فارتبط رفع السماء بعمل الميزان المذكور في هذه الآية والتي تليها ....
: { ووضع الميزان {7} الرحمن.
تستمل مادة وضع في الانتهاء المؤدي الثبات والاستقرار.
وضع المرأة حملها؛ انتهاء حملها بخروج الجنين وثبات ودوام بقائه خارج البطن؛
: {فلما وضعتها قال رب إني وضعتها أنثى {36} آل عمران. {حملته أمه كرهًا ووضعته كرهًا {15} الأحقاف. {وتضع كل ذات حمل حملها {2} الحج. {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه {11} فاطر. {47} فصلت. {وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن {4} الطلاق. {فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن {6} الطلاق.
ووضع البيت الحرام: خروجه وظهور في مكة وثباتًا دائمًا فيه؛
: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة وباركًا وهدى للعالمين {96} آل عمران.
ووضع كتب الحساب يوم القيامة بإخراجها وإظهارها للناس لحساب دائم وثابت ينتهي بجزاء حسن أو جزاء سيئ. ولا عمل بعده.
: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه {49} الكهف. {ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء {69} الزمر.
ومثل ذلك وضع الموازين التي تقاس بها الحسنات والسيئات، وتقدر تقديرًا نهائيًا لا زيادة عليه ولا نقصان.
: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا {47} الأنبياء.
ووضع الثياب، التخلي عن لبسها بإبعادها عن الجسد، وتثبيتها على جدار أو على الأرض بعيدًا عنه.
: {وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة {58} النور. {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة {60} النور.
ووضع السلاح، التخلي عن حمله وجعله ملقى في مكان أو على الأرض.
: {أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم {102} النساء.
ووضع الحرب أوزارها: انتهائها، والتخلي عن حمل السلاح للقتال فيها.
: {حتى تضع الحرب أوزارها {4} محمد.
ووضع الوزر عن المرء؛ لإنهائه بإسقاطه عن صاحبه بصفة دائمة؛
: {ووضعنا عنك وزرك {2} الشرح.
ومثل ذلك وضع القيود والأغلال التي تحرم عليهم أشياء عديدة؛
: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم {157} الأعراف.
أما فعل "أوضع" في قوله تعالى : {ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة {47} التوبة.
فهمزته همزة سلب للمعنى؛ أي سلب الثبات للمجاهدين بما يبثوه من خذلان فيهم، ومثلها أوضعت الإبل والخيل: أي أسرعت واضطربت في سيرها بدلاً من الوقوف والثبات.
والوضيع: هو الساكن الدنيء الخامل الذكر.
ووضع الميزان في الآية؛ ثباته في وزن الأشياء لأنه يعطي مقادير محددة، وجعله من الله تعالى لأجل العدل والقسط في تعاملات الناس بينهم في الشراء والبيع، وفي كل ميزان مادي أو معنوي تبينه الأحكام التي نزلت لأجل صلاح حياتهم.
ولذلك جاء الحض على العدل في استعماله في الآيات التالية.
avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 529
نقاط : 1206
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 42

رد: سورة الرحمن سورة أشغلت وملأت فكري وقلبي

مُساهمة من طرف أ-رمضان في السبت مارس 26, 2016 6:01 pm

: {ألاَّ تطغوا في الميزان {8} الرحمن.
: {وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان {9} الرحمن.
مادة "وزن" مستعملة في إدخال شيء في آلة تحدد حجمه أو ثقلة، وتمنع الزيادة عليه، وتنزع عنه الزائد من غير نقصان، وذلك لمعرفة مقداره بتحديد حجمه أو ثقله، من غير ظلم للبائع ولا الشاري.
والأحكام تقوم مقام الآلة في تحديد الحق من الباطل.
والطغيان هو تجاوز الحد تجاوزًا كبيرًا، ويكون ذلك في الأحكام؛ لأنه قد يذهب بكل الحق أو معظمه، بينما تجاوز الحد في الوزن بالآلة يكون أقل من ذلك أو يسيرًا
لذلك جاء النهي عن الطغيان في الميزان، وأدغمت النون في اللام لفظًا ورسمًا فذهبت صورة نون النزع، ودلالة ذلك موافقة الرسم حرمة نزع الحقوق بالطغيان في ميزان الأحكام المنظمة للحقوق والتعاملات بين الناس.
ثم جاء الأمر بإقامة الوزن بالقسط، وهو شامل للوزنين، والقسط هو مساواة جميع الناس بمعيار واحد، وهذا يكون بالمكاييل المحددة، والأحكام البينة، وهو بين الناس عدل، وبين الله تعالى والناس ظلم؛ لأن مساواة الله تعالى بعباده هو غاية الظلم، وتوعد من يفعل ذلك بجهنم؛ قال تعالى: { وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبًا {15} الجن.
ودخول همزة السلب على "قسط" في الرباعي "أقسط" فسلبت المعنى، فصار إلى ضده؛ فأصبح المعنى عدم مساواة الله تعالى بعباده ، ولا بين العباد كذلك، فيعطى كل واحد منهم ما يستحقه قل أو كثر، ولا يساويه في العطاء بغيره فيأخذ له من حق غيره أو يعطى غيره من حقه؛ قال تعالى : {وأقسطوا إن الله يحب المقسطين {9} الحجرات.
ثم أمر الله تعالى عدم خسران الميزان، ولم يقل نقصان الميزان؛ لأن النقصان عدم بلوغ الشيء حده المعلوم، ويكون ظاهرًا غير مخفي، أما الخسران فهو من اللعب بالمعايير بالأخذ منها وتغيير ثقلها، فيخفى على الشاري نقصان ما اشتراه.
: {والأرض وضعها للأنام {10} الرحمن.
وضع الأرض: هو جعلها ثابتة مستقرة فوق الصخور التي شقت منها، تقبل الماء وتنبت النبات بصفة دائمة. وقد بينا في الآية السابعة معنى الوضع، مع مراعاة المعنى العام في الشيء الخاص.
وقد سميت الأرض بهذا الاسم؛ لأنها تقبل الماء وتنبت النبات.
وفي هندسة اللغة؛ الجذور التي فيها الراء قبل الضاد مع أحد حروف العلة حيث كانت أولاً, أو وسطًا، أو أخيرًا؛ تشترك في معنى عام.
فمنها مادة "رضي"؛ الرضا هو القبول بالشيء وأخذه.
ومنها مادة "روض"؛ روَّض الخيل والدابة؛ جعلها تقبل حمل الأثقال وركوب الناس على ظهرها.
والأرض من مادة "أرض"؛ وهي الجزء المغطي لوجهها كان مكشوفًا في البر أو مغمورًا بالماء في البحر؛ يقبل الماء وينبت النبات.
والأرضة : دابة تبقى في الأرض وتبني من الطين فوق الأرض وعلى جذوع الأشجار والجدران لتظل داخل الأرض، وسميت في القرآن الدابة التي أكلت منسأة سلميان عليه السلام فخر ساقطًا بدابة الأرض.
والأرض وضعها للأنام؛ أي لكل ما على ظهرها، وفي التفسير للإنس والجن،
وكل ما على الأرض وما خلقه الله تعالى وسخره، ما هو إلا لحياة الإنسان. فهو عطاء من الله الرحمن لأجل امتداد واستمرار حياته عليها.
ومن بلاغة نظم القرآن أنه عند استعمال الأسماء يراعى سبب تسميتها، فلم تثن الأرض في القرآن ولم تجمع؛ لأن الذي يقبل الماء وينبت النبات هو طبقتها الأولى ووجهها المحيط بالأرض من خارجها، وتنحصر بقية الأرض داخلها، وبقيتها لا تقبل الماء ولا يصلها، ولا تنبت النبات لأنه لا يصل إليها ماء ولا هواء ولا نور.
أما في الأحاديث فجاز التعبير بالأراضين على التغليب وقياس المجهول بالعلوم، وهو أسلوب يجأ إليه، ولا يمثل الحقيقة كاملة بما يدل عليه تسمية المسمى بالاسم.
وكذلك لم يقل والأرض وضعها للناس أو للإنسان وللإنس؛ لأن هذه التسميات جاء من تأخير خلقهم بعد الملائكة والجن، والأرض تعطي وتمد ولا تؤخر عطاءها فجاء ذكر الناس باسم الأنام.
ولما ذكر في الآية أن الأرض وضعها للأنام بصفة الجمع والتنعم بالعطاء؛ جاءت الآيات بعدها في الحديث عن أنواع من النعيم التي يجمعها ويتنعم بها الإنسان.
: {فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام {11} الرحمن .
الفاكهة هي التي لا يقتات بها ولا تحتاج إلى طبخ وتؤكل للتلذذ بها، لا للشبع ولا بسبب الجوع إلا إذا لم يجد غيرها.
وجاءت "فاكهة" نكرة لم تعرف؛ لتشمل أنواع كثير من الفاكهة، فمنها الحلو ومنها الحامض. فالفاكهة ذات مذاقات كثيرة، وأشكال عديدة، وألوان مختلفة، أحجام متفاوتة. فهذا التنكير هو بمثابة حاضنة لكل أنواعها.
ولأجل كثرة تنوع الفاكهة ذكرت كثرتها في القرآن؛ { يَدْعُونَ فِيهَا بِفَـاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ {51} ص، { وَفَـاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ {32} لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ {33} الواقعة.
والنخل شجر معروف، والتمر من ثمره، ويمتاز النخل أنه ينتفع بكل ما فيه؛ جريده، لبه (الجمار)، ثمره، ونوى ثمره، وليفه.
وذات الأكمام صفة للنخل لكثرة أكمامه؛ كم لطلعه، وثمره من بسر ورطب وتمر كم لنواته، وأصول السعف كم لليفه، ولحائه كم لجماره.
فليس في النخل شيء يرمى بلا منفعة.
: {والحب ذو العصف والريحان {12} الرحمن .
الحَبَّ (بالفتح): هو ثمر النبات الثابت الذي يدوم صلاح الانتفاع به سنوات عديدة، بينما الفاكهة والخضار قصيرا العمر سريعا العطب، إذا لم يعالجا لإدامة صلاحهما والانتفاع بهما.
والحُبَّ (بالضم): المودة الثابتة في القلب، فتدوم وتثبت عمرًا طويلاً .
والحِبَّ (بالكسر): المتعلق بغيره ولا يريد الانفكاك عنه، وقد تعلق إسامة بن زيد برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد أعمامه تحريره وإرجاعه إلى قبيلته، ففضل العبودية على الحرية لشدة تعلقه بالنبي عليه الصلاة والسلام، فما كان من النبي إلا أو حرره وتبناه.
فاستعمال مادة "حبب" كان في الأشياء التي لها صفة الدوام والثبات.
ولأجل ثبات الحب يحفظ ويخزن، فيكون المنقذ من الهلاك أيام القحط والشدة، وقوتًا دائمًا في كل الفصول وخاصة في الفصول التي لا ثمار فيها. وهي من النعم العظيمة التي أعطيت للإنسان ليظل له بقاء واستمرار في الحياة ... وما حدث في مصر أيام يوسف عليه السلام أكبر دليل على ذلك حفظ الناس بالحب الذي يحصد.
والحب يتكون مما تنتجه الأوراق (العصف) ويكون مددًا تدفعه إلى الحب فيستقر به، فهي الحاضنة التي لا قيام للحب المتكون دون وجودها.
ووصف الأوراق بالعصف؛ لأنها كالريح العاصف التي تدفع وتنقل التراب، وتدفع وتنقل السحاب، وتدفع المراكب لتصل إلى بغيتها ومستقرها. والعاصفة والريح العاصف ظاهر بيِّن، بينما العصف في النبات خفي مستور، ونتائجه ظاهرة في حبه.
وناسب ذكر العصف ذكر الريحان الخفي المستور في الآية نفسها.
الريحان من مادة "روح" وهي مستعملة في الأشياء التي يُحس ويُرى أثرها ولا تبصر ذاتها، ومنها الريح التي يرى أثرها في تحريك الأشياء ولا تبصر ذاتها، ومنها الروح التي تبصر أثرها في الأحياء؛ بالحركة والكلام والتنفس، وكل ما يدل على أنه حي، وهي ذاتها لا تبصر، والرائحة يحس بوجودها بحاسة الشم، ولا تبصر ذاتها.
فقد تقابل في الآية الحب الثابت المعلوم، مع المتحرك المقدر غير المشاهد.
وقرئت الريحان بالرفع عطفًا على الحب، وفي الحب طعمه الخاص به الذي يعرف بحاسة الذوق، وقرئت بالجر عطفًا على العصف، ويراد بزهره المنتج للرائحة ويعرف بالشم.
وما في الآية صدى لاسم الرحمن الذي شمل برحمته كل من المؤمن المطيع ونقيضه الكافر العاصي في الدنيا.
ويأتي بعد ذكر نعمةالفاكهة والنخل والحب والريحان، كان أول استفهام إنكاري موجه للمخلوقين اللذين خلقا لعبادة الله تعالى، الإنس والجن، مخلوق ظاهر بين، وآخر خفي مستور ..

    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة أكتوبر 20, 2017 4:57 am