مـــــــــــنــــــــــــــــتـــــــــــــــدى حـــــــــــــبـــــــــــــــــيـــــــبـــــة

تعليمي ثقافي شامل


النُحَاة وحُروفُ الجَرّ صلاح الدين الزعبلاوي

شاطر
avatar
Admin
Admin
Admin

عدد المساهمات : 468
نقاط : 1432
السٌّمعَة : 34
تاريخ التسجيل : 21/01/2010

النُحَاة وحُروفُ الجَرّ صلاح الدين الزعبلاوي

مُساهمة من طرف Admin في السبت فبراير 06, 2010 9:24 am

النُحَاة وحُروفُ الجَرّ
صلاح الدين الزعبلاوي
هذا بحث طريف، حاجة الكتَّاب إليه ماسة ملحة، وهم إذا أصابوا فيه خطأ وظفروا منه بطائل وتعلقوا بسبب وثيق، كان لهم من ذلك مادة قوية في ممارسة الكتابة وإتقانها، وعون وظهير في تصريف المعاني وتوجيه دلالاتها، وسوقها متناسقة متناظمة، دون لبس أو خلل.
وقد جاء للمتقدمين وكثير من المحدثين المتأخرين من هذا النمط ما لا يدافع في حسنه. وإذا هم أخلُّوا بالأصل المعوَّل عليه في استعمال هذه الحروف وعبثوا بضوابطها فجروا على غير العرف العربي في تصريفها أسخفوا بالكتابة وانحطُّوا بها إلى ركاكة العامة، فطال الخطب في ذلك وعسر واستوسع الوهي وكثر، وكان لنا منه أمثلة غثة باردة هي أشبه شيء بالثياب المتداعية كلما حيصت من جانب تهتكت من آخر.
ولابد في بلوغ الغاية في هذا المطلب من أعمال الفكر وتدقيق النظر، وبذل الطوق في تحصيل ما يتصل بجوانب البحث، إذ لا مجال لتحقيق المراد منه بأهون سعي وأقرب طلب. وليس القائل في هذا بعلمه واجتهاده كالقائل بظنه وتقليده.
وقد عقدت في كتابي (مسالك القول في النقد اللغوي) فصلاً سابغاً أفضت فيه بعض الإفاضة في استيفاء طرف من الأصول في هذا الباب، ورأيت أن أتدارك هنا ما جمعت يدي عليه من دقائق، فيما اتفق لي بعد ذلك من تحقيق، واعترض من تمحيص واستقراء. ولو شئت لأوردت منه شيئاً كثيراً تضيق عنه هذه الأوراق.
ضوابط في استعمال الحروف:
قال أبو نزار المعروف بملك النحاة، على ما حكاه الإمام السيوطي في الأشباه والنظائر (3 / 176)، وأبو نزار هذا الإمام بارع من فقهاء الشافعية، ذو نظم ونثر، له مصنفات في النحو والصرف والقراءات والفقه والأصول وديوان شعر (مولده ببغداد ووفاته في دمشق 568 هـ) قال: (إن الفعل قد يتعدى بعدة من حروف الجر على مقدار المعنى اللغوي المراد من وقوع الفعل، لأن هذه المعاني كامنة في الفعل، وإنما يثيرها ويظهرها حروف الجر) وأردف (وذلك أنك إذا قلت خرجت فأردت أن تبين ابتداء خروجك قلت خرجت من الدار، فإن أردت أن تبين أن خروجك مقارن لاستعلائك قلت خرجت على الدابة، فإن أردت المجاوزة للمكان قلت خرجت عن الدار، وإن أردت الصحبة قلت خرجت بسلاحي فقد وضح بهذا أنه ليس يلزم في كل ألا يتعدى إلا بحرف واحد).
فثبت بهذا أن الفعل يصرّف في وجوه عدة بقدر من حروف الجر أطرد تصريفها فيها. وقد أحاطت كتب اللغة بوجوده تصريف كل حرف فاستعمل فيها، على جهة القياس والاطراد. تقول في تصريف (أجاب): (أجبت في الكتاب، وبالكتاب، وأجبت عنك، وعلى ورقة بيضاء، ولأمر مهم، وعن الأسئلة، من أولها إلى آخرها). كما أحاطت المعجمات بتصريف الأفعال في معانيها فنصَّت على تعديتها بحروف لا يتحكم بها قياس ظاهر، كقولك (أعنتك على عدوك، وتدربت على العمل، وحزنت عليه وغضبت، وحسدتك على كذا، وتوفرت على صاحبي، وارتحت إليه، واعتذرت إليه، وأنست به ورغبت على كذا، وتوفرت على صاحبي، وارتحت إليه، واعتذرت إليه، وأنست به ورغبت فيه) وهكذا. فإذا جمعت القياس في استعمال هذه الحروف على ما نصت عليه كتب اللغة عامة، إلى السماع فيما نصت عليه المعجمات خاصة، أقول إذا ضممت يدك على هذا وذاك، كان لابد من أن تلحظ أن تصريف الفعل بحرف من الحروف إنما يفرده بمعنى لا يؤديه تصريفه حرف آخر، وإن داناه أحياناً، لأن لكل حرف وجهة اختص بها دون سواه.
لكل حرف وجهة خاصة:
يقول أبو البقاء الكفوي في كلياته فيما نحن بسبيله (الفعل المتعدي بالحروف المتعددة لابد من أن يكون له مع كل حرف معنى زائد على معنى الحرف الآخر، وهذا بحسب اختلاف معاني الحروف. فإن ظهر اختلاف الحرفين ظهر الفرق نحو رغبت فيه وعنه، وعدلت إليه وعنه، وملت إليه وعنه، وسعيت إليه وبه. وإن تقارب معاني الأدوات عسر الفرق، نحو قصدت إليه وله، وهديت إلى كذا ولكذا. فالنحاة يجعلون أحد الحرفين بمعنى الآخر. أما فقهاء أهل العربية فلا يرتضون هذه الطريقة بل يجعلون للفعل معنى مع الحرف ومعنى مع غيره، فينظرون إلى الحرف وما يستدعي من الأفعال، وهذه طريقة إمام الصناعة: سيبويه). وأبو البقاء من تعلم تبسطاً في العربية واستبحاراً وإيغالاً في البحث، وسعة إطلاع.
ويفسر ما جاء به أبو البقاء من تمايز وجهات الحروف ولو تدانى بعضها وتعاقب على معنى، قول البيضاوي في تفسير قوله تعالى قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق، قل الله يهدي للحق ـ يونس / 35:) وهدى كما يتعدى بالى لتضمينه معنى الانتهاء، يُعدَّى باللام للدلالة على أن المنتهى غاية الهداية، وأنها لم توجه نحوه على سبيل الاتفاق، ولذا عُدّي بها ما أسند إلى الله). والموضع الذي عُديت فيه الهداية باللام في التنزيل هو ما صح أن يكون المهدي إليه فيه غاية الهداية حقاً، كالإيمان، والتي هي أقوم. ونور الله، والحق، وهكذا..
اللام وإلى:
فالقريب المختار، بل الأصل على هذا، هو التفريق في الأداء بين (اللام وإلى)، وإذا كان بعض الأئمة قد قال بتعاقبهما حيناً، كما فعل الأخفش والزجاج والزمخشري وأبو حيَّان، أو ذهب إلى تعاقبهما قياساً، كما فعل الإمام المالقي فذلك لتقاربهما وتماثلهما في كثير من المواضع. قال المالقي في كتابه (رصف المباني في شرح حروف المعاني). (والموضع الخامس أن تكون اللام بمعنى إلى، وذلك قياس، لأن إلى يقرب معناها من اللام، وكذلك لفظها)، ثم استدرك فقال: (وإن كان بينهما فرق من حيث أن إلى لانتهاء الغاية، واللام عارية عنها) وأردف: (فاستعمال أحدهما في موضع الآخر جائز) وأنت تعلم أن إغناء أحد الحرفين عن الآخر لا يعني أنهما على معنى. وهذا ما حمل أبا البقاء أن يقول: (ثم أن فعل الهداية، متى عُدّي بالى تضمن الإيصال إلى الغاية المطلوبة فأتى بحرف الغاية. ومتى عُدّي باللام تضمن التخصيص بالشيء المطلوب).
القول في تعدية (اعتذر)
الاعتذار كما لا يخفى هو الإتيان بالعذر وطلب قبوله. قال صاحب المفردات: (واعتذرت إليه أتيت بعذر)، والعذر كما جاء في اللسان، (الحجة التي تعتذر بها) أي تحتج. ففي الألفاظ الكتابية لعبد الرحمن بن عيسى الهمذاني (اعتذر وتعذر إذا احتج)، فإذا أنت أدليت بعذرك إلى صاحبك وطلبت قبول العذر قلت (اعتذرت إلى فلان). ولا تستطيع أن تقول (اعتذرت عن فلان) حتى يكون اعتذارك نيابة عنه. قال المرزوقي في شرح الحماسة (117): (حتى أن بعضهم اعتذر عمن مات على فراشه فقال:
بحمدٍ من سنِانِكَ لا بذمِّ أبا قُرَّانَ مِتِّ على مِثالِ)
والمثال: الفراش.
أما إذا أردت الكشف عن سبب اعتذارك وما حملك عليه، فأنت تقول (اعتذرت إليه تقصيري) هذا هو الأصل، وعليه نص المعاجم، ولكن هل تقول (اعتذرت إليه عن تقصيري)؟ أقول ما دمت تقصد بقولك (عن تقصيري) ذكر (سبب الاعتذار وعلَّته) وما حملك عليه، فالكلام سائغ مستقيم. وقد مرّت به المعاجم وجرت عليه ألسنة الأيمة. قال الفيومي في المصباح: (واعتذار إلي: طلب قبول معذرته، واعتذر عن فعله، أظهر عذره). وجاء في الإفصاح، والإفصاح خلاصة المخصص لابن سيده وبعض المظان المعتمدة (العذر ما أدليت به من حجة لإسقاط الملامة.. عذر فلاناً فيما صنع يعذره عذراً ومعذرة، وأعذره: رفع اللوم عنه، واعتذر إليه: طلب قبوله معذرته، واعتذر عن فعله ومنه: أظهر عذره / 255).
أما استعمال الآيمة له فقول ابن جني في الخصائص (1 / 415): (ويؤكده لك أننا نعتذر لهم عن مجيئهم بلفظ المنصوب في التثنية على لفظ المجرور)، أي نعتذر عن فعلهم هذا. وكذلك قول المرزوقي في شرح الحماسة (126): (كالاعتذار عن الأخذ بالفضل عليهم، وترك الصفح عنهم). وما جاء في المثل السائر لنصر الله بن الأثير الجرزي (463): (فإن هذا من أحسن ما يجيء في باب الاعتذار عن الذنب). ما جاء في اللسان (في عسق): (هذا قول ابن سيده، والعجب من كونه لم يعتذر عن سائر كلماته). وقد كرر هذا فقال: (ومن الممكن أن يكون ابن سيده، رحمه الله، ترك الاعتذار عن كلماته.. وعن لفظة: شانني... واعتذر عن لفظة عَسِقني). واتفق في الأشباه والنظائر ـ 4 / 16) من كلام الإمام جمال الدين بن هشام الأنصاري ما عدَّى به (اعتذر) بـ (عن) غير مرة ونحو هذا كثير في كلامهم.
مواضع استعمال (عن):
ولكن لِمَ كان النص في المعاجم على تعدية الفعل بـ (من) غالباً دون (عن)؟ فأنت تقول (قد تسبب هذا عن هذا). قال الفيومي: (وهذا مسبب عن هذا) وقد تكرر ذلك في كلام ابن جني في الخصائص (3 / 160) ، كما تقول (اعتللت بمرضي عن غيابي، أي احتججت بهذه العلة. قال الفيومي (واعتلَّ إذا تمسك بحجة، ذكر بمعناه الفارابي). وقال ابن جني (3 / 206): (واعتل لهذا القول بأن ما قبلها ساكن).
قال الأستاذ محمد علي النجار في كتابه (لغويات / 142)، (لقد استعملت العلة أيضاً في العذر، ويعتذر به الإنسان عن لوم يوجه إليه في التقصير في بعض الأمر). وقال: (ومما يؤنس لما نحن فيه أنه ورد الاعتلال في ذكر العلة، ويقول الفارابي، على ما في المصباح: اعتلّ إذا تمسك بحجته، وقال أبو قيس بن الأسلت:
وتكرمها جاراتها فيزرنها وتعتلّ عن إتيانهن فتعذر
وليس بها أن تستهين بجارة ولكنها منهن تحيا وتخفر
فقوله: تعتل عن إتيانهن أي تعتذر بذكر وجه تخلفها عن زيارتهن فظهر أن التعلل في معنى ذكر العلَّة، له وجهه الصحيح).
وقد ذكر النحاة من معاني (عن) المطردة: (التعليل)، قاله صاحب المغنى (1 / 127) ومثَّل له بقول تعالى وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ـ التوبة / 115. وفي الهمع للسيوطي (2 / 29) ما في المغنى. وفي شروح الألفية وغيرها من الأمهات نحو من ذلك وانظر إلى ما جاء في أمالي المرتضى حول تخريج قوله تعالى فخرعليهم السقف من فوقهم ـ النحل / 26 قال المرتضى (1 / 351): (قيل في ذلك أجوبة أولها أن يكون على معنى عن فيكون ـ فخر عنهم السقف من فوقهم ـ أي خرّ عن كفرهم وجحودهم بالله تعالى وآياته، كما يقول القائل: اشتكى فلان عن دواء شربه، وعلى دواء شربه، فيكون على وعن، بمعنى من أجل الدواء)!.
وإذا صح هذا فلِمَ لا نقول (اعتذرت إليه لغيابي) واللام فيه للتعليل أيضاً؟ والجواب عن ذلك: نقوله، وقد أجريت اللام في مجراها ووضعت موضعها، والكلام صحيح لا شَين فيه. ففي محاضرات الأدباء للراغب (450): (المعتذر لتركه الصلاة) ومعناه (المعتذر بسبب تركه الصلاة). وقد تكرر ذلك في المحاضرات فجاء فيه (286): (المعتذر للقصر) و(الممدوح بالخفة والمعتذر للنحافة)، وعلى هذا القول (اعتذرت لغيابي يوم الجمعة). وهو مستقيم.
المانعون لقول القائل (اعتذر عن التقصير):
منع الدكتور مصطفى جواد عضو المجمع العلمي العراقي، رحمه الله في كتابه (دراسات في فلسفة النحو) قول القائل (اعتذر عن التقصير والذنب) وجعل صوابه (من التقصير والذنب)، وأتى بشواهد من نصوص المعاجم وكلام الأيمة، بمجئ التعدية بـ (من). وقال: (وإنما تستعمل عن مع اعتذر ومصدره لإفادة معنى النيابة، يقال: اعتذر زيد عن عمرو من الذنب الذي جناه أو من تقصيره..). أما ما جاء في المصباح (واعتذر عن فعله: أظهرعذره) فقد ذهب جواد إلى أنه محرّف.
أقول في الجواب عن ذلك أن صاحب المصباح لم ينفرد بهذه التعدية كما رأيت، وليس ثمة ما يوجب الارتياب بنصه، وأما قول جواد (وإنما تستعمل عن لإفادة معنى النيابة) فهو صحيح، ولكن إذا دخلت (عن) على (من وجب عليه الاعتذار) لا على (سبب الاعتذار وعلته) وهذا واضح وقد أشرنا إليه.
المجيزون لقول القائل (اعتذر عن التقصير):
جاء في المعجم الوسيط، معجم المجمع القاهري: (ويقال اعتذار من ذنبه وعن فعله)، فهل أراد أن يخص الذنب بـ (من)، والفعل بـ (عن)؟ أقول إذا أراد ذلك فلا وجه له البتة، وإذا لم يعنِ ذلك فما الذي حمله على أن يحكي بالحرف عبارة الجوهري (الاعتذار من الذنب) ويضم إليها عبارة المصباح (واعتذر عن فعله) فيجمع بينهما ويوهم أن (من) في استعمال الفعل غير (عن)؟ وقد كان الأمثل أن يطبع على غرار الإفصاح فيقول (واعتذر عن فعله ومنه) أو (واعتذر من ذنبه وعنه).
وعرض الأستاذ محمد العدناني لتعدية (اعتذر) في معجمه (الأخطاء اللغوية الشائعة) فأقر تعدية الفعل بمن وعن لذكر العلة، لكنه عطف الأمر على (إنابة حرف مكان حرف) وليس ثمة (إنابة)، وإنما أجري كل حرف من الحرفين المذكورين في مجراه ووضع موضعه. ثم أنكر قول القائل (يعذُر) بالضم كينصُر، وجعل صوابه (يعذر) بالكسر كيضرب، قال (ويقولون: يعذُر فلا صديقه فيما صنع، بالضم، والصواب يعذر صديقه بالكسر..).
أقول: جاء الفعل على (يعذر) كيضرب، وعلى (يعذُر) كينصُر. قال ابن سيده في المخصص (13 / 81): (عذرته أعذُره عذراً ومعذرة بالفتح حكاها سيبويه..) فضم الذال في (أعذُره) وكسرها: وقال ابن منظور في اللسان (وعذره يعذُره فيما صنع عذراً..) فأتت الذال في المضارع الفعل مضمومة ومكسورة أيضاً. فقول الكتاب (يعذُره) بالضم صحيح كما رأيت ولا وجه فيه للتخطئة.
تعدية (اعتذر) بعلى:
أقول إذا كان (اعتذر) قد جاء بمعنى (احتجَّ) كما ذكره الهمذاني في الألفاظ الكتابية فقال (اعتذر وتعذر إذا احتجّ) وكان (العذر) كـ (الحجة) على ما جاء في اللسان (العذر: الحجة التي تعتذر بها) فقد اتفق أن عدَّي (اعتذر) بـ (على) كما يُعدى (احتجّ) فأنت تقول: (اعتذرت على فلان بعذر) كما تقول (احتججت عليه بحجة) فانظر إلى قول منصور بن مشحاج:
ومختبطٍ قد جاء، أو ذي قَرابةٍ فما اعتذرتْ إبلي عليه ولا نفسي
قال المرزوقي في شرح الحماسة (1675): (فلا نفسي احتجزت عنه بمنع ولا إبلي اعتذرت عليه بعذر، كأن عذر الإبل تأخرُها عن مباءتها، أو ذكر وقوع آفة فيها أو تسلط جدب عليها، واحتجاز النفس: بُخلها بها وإقامة المعاذير الكاذبة دونها وما يجري هذا المجرى). وأصل الاختباط في الورق تقول اختبطت الورق إذا نفضته من الشجر، وكما يستعار الورق فيُكنَّى به عن المال يستعار الخبط فيكنَّى به عن طلبه.
القول في تعديه (كشَف)
قال الدكتور مصطفى جواد في كتابه (دراسات في فلسفة النحو والصرف..) ينتقد على كاتب بعض كلامه: (وكشف كنوزها.. ونظامها البديع، وقد أراد الكشف عن كنوزها. ومن العجب أنه قال قبيل ذلك: وكشف فيه عن سعة إطلاع، فسوَّى بين كشف عنه وكشفه).
أقول أراد الأستاذ جواد أن (كشفه) غير (كشف عنه). فالكشف إنما يكون (للساتر) وهو الغطاء أو ما يقوم مقامه ، فالغطاء هو المكشوف. أما المكشوف عنه فهو (المستور) أو ما ينوب منابه. قال (والأصل كشف الغطاء أو الستار أو الحجاب) وأردف (والجملة) الثانية ـ أي كشف عنه ـ أريد بها إزاحة ما يستُر، عن الشيء المستور حسب)، فما صواب المسألة؟
الأصل في معنى (كشف عنه):
لا خفاء بأن الأصل في الكشف هو إزاحة الغطاء أو الستار ورفعه عن المستور. تقول (كشف الخمار عن الوجه) و(كشف الغطاء عما وراءه). قال صاحب العين (الكشف رفعك عن الشيء ما يواريه ويغطيه). فتعدية الفعل إلى (الغطاء) أو (الحجاب) إنما يكون نفسه، وإلى (المستور أو المحجوب) بـ (عن).
وقد يطبق الغطاء على الإنسان فيغمره ويثقل عليه ويشتد، كالهم إذا غشي الإنسان فاحتواه، بل عظم عليه وشق، فتقول فيه: (جلوت الهمَّ عنه وسرّيته، بل كشفت عنه السوء أو الضر أو العذاب، وعلى هذا الحدآي التنزيل: لئن كشفت عنا الرجز ـ الأعراف / 133 وفلما كشفنا عنه ضرّه ـ يونس / 12 وكشفنا عنهم العذاب يونس / 38.
وقد يُلمٌ بالإنسان ما يحجب عنه النظر كشاغل من غمرة فيذهب ببصره كل مذهب، وقد فُسِّر به قوله تعالى: لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرُك اليوم حديد ـ ق / 22. قال الإمام البيضاوي: (الغطاء الحاجب لأمور المعاد وهو الغفلة والانهماك.. وقيل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى كنت في غفلة من أمور الديانة، فكشفنا عنك غطاء الغفلة بالوحي القرآن، وبصرك اليوم حديد ترى ما لا يرون وتعلم ما لا يعلمون).
ومما قيل على حد (كشف الغطاء) قول أبي علي المرزوقي في شرح الحماسة (1060): (ثم كشفت الغمة وأثبتَّ الحجة بكلام فصيح لا يلتبس) أي رفعت الغمة عنه وأزحتها) وقوله (1091): (فتركت بعدها دواهي وخطوباً عظيمة هي في أغطيتها لم تظهر ولم يكشف عنها)، أي لم يكشف عنها غطاؤها، وقوله (1093): (فتذكر معايبهم وتكشف عن مستور مخازيهم ومجهول مقابحهم ومساويهم) أي تكشف عنها ما كان يحجبها، وقوله (760): (تندمٌ على ما قصَّر فيه من النظر والفحص والكشف عن عقبى الأمر). وقول الخفاجي صاحب سرّ الفصاحة (31): (وذلك أليق بالمتكلمين الذين هم أصحاب التحقيق، والكشف عن أسرار المعلومات وغوامض الأشياء) أي كشف الغطاء عما طُوي عن فهم الناس.
الأصل في معنى (كشفه):
أقول إذا اتفق قول صاحب العين (الكشف رفعك عن الشيء ما يواريه ويغطيه) كما حكاه ابن سيده في المخصص (13 / 144)، فقد أردف: (وكشفت الأمر أكشفه كشفاً: أظهرته). وحكى ابن سيده عن أبي زيد أيضاً (جلوت الأمر وجلَّيته وجلَّيت عنه: كشفته وأظهرته، وقد انجلى وتجلَّى). وقال ابن منظور في اللسان: (وكشف الأمر يكشفه كشفاً: أظهره).
وهذا يعني أن للفعل منحى آخر يتعدى فيه بنفسه إلى (المجهول أو المخفي)، تقول: (كشفت الأمر إذا جلوته وأظهرته). فإذا كان (كشفت الغطاء عن المجهول) هو الأصل، فكيف تفرُع عليه هذا؟.
أقول: الأصل قولك (كشفت الحجاب عن المجهول)، ولك أن تقول: (كشفت حجاب المجهول)، فإذا عرفت أن (الحجاب) يلازم (المجهول)، واعتذرت بهذا فاستغنيت عنه بذكر (المجهول) حذفت المضاف فقلت (كشفت المجهول إذا أظهرته. وأكثر ما يكون الاستغناء عن (الحجاب) أي المضاف ها هنا، إذا كان الحاجب دون المجهول هو الغموض والخفاء والجهل والضياع، فيكون معنى كشف المجهول هو الاهتداء إليه وإظهاره. وحذف المضاف في القرآن والشعر، وفصيح الكلام في عدد الرمل سعة، أستغفر الله وربما حذفت العرب المضاف بعد المضاف مكرراً أنساً بالحال ودلالة على موضوع الكلام، كما قال أبو الفتح (المحتسب ـ 1 / 188) فعلى هذا القول ابن جني في المحتسب (1 / 239): (وكشفت هذا الموضع يوماً لبعض ما كان له مذهب في المشاغبة). وقول جُرَيبة الفقعسي:
هم كشفوا عيبَة العائبين من العار أوجُههم كالحُمم
قال المرزوقي في شرح الحماسة (774): (وقولهم هم كشفوا عيبة العائبين... أي أظهروا من عيب من كان يطلب عيبهم، ما كان خافياً.. فكأنهم كشفوا عيابهم المنطوية على عيوبهم فأسودّت وجوههم بما غشيها من العار، حتى صارت كالحُمم).
والعيبة هنا موطن العيوب ومودعه. وانظر إلى قول أبي الحجناء: (شرح الحماسة / 923)
وجرَّبتُ ما جربت منه فسّرني ولا يكشف الفتيان غير التجارب
أي يكشف دخيلتهم.
وهذا قول المرزوقي (520): (وهذا المعنى قد كشَف غيرهُ) أي أظهره وجلاه. وقول الخفاجي صاحب سر الفصاحة (30): (ويكشف هذا المعنى للمتأمل أن العرب) وقوله (وكشف هذا.. ما أريد) وقوله (71): (فالعلم بها واضح وكشفهاجلي). فلا بأس بعد هذا بأن تقول: (كشفت كنوزها.. ونظامها البديع) إذا اهتديت إلى هذه الكنوز فأظهرتها، وإلى هذا النظام فجلوته؟ ولا وجه لطعن جوادٍ على قائله بأن الغطاء هو المكشوف، وأن المستور هو المكشوف عنه. ذلك بأن قول الأيمة صريح بأن كشف الأمر: إظهاره وجلاؤه، وإذا ذهبت تخرِّجه على الأصل قلت: إن الكنوز ها هنا هي المجهول، وأنت تكشف حجاب المجهول، على الأصل، وتكشف المجهول أي الكنوز على حذف المضاف كما مر بك.
وقد بسط ـ الدكتور جواد رأيه الذي ذكرنا، في كتاب آخر له، هو (قل ولا تقل) فمنع قول القائل (كشفت الأمر الخفي) أول الأمر. ثم عدل عن التلحين إلى الإيثار فقال: (فالفصيح أن يقال الكشف عن الأمر الخفي) وكان قد بدأ قوله (قل كشفت عن الأمر الخفي خفاءه، ولا تقل: كشفت الأمر الخفي). أقول لا وجه، بل لا مساغ البتة لما ذهب إليه الأستاذ، وإلا فما معنى قول الأيمة بل إطباقهم على أنك (إذا كشفت الأمر) فقد أظهرته، أو يخرج الأمر عن أن يكون (أمراً) إذا كان خفياً؟ وإذا كان لا يصح أن يكون المكشوف غير غطاء وحجاب أو خفاء أو قناع، كما ذهب إليه جواد، فكيف أطرد عن الفصحاء الأثبات قولهم (كشف فلان عورة جاره)؟ فانظر إلى قول الجاحظ في كتابه (حجج النبوة): (ولو كان كل كشف هتكاً، وكل امتحان تجسساً، لكان القاضي أهتك الناس لسرٍ وأشد الناس كشفاً لعورة)، وقوله: (لا من طريق الاعتساف، ولا من طريق كشف العورة) فليس المكشوف فيه كما رأيت، غطاء، أو ما يشاكله أو يغني مُغناة.
فرق ما بين كشفه وكشف عنه:
أقول لا شك أن استعمال (عن) على الأصل أدل على أبرز ما قام دون (المجهول) من حجاب حائل، واتفق من غطاء ساتر، كما هو حال (الكنوز) حين تخفى وتخبأ وتطوى، لذا كان قولك (كشفت عن الكنوز) أليق بالمراد. وهذا ما أوحى به المرزوقي حين قال: (فتذكر معايبهم وتكشف عن مستور مخازيهم ومجهول مقابحهم ومساويهم)، وما أراده إذ قال: (من النظر والفحص والكشف عن عقبى الأمر) فمهَّد للكشف بالنظر والفحص وما أفصح عنه بقوله ( 1136): " وما يظهر من معادن الذهب صبيحة مطرة تكشف عن عروق الذهب". بل هذا ما قصده الخفاجي بقوله (وذلك أليق بالمتكلمين أصحاب التحقيق والكشف عن أسرار المعلومات وغوامض الأشياء، إذ لو لم يكن هؤلاء أصحاب تدبر وتأمل وتحقيق ما ظفروا بالكشف عن هذه الأسرار والغوامض.
خلاصة القول في تعدية (كشف):
والخلاصة أنك تقول على الأصل كشفت الغطاء عن المستور، فإذا حذفت المفعول لظهوره قلت كشفت عن المستور، ويغلب هذا حين يكون المستور خفياً. كما تقول كشفت غطاء المستور فإذا حذفت المضاف قلت كشفت المستور، ولا يشترط في هذا أن يكون المستور خفياً. ولكن هل تقول كشفت عن الغطاء وتريد أنك كشفت عن الغطاء ما واراه، أي انصرفت عنه إلى ما وراءه؟ أقول الأصل أن تقول مثلاً: كشفت المرأة وجهها، فإذا اعتادت أن تخفيه قلت كشفت المرأة عن وجهها وتقول كشفت المرأة قناعها عن وجه مضيء، على الأصل، وكشفت عن قناعها وجهاً مضيئاً إذا أظهرت وجهها المضيء، فتكون (عن) هنا (للمجاوزة)، أي كشفت الوجه المضيء منصرفة عن القناع إلى ما واراه أو ما وراءه. وقد جاء في رسائل الجاحظ (رسالته في الشارب والمشروب، ورسالته في بني أمية):
(كشفت عن القناع). وفي مقدمة المرزوقي في شرح الحماسة قوله (والكشف عن قناع المعنى بلفظ هو في الاختيار أولى / 6).
القول في تعدية (قسم)
أخذ الدكتور مصطفى جواد على الشيخ رؤوف جمال الدين قوله: (الفعل ينقسم إلى قسمين متعدٍ ولازم)، وجعل صوابه (ينقسم على قسمين..) فقال في كتابه (دراسات في فلسفة النحو والصرف..): (فمن استعمل من النحويين ـ قسم إلى كذا ـ بدلاً من ـ قسم على كذا ـ فهو محجوج بما ذكره هو نفسه من معاني إلى، وبما استعمله الفصحاء كالجاحظ وغيره). وقد استظهر الأستاذ بعبارة الجاحظ في كتابه (الحيوان): (وبعض الناس يقسم الجن على قسمين)، وقول ابن حزم الأندلسي في نسب الأنصار (زيد بطن ضخم ينقسم على بطون)، ووقل أبي علي الأنصاري في بعض كتبه (كنفس قُسِّمت على جسمين).
أقول لم يزد الأستاذ فيما قرر وجزم، على أن سَرد ما سرد، ولم يورد على قوله البيِّنه ليكون رأيه هو الأسدّ وحكمه هو الأحجى. بل لم يفصح عما ذكر النحاة من معاني (إلى). ولك ما عمد إليه أنه حكى ما اتفق للجاحظ وابن حزم وأبي علي الأنصاري أن قالوه فأجروا فيه تعدية الفعل بـ (على). ونحن لو حكينا من كلام الأيمة الفحول ما عدّوا فيه الفعل بـ (إلى) لما أقنعه سفر بجملته، فما صواب المسألة ووجه الكلام فيما نزع إليه الأستاذ؟.
تعدية (قسم) وما اشتق منه بعدّة من حروف الجر، منها على وإلى:
قال ابن منظور في اللسان: (القسم مصدر قسم الشيء يقسمه قَسماً فانقسم.. وقسَّمه جزّأه، وهي القسمة. والقسم بالكسر النصيب والحظ والجمع الأقسام).
وقال (والقسام بالتشديد الذي يقسِّم الدور والأرض بين الشركاء فيها)، وقال: (والقسامة بالضم الصدَقة لأنها تقسم على الضعفاء).
وقال الراغب في مفرداته: (القسم الإفراز يقال قسمته كذا قسماً وقِسمة، وقسمةُ الميراث وقسمة الغنيمة تفريقهما على أربابهما).
والذي يتبين من هذا أنك إذا أردت أن (تقسم) المال مثلاً على جماعة فتجعل لكل فرد نصيباً قلت: (قسمت المال بين هؤلاء) أو (قسمت المال على هؤلاء). أي فرّقته بينهم. قال الجاحظ في كتابه (حجج النبوّة): (يجعل فضله مقسَّماً بين جميع الأولياء). وقال في كتابه (التربيع والتدوير): (أو الدول بينهما مقسومة وعليهما موقوفة). وقال فيه: (وزعم آخرون أن الخير والشر عليهما مقسومان) وقد تقول (قسَّمته فيهم). ففي محاضرات الأدباء للراغب (3 / 294):
لو قسَّم الله جزءاً من محاسنه في الناس طُراًُ لتمَّ الحسن في الناس).
وقال عروة بن الورد:
أقسِّم جسمي في جسومٍ كثيرة وأحسو قَراح الماء والماء بارد
قال ابن السكيت: (قوله: أقسَّم جسمي، الجسم ها هنا طعامه، يقول أقسم ما أريد أن أطعمه في محاويج قومي، ومن يلزمني حقه والضيفان. وأحسو قراح الماء، والماء القَراح الذي لا يخالطه لبن ولا غيره، والماء البارد أي في الشتاء / 52).
على أن لك أن تعدّي الفعل بـ (إلى) أيضاً إذا أردت معناها، كأن تروم بيان الأجزاء التي انتهت إليها القسمة. فانظر إلى قول الإمام أبي حيان في البحر المحيط: (وافتراق الناس إلى ثلاث فرق). ولو أحللت (الانقسام) محل (الافتراق) لكان الكلام (وانقسام الناس إلى ثلاثة أقسام). وتأويله: أنهم قد انتهوا في افتراقهم أو انقسامهم إلى ثلاث شعب. و(إلى) ها هنا لانتهاء الغاية، وهو رأس معانيها وملاكه، فإذا قلت (قسمت كتابي إلى ثلاثة أبواب) أردت أن الكتاب قد انتهى بهذه القسمة أو صار إلى هذه الأبواب الثلاثة، وكله صحيح على تأويله وبابه. وانظر إلى ما قاله ثعلب في تفسير قوله تعالى انطلقوا إلى ظلٍ ذي ثلاث شعب ـ المرسلات / 30 : (يقال أن النار يوم القيامة تنفرق ثلاث فرق، فكلما ذهبوا أن يخرجوا إلى موضع ردتهم..) على ما جاء في التاج، وقد جاء ذلك في اللسان فزاد في روايته (إلى) أي (تنفرق إلى ثلاث فرق).
وإذا قلت (قسمت الكتاب قسمين) أو (شطرين). كان انتصاب (قسمين) على المصدر. ولك أن تنصبه حالاً مقدراً فيه (قسمت الكتاب متفرقاً). فإذا صح هذا وأمكن مثل هذا التقدير، قلت: قسمت الكتاب إلى قسمين) على معنى (قسمته متفرقاً إلى قسمين). فانظر إلى قول المرزوقي في شرح الحماسة (826) حول قول الشاعر (قسمنا بذاك الدهر شطرين بيننا): (وانتصب شطرين على المصدر كأنه قال قسمنا الدهر قسمين. ويجوز أن يكون حالاً على معنى قسمناه مختلفاً فوقع الاسم موقع الصفة لما تضمن معناه، كما تقول طرحت متاعي بعضه فوق بعض كأنك قلت متفرقاً، والمراد جعلنا أوقات الدهر بيننا وبين أعدائنا مقسومة قسمين).
وتأمل قول المرزوقي في شرح الحماسة (1191) حول بيت يزيد بن الحكم:
والناسُ مبتَنيانِ محمود البنايةِ أو ذميمُ
: (ومعنى البيت أن أفعال عقلاء الناس لا تخلو من أن تكون مما يُستحق به حمدٌ أو ذمٌ، فهم يبنون مبانيهم ويؤسسون مكاسبهم على أحد هذين الركنين، وذلك لأن الأفعال تابعة للأغراض، وغرض العاقل إليهما ينقسم). فتأويل قوله هذا أن غرض العاقل ينتهي في قسمته أو يصير إليهما، أي إلى هذين الركنين. وأردف المرزقي: (فانظر ماذا تجلب على نفسك ما تبتغيه من فعلك وتدخره من كسبك). وقال على هذا الغرار (1316): (وإذا تأملت حوادث الدهر وجدتها لا تنقسم إلا إلى قسمته، لأنها لا تخلو أن تكون محبوبة أو مكروهة، أو واقعة أو منتظرة، أو مخوفة أو مرجوة). وهذا قول ابن جني في سر الصناعة (1 / 69): (وللحروف انقسام آخر إلى الشدّة والرخاوة وما بينهما)، وقوله (1 / 71): (وللحروف قسمة أخرى إلى الأصل والزيادة). وقوله في الخصائص (3 / 67): (وذلك كأن تقسم نحو مروان إلى ما يحتمل حاله من التمثيل له فتقول: لا يخلو من أن يكون فَعلان أو مفعالا أو فعوالا). ونحو ذلك قول صاحب سر الفصاحة (24): (وللحروف انقسام إلى الصحة والاعتلال والزيادة والسكون والحركة وغير ذلك).
أقول: ومن هنا إطباق العلماء والنحاة والكتاب قديماً على هذه التعدية. فقد جاء في مقدمة كتاب كليلة ودمنة (وينبغي للناظر في هذا الكتاب أن يعلم أنه ينقسم إلى أربعة أغراض: أحدها ما قصد فيه إلى وضعه على ألسنة البهائم..) قال هذا لأن الكتاب في الأصل جملة مسائل تُبحث وأغراض تُشرح وقال الجاحظ في بعض رسائله (الخاصة: (وقد تنقسم المودة إلى ثلاث منازل: منها ما يكون عن اهتزاز الأريحية وطبع الحرية..)، وقال صاحب الكليات أبو البقاء (411): (لسان العرب ينقسم إلى ما لا يقاس... وإلى ما يطرد فيه القياس، وأن ما يجري فيه قياس مقرون بالسماع).
الأصل في تعدية (قسم) بعلى:
والأصل في استعمال (على) مع الفعل ها هنا، أن يكون (المقسوم) غير (المقسوم) عليه كما في قولك (قسمت الغنيمة على أربابها) أو (قسمت الصدقة على الضعفاء). فالغنيمة غير الأرباب والصدقة غير الضغفاء. ومن ذلك قول المرزوقي في مقدمة شرح الحماسة (وكان اللفظ مقسوماً على رتب المعاني، قد جُعل الأخصّ للأخص، والأخسّ للأخس).
والأصل في أعمال (إلى) إن يكون (المقسوم إليه) هو (المقسوم) نفسه، كما في قولك (انقسم الناس إلى ثلاثة أصناف)، أي انتهوا في القسمة أو آلوا إلى هذه الأصناف. ولكن يصح أن تحلّ (على) محل (إلى) فتقول (قسمت كتابي على ثلاثة أبواب) أي فرقت ما فيه وجزّأته ثلاثة أجزاء فجعلت كل جزء من الأجزاء في باب من الأبواب وخصصته به، كأن الباب غير الكتاب. ولا يصحّ أن تحل (إلى) محل (على) في مثل قولك (قسمت الميراث على الورثة) لأن فحواه أنك قسمت الميراث أنصبَة كعدد الوارثين وجعلت لكل نصيبه، ولا يمكن أن تؤدي (إلى) هذا المؤدى لأنها لمجرد الإشارة إلى ما آلت إليه القسمة من أجزاء، فاستعمال (على) هو المراد من قسمة الميراث دون (إلى) وهو ألصق بالمعنى وأوفى بالغرض.
وهكذا ما مرَّ بك من قول الجاحظ (كنفس قُسمت على جسمين) فإن معناه (كنفس شُطرت بين جسمين) فكان لكل جسم من هذه النفس شطر ونصيب. وهذا موضع (على) لا موضع (إلى)، ولو قلت: (كنفس قسِّمت إلى قسمين) لم يستقم المعنى الذي أردت.
متى تصح تعدية (قسم) بإلى، ومتى تصح بعلى:
كلما صح قولك (قسمت الشيء قسمين أو ثلاثة) وهو أصل التعبير، على حدّ ما جاء في الحديث (ستفترق أمتي ثلاثاً وسبعين فرقة)، جاز قولك (قسمته إلى قسمين أو ثلاثة) أو (قسمته على قسمين أو ثلاثة). وكلما ساغ أن تقول (قسمت الشيء بينهما، أو بين هذه الأشياء أو بين هؤلاء) كقول علي عليه السلام في نهج البلاغة (2 / 185) (فقسم بينهم معايشهم) وهو أصل التعبير عن هذا المعنى، استقام قولك (قسمت الشيء عليهما أو على هذه الأشياء أو على هؤلاء) ولم يُغنِ قولك (قسمت الشيء إليهما أو إليها أو إليهم).
شواهد تبرز الغرض من تعدية الأفعال بإلى، كما عدّي (قسم):
من أمثلة ما عُدِّي بـ (إلى) لانتهاء الغاية، كما عُدَّي (قسم)، أي لانتهاء فاعل الفعل أو ما ينوب منابه إلى غاية، تعدية (سهَّل وأبدل وقلب وتقلَّب وانقلب وانفصل..). تقول (سهَّل الشيء إلى كذا) أي سهله فانتهى بالتسهيل إليه، و(أبدله إلى كذا) أي أبدله فانتهى بالإبدال إليه، كما كان (قسمه إلى كذا) بمعنى (قسمه فانتهى بالقسمة إلى كذا..).
قال صاحب المصباح في مقدمته (وإن وقعت الهمزة عيناً وانكسر ما قبلها جعلت مكان الياء لأنها ـ تسهِّل إليها ـ نحو البئر والذئب).
وقال ابن جني (2 / 9): (وأبدل إلى الهمز حرفاً لاحظّ في الهمز له، بضدِّ ما يجب لأنه لو التقت همزتان عن وجوب صنعة للزم تغيير إحداهما)، وأردف (فكيف يقلب إلى الهمز قلباً ساذجاً عن غير صنعة ما لاحظ له من الهمز).
وقال ابن جني في سر صناعة الإعراب (3 / 231): (قد قدمنا في كتابنا الخصائص صدراً صالحاً من ـ تقلب الأصل الواحد والمادة إلى صور مختلفة يخطمُها ـ يريد ينتظمها ويقودها ـ كلها معنى واحد، ووسمناه بباب الاشتقاق الأكبر).
وجاء في نهج البلاغة (2 / 58) وليكن من أبناء الآخرة فإنه منها قَدِم، واليها ينقلب). ولا ننسَ أن (انقلب) قد عُدَّي بإلى غير مرة، في أي الذكر الحكيم، حين جاء بمعنى (رجع).
وجاء في محاضرات الأدباء للراغب (3 / 211): (وكتب الصابئ عن عز الدولة إلى أبي تغلب، وقد نقل ابنته إليه: قد وجهت الوديعة، وإنما نقلت من وطن إلى سكن، ومن مغرس إلى مغرس. وهي مني انفصلت إليك وثمرة من جني قلبي حصلت لديك). وهو جليّ بيِّن.
القول في معنى (تعرَّض له)
مذهب جواد في استعمال (تعرّض له) وحجته:
قطع الدكتور مصطفى جواد في كتابه (قل ولا تقل) أن قولك (تعرَّض له) ينمّ على رغبة الفاعل في الفعل، والمفعول إن وجد، فيمتنع على هذا أن تقول (تعرّض فلان للتعذيب) أو نحو ذلك، إذ لا يستقيم أن يكون المتعرّض راغباً في (التعذيب) أو ما يشاكله من معاناة ومقاساة، وأن صواب التعبير أن تقول (عُرِّض للتعذيب).
قال الأستاذ جواد: (وإن من الأغلاط ما ارتكبه أدباء كبراء كالدكتور طه حسين وعباس محمود العقاد وتابعهما عليه مقلدوهما غير عالمين بها لأنهما قدوتهم وموضع ثقتهم. فالفعل الشائع اليوم في أقوال الكتَّاب: تعرَّض، والخطأ في استعماله إنما ظهر في كتاب الأيام، ففي الصفحة.. منه قول الكاتب وكان ذكاؤه واضحاً وإتقانه للغة بيِّناً. وحسن تصرفه فيه لا يتعرض للشك.. وفي الصفحة.. قوله: وكان الأزهر قد تعرض لألوان مختلفة من النظام).
وقد استشهد بما جاء في المقاييس لأحمد بن فارس: (تعرض لي بما أكره..) والصحاح ومختاره: (وتعرّض لفلان: تصدّى له..) والمصباح: (وتعرّض للمعروف وتعرّضه يتعدَّى بنفسه وبالحرف إذا تصدّى لذكره)، واللسان: (انطلق فلأن يتعرّض بجَمَله للسوق إذا عرضه على البيع.. والعرب تقول: عرض لي الشيء وأعرض وتعرض واعترض بمعنى واحد).
القول فيما أتى به جواد من نصوص وشواهد:
أقول ليس فيما بسط الأستاذ جواد من النصوص والشواهد ما يوجب أن يكون (المتعرّض) راغباً فيما تعرّض له، لكنه يكون طالباً له مبتغياً إياه، وقد يطلب المرء شيئاً ولا يرغب فيه. وإذا كان (تعرض له كتصدَّى) فالطلب والابتغاء شرط في التعرّض. ومن هذا قولك (تعرضت لمعروفه) إذا طلبته. ولكنه قيل أيضاً (تعرَّض فلان للتلف) و(تعرّض للخزي) و(تعرض للهلاك) كما ثبت اطراده عن الفصحاء فما وجهه؟.
أقول: (تعرض) كما قال ابن منظور كـ (عَرَضَ واعترض). فالأصل ألاَّ تتعرض للتلف أو تعرض له أو تعترضه، وإنما الوجه أن يتعرّض لك فيبتغيك، أو يعرض لك أو يعترضك. فإذا قلت (تعرض للمكروه) أو (للتعذيب) فهو كما يبدو، على القلب، لا على الأصل، لأنه بمعنى تعرَّض لك المكروه أو التعذيب مجازاً، فأصبحت له عُرضة وغرضاً. وقد اتفق بهذا أن يكون المتعرض مبتغياً في اللفظ، وهو المتبغى والهدف في المعنى، وأن يكون (تعرض له) كـ (عُرِّض له). وحين بدا للأستاذ جواد هذا ودلّ عليه نص صريح نكر النص وعاف الدليل، وقال (وقد تركت نصاً واحداً ورد في الصحاح ومختاره يخالف واقع اللغة، وإني ذاكره بعد إيراد شواهد واقع اللغة، أي استعمال تعرض في كتب الأدب وكتب التاريخ). أما نص الصحاح ومختاره فهو (وعرضت فلاناً لكذا فتعرّض هو له) أي غدا هدفاً له.
وثمة نص آخر أتى به الأستاذ جواد، على أنه حجة له، وهو حجة عليه. قال ابن منظور: (والعرب تقول عرض لي الشيء وأعرض وتعرَّض واعترض بمعنى واحد).
فإذا كان (تعرّض له) كـ (أعرض له)، فما الذي يعنيه قولك، على المجاز، (أعرض فلان للمكروه)؟ إنه يعني أنه أبدى (عرضه) بالضم للمكروه فأمكنه منه، كأعور الشيء إذا أبدى عورته. فالمعرض أو المعور هو الذي أمكن آخر من عُرضه بالضم أو عورته فغدا له هدفاً وغرضاً. ففي الأساس: (أعرض لك الصيد فأرمه، وهو مُعرض لك) وفيه (وقد أعور لك الصيدُ وأعورك: أمكنك) فغدا هدفاً لك. هذا إذا كان الشيء هو المعرض أو المعور، فإذا كان المرء كما مثلنا هو المعرض أو المعور غدا هو الغرض والهدف. فقولك أعرض فلان للمكروه) معناه أمكن المكروه من نفسه وكذا المتعرض فقولك (تعرض فلان للتلف) مثلاً مؤداه أنه أمكن التلف من نفسه فغدا غرضاً له. وهذا ما عناه الكتَّاب حين جرت أقلامهم به، ونطقت ألسنة الأيمة على منهاجه وطبعت على غراره.
أمثلة من كلام الفصحاء تشهد بصحة ما أنكره جواد:
وهذه طائفة من أقوال أصحاب البيان وفصحاء القوم تشهد بأن ما ذكره الأستاذ جواد، على أنه مخالف لواقع اللغة، إنما هو من طرائق اللغة وأساليب، بل تقيم الدليل على سداد ما ذهبنا إليه وتنسخ عنه كل شك. فقد جاء في نهج البلاغة (2 / 151): (فكم خصكم بنعمة، وتدارككم برحمة. أعورتم له فستركم، وتعرضتم لأخذه فأمهلكم). قال الشارح: (أعورتم له أي ظهرت عوراتكم وعيوبكم، وتعرَّضتم لأخذه أي يأخذكم بالعقاب). ففحواه إذاً: أبديتم عوراتكم فستركم وعرّضتم أنفسكم لعقابه فأمهلكم).
وفي كليلة ودمنة: (فإذا اجتمع عليه هذان الصنِّفان فقد تعرَّض للهلاك ـ باب الأسد وابن آوى) وفيه (والرجل الأرمد العين إذا استقبل بها الريح، تعرّض لأن تزداد رمداً ـ باب الملك والطائر) وقال أبو حيان التوحيدي في كتابه (أخلاق الوزيرين): (والله، للخروج من الطارف والتليد أسهل من التعرّض لهذا القول والصبر عليه وقلة الاكتراث به / 90) قال هذا، في اليزيدي هجاه شاعرٌ هجاء مرّاً.
وقال المرزوقي في شرح الحماسة (789): (حتى كان يترك السفر واكتساب الأحدوثة بما يُمتهن فيه، ويتعرض من أجله للتلف). قال فيه (738): (أما تخافون أن يحق عليكم العذاب إذا استهنتم بالوعيد.. وتعرضتم لسخط الله عز وجل، في تجاوز مأموره). وقال (80): (وأما قتلٌ، وهو بالحرِّ أجدر من التعرض لما يُخزيه ويُكسبه الذل). وقال (816): (وابتذاله النفس وتعرضه للحتف)، والحتف: الهلاك.
وقال ابن جني في الخصائص (470): (وإنما وجب أن يرتَّب هذا العمل هذا الترتيب من قبل أنك لمَّا كرهت الواو هنا لما تتعرض له من الكسرة والياء)، وقال في المحتسب (1 / 179): (والفضلة متعرّضة للحذف والبذلة). وقال فيه (1 / 243): (إن الفَعلة واحدة من جنسها، والواحد مُعرَّض للتثنية والجمع)، أفرأيت كيف جعل (متعرضة) من تعرّض له. كـ (معرَّضة) من عُرِّض له، فأنزلهما في المعنى منزلة واحدة.
خلاصة القول في معنى (تعرّض له):
فاستبان بما تقدم أن (تعرض له) كـ (عُرّض له) أو (أعرض له)، من قولك عرّضته لكذا فتعرض له، فيكون (تعرّض) هذا من قبيل (تفعل) الذي يدل على المطاوعة نحو حذَّرته فتحذر ونبّهته فتبَّنبَّه وعزَّيته فتعزّى، وقد أنكره الأستاذ جواد بلا بيِّنه وأباه بلا سلطان. ويأتي (تعرَّض له) بهذا المعنى كلما ابتغاك الشيء فجعلك غرضاً له، نحو قولك (تركت السفر الطويل مخافة التعرض للمرض). أما إذا ابتغيت الشيء وعزمت على طلبه كان (تعرّض له) كـ (تصدّى له). ويكون (تعرض) هذا من قبيل (تفعَّل) الذي يدل على تكلف الفاعل بإصرار كتتبع وتقصَّي وتحرَّى، وذلك كقولك (ينبغي للمرء أن يتعرض لأسباب المرض فيعالجها ويحاول أن يتَّقيها).
وليست المفارقة أن تأتي صيغة (تفعَّل) للتكلف حيناً والمطاوعة حيناً آخر، ولكن المفارقة أن يجتمع لفعل واحد بهذه الصيغة وهو (تعرَّض)، التكلف والمطاوعة جميعاً. والذي عندي أن الأصل فيه التكلف وهو المعنى الغالب لتفعل. أما المطاوعة فقد كانت فرعاً عليه. فالأصل ألا تتعرض للتلف إذا عنيت به أنك أبديت عُرضك له وأمكنته منه، وإنما الوجه أن يتعرض لك أن يبتغيك ويعرض لك ويعترضك،، فإذا قلت (تعرضت للتلف) وأردت المعنى الأول فهو على القلب لا على الأصل. وشبيه بهذا ما مثل به المبرّد للقلب من كلام العرب في كتابه (الكامل) وهو قولهم (المرأة تنوء بها عجيزتها) أي تثقلها، وقولهم (وهي تنوء بعجيزتها) أي تنهض بها مثقلة.
على أنه إذا كان الأصل ألاَّ يبتغي المرء ما يتفق منه معاناة أو نصب أو يتعرض فيتصدّى لما يجلب عليه العناء والشقاء، فقد يطلب المرء المشقة نفسها، بل يركب أكتاف الشدائد ليحقق بذلك غاية ويبلغِ مُنية. فانظر إلى قول الجاحظ في كتاب الحيوان حول ما قاسى من نصب وعانى من صعد ولقي من برحٍ في تأليف كتابه واستتمام فصوله، (لأني كنت لا أفرغ فيه إلى تلفظ الأشعار وتتبع الأمثال واستخراج الآي من القرآن، والحجج من الرواية، مع تفرّق هذه الأمور في الكتب، وتباعد ما بين الأشكال. فإن وجدت فيه خللا من اضطراب لفظ ومن سوء تأليف.. فلا تنكر بعد أن صورت عندك حالي التي ابتدأت عليها كتابي، ولولا ما أرجو من عون الله على إتمامه.. لما تعرضت لهذا المكروه). فليس التعرض ها هنا على معنى إبداء عُرضه للمكروه وتعريض صفحته له لتلقِّي أثره واحتمال بوائقه، وإنما هو على معنى التصدي والابتغاء.
وعندي أن من هذا القبيل قول زاهر التيمي:
ومحشُّ حربٍ مُقدِم متعرّض للموت غير مُعرِّد حيَّاد
كالليث لا يَثنيه عن إقدامه خوف الردى وقعاقع الإيعاد
مذِلْ بمهجته إذا ما كذّبت خوف المنية نجدةُ الأنجاد
قال المرزوقي (683): (يريد أنه يقدم ولا يُحجم... هو في بأسه وإقدامه مثل الليث لا يصرفه عن الوجه الذي يؤمه، والأمر الذي يُهمه ما يستشعره الجبان من خوف الموت وقعقعة الوعيد)، وأردف (وقوله: مَذل بمهجته، كأنه يطول تعرّضه للشدائد ويدوم ابتذاله لما يجب صونه من كرائم النفس، فعل من ضجر بمهجته فاستقتل واستطاب الموت فتعجل. ويقال مَذِل بسرّه: إذا باح به).
القول في تعدية (تعرض) هل يكون بـ (إلى) كما كان باللام؟
جاء في كتاب (تذكرة الكاتب) للأستاذ أسعد خليل داغر، رحمه الله: (ويعدّون الفعل تعرض بإلى فيقولون ـ لم يفكروا أن يتعرضوا إلى أحد ـ وهو بهذا المعنى إنما يتعدى باللام تقول- تعرض له وطلبه). فأنكر بذلك تعدية (تعرّض) بإلى، وليس هذا صحيحاً. فإذا قلت (تعرّض إلى فلان) فقد قصدت أن تعرّضك إنما تناول فلاناً بطلبه وابتغائه. وإذا قلت (تعرّض لفلان) فقد أردت أن تعرضك بالطلب والابتغاء إنما انتهى وصار إليه. فقد جاء في كتاب لطائف اللطف لأبي منصور النيسابوري الثعالبي المتوفى (429 هـ): (معن بن زائدة تعرض إليه رجل فقال: احملني أيها الأمير، فقال: أعطوه جملاً وفرساً وبغلاً وحماراً وجارية، وقال: لو علمت أن الله تعالى خلق مركوباً سوى ما ذكرناه لأمرنا لك به). فقال (تعرض إليه رجل) وعدّى الفعل بإلى خلافاً لما ذهب إليه الأستاذ داغر. ونحو من ذلك ما جاء في النهاية لابن الأثير: (وفي حديث الوليد بن يزيد عبد الملك: أفقر بعد مسلمة الصيد لمن رمى أي أمكن الصيد من فقاره لراميه. أراد أن عمه مسلمة كان كثير الغزو يحمي بيضة الإسلام ويتولى سداد الثغور، فلما مات اختل ذلك وأمكن الإسلام لمن يتعرض إليه، فقال: أفقرك الصيد، فارمه أي أمكنك من نفسه ـ مادة فقر).
القول في تعدية (أجاب)
ومما نحن على سمته تعدية (أجاب) ومصدره (الإجابة) واسم مصدره (الجواب). ففي شرح مجمع الأمثال (يقال أجاب إجابة وجابة وجواباً وجيبة). وتعدية الفعل في الأصل تكون بـ (عن)، فاستعمال الفعل بـ (على) دون (عن) لحن إذا أريد بـ (على) ما يُراد بـ (عن) من الإجابة عن السؤال أو ما يقوم مقامه. لكن تصرَّف الفعل ب، (عن) لا يمنع تعديته بغيره من الحروف الجارّة التي حُدَّت معانيها المطَّردة في الأمهات، إذا اتسعت لها معاني الفعل. فأنت تقول مثلاً (أجبت في الكتاب) على الظرفية، و(بالكتاب) على الاستعانة والظرفية أيضاً، و(أجبت عنه) على البدلية، و(على ورقة بيضاء) على الاستعلاء الحسِّي، و(أجبت لأمر مهم) على التعليل، و(أجبت عن الأسئلة من أولها إلى آخرها) على ابتداء الغاية وانتهائها.
وإذا أردت بالفعل أو مصدره أن يترتب على أمر من الأمور أو يُبنى عليه فعدولك بالتعدية إلى (على) سائغ مستقيم، كقولك (وإنما أجبتكم عن أسئلتكم، على ما جاء في كتابكم) أو (إنما جوابي عن أسئلتكم، على ما جاء في كتابكم). وتحذف إن شئت (عن أسئلتكم) لظهور الغرض، استغناء بما في الكتاب من ترتب الجواب الذي يقتضي (على) إذا أردت أن ينصرف الذهن إلى هذا فتقول: وإنما أجبتكم، على ما جاء في كتابكم،) و(إنما جوابي، على ما جاء فيه) فيكون كلامك صحيحاً، إذا انتويت فيه هذه الجهة.
فانظر إلى ما جاء في أمالي المرتضى (1 / 490): (فإن قيل كيف يجوز أن يقول: السجن أحب إلي مما يدعونني إليه يوسف / 33، وهو لا يحب ما دعونه جملة... قلنا قد تستعمل هذه اللفظة في مثل هذا الموضع، وإن لم يكن في معناها اشتراك، على الحقيقة. وإنما يسوغ ذلك على أحد الوجهين دون الآخر، من حيث كان المخيَّر بين الشيئين لا يخيَّر بينهما إلا وهما مرادان أو مما يصح أن يريدهما... والمجيب على هذا، متى قال كذا أحبّ إليّ من كذا، كان مجيباً على ما يقتضيه موضوع التخيير، وإن لم يكن الأمران يشتركان في تناول محبته). فتقدير قوله (والمجيب على هذا متى قال...) والمجيب بناء على هذا متى قال، وقوله (كان مجيباً على ما يقتضيه..) كان مجيباً جواباً مترتباً على ما يقتضيه..
وقد جاء في الأشباه والنظائر (3 / 257): (فتقول الجواب عليه من وجهين) أي الجواب المترتب عليه، إنما يكون من وجهين.
وجاء في الخصائص لابن جني (2 / 266): (ومن ذلك قولك في جواب من قال لك: الحسن أو الحسين أفضل، أم ابن الحنفية؟ الحسن، أو قولك الحسين، وهذا تطوع من المجيب بما لا يلزم.. ذلك أن جوابه على ظاهر سؤاله، أن يقول له: أحدهما. ألا ترى أنه لما قال له: الحسن أو الحسين أفضل أم ابن الحنفية، فكأنه قال أحدهما أفضل أم ابن الحنفية؟ فجوابه، على ظاهر سؤاله، أن يقول أحدهما). فما تعليل قوله (جوابه على ظاهر سؤاله) أقول أنه على تقدير. جوابه المبني على ظاهر سؤاله. وقد أردف ابن جني: (ونظير قوله في الجواب على اللفظ..) أي في الجواب المحمول على اللفظ، و(على) في كل ذلك للاستعلاء مجازاً.
تعدية (أجاب) بعن وعلى ومعناه مع كل منهما:
ومن هنا كان الطعن على تعدية (أجاب) بغير (عن) دون تدبر معناه وما هو عليه من تقدير الكلام، مجازفة في القول، وحكم لا تناط به ثقة ولا يُخلد إليه بيقين.
ونحو من ذلك قول الدكتور مصطفى جواد في كتابه ( وهذا جواب على الكتاب. وذلك لأن المسموع عن العرب، والمذكور في كتب العربية: أجاب عن السؤال، لا أجاب عليه، ولأن معنى الفعل، أجاب، يستوجب استعمال ـ أجاب، يس
avatar
Admin
Admin
Admin

عدد المساهمات : 468
نقاط : 1432
السٌّمعَة : 34
تاريخ التسجيل : 21/01/2010

الإبْدال:

مُساهمة من طرف Admin في السبت فبراير 06, 2010 9:26 am

الإبْدال:

-1 تعريفُه: هو جَعْلُ مُطْلَقِ حَرفٍ مكانَ حَرْفٍ من غير إدْغَامٍ وَلا قَلْب (انظر الإدغام والقلب كل في حرفه)

-2 أقسام الإبْدال.

الإبدالُ قِسْمان:

"الأول" أن يُبدَل إبْدالاً نادراً وهو سَبْعَةُ أحْرُفٍ مَجْمُوعَةٍ في أوائل قَوْلِكَ: "قَدْ خَابَ ذُو ظُلْمٍ ضَاعَ حِلْمُه غَيَّاً" أي القاف، والخاء، والذال، والظاء والضاد، والحاء والغين، وذلك كقولهم "لَحْمٌ خَراذِل "بالذال المعجمة: "في خَرادِل" (كذا في الخضري وفي القاموس: خراديل ومعناه مقطع) بالمهملة - أي مُقَطَّع وقَرأ الأَعْمَشُ " فَشَرِّذْ بهم" بالمعجمة بدل المُهْمَلة، وفي قولهم "وُقْنَةٌ" بدل "وُكْنَة" (بيت القطا) وفي "عَطَر" بدل "خَطَر".

"الإبدال الثاني": وهو ما يُبْدَلُ إبْدالاً شائعاً وهو قسمان:

(1) غيرُ ضروريٍّ في التَّصْريفِ وهو اثنانِ وعِشْرون حَرْفاً، يَجْمَعُها قولك: "لِجِدٍّ صُرِف شَكْسٌ آمِنٌ طَيَّ ثَوْبِ عِزَّتِه". (المراد من هذه الجملة حروفها فقط على أن معناها كما قال المُحشيِّ: لجد صرف شكس موصوف بأنه آمن طي ثوب عزته لأجل الجد وهو كناية عن تغير حاله)

(2) الإبدالُ الشَّائعُ الضَّروري في التصريف وهو تسعة أحرف جمعها ابن مالك بقوله "هَدأْتَ مُوطِياً" (المراد من هذه الجملة ما اشتملت عليه من حروف ومعنى هدأت: سكنت ومُوطياً: اسم فاعل من أوطأت الرَحْل إذا جعلته وطيئاً لكنه خفف همزته). وأما غيرُ هذه الحروفِ فإبْدَالُها من غيرها شاذٌّ، وذلك كقولهم في "اضْطَجَعَ" "الْطَجعَ" بإبْدَالِ اللاَّمِ مِنَ الضَّادِ. وقولهم في "أُصَيْلال" "أُصَيْلان" كقول النابغة:

وَقَفْتُ فيها أُصَيْلاناً أُسَائِلها * أَعْيَتْ جَواباً وَمَا في الرَّبع من أَحَدِ

هذا وقد رتب الإبدال هنا على حسب الحروف. إبْدال التَّاءِ مِنْ الوَاوِ واليَاء: إذا كَانتِ الواوُ والياءُ فاءً لوزن "الافتِعال" وما تَصرَّفَ منه، مثالُه في "الواو "اتِّصال" و "اتّصَل" و "يتَّصِل" و "اتّصِلْ" و "مُتَّصِلِ" و "مُتَّصِلٌ به".

والأصل فيهن: إوتصال، أوتصل، يوتصل، أوتصل، موتصل، موتصل به. قلبت الواو وهي فاء الافتعال - تاء وأدغِمَتْ بالتاء. ومثاله في الياء "اتَّسَارٌ " و" اتَّسَرَ" و "يتَّسِرُ" و "اتَّسِرْ" و "متَّسِرٌ" "مُتَّسَرٌ". والأصل فيهن: "ايتسَار" "إيتَسِرْ" "يَتْيَسِر" "مُيْتَسِر" "مُيْتَسَر" لأنه من اليُسر، قُبلت الياء - وهي فاء الافتِعال - تاءً وأُدغمَتْ بالتاء، قال الأَعْشَى يُهدَّدُ عَلْقمةَ ابن عُلاثَة:

فإنْ تَتَّعدْني أَتَّعدْكَ بمثلِها * وسَوفَ أَزيدُ الباقياتِ القَوارِضَا

اتعدته: أوعدته بالشر. القوارض: جمع قارض وهي الكلمة المؤذية.

ومثل اتَّعدَ ويَتَّعِدُ اتَّلَجَ ويَتَّلِجُ قال طَرَفَةُ بن العبد:

فإنَّ القَوافي يَتَّلِجْنَ مَوَالجاً * تَضَايقُ عنها أن تَوَلَّجها الإِبر

اتَّلج: من الولوج، الموالج: جمع مولج، موضع الوُلوج وهو الدخول.

أصل يتَّلجْن: يَوْتَلِجْن من الوُلوج، أُبْدلت الواوُ تاءً، وأُدغمتْ في التاء.

وتقول في "افْتَعَلَ" من الإِزَارِ "إيْتَزَرَ" (أصلها: إئتزر فسهلت الهمزة إلى ياء).

فلا يَجُوزُ إبدالُ الياءِ تاءً وإدْغَامُها في التَّاء، لأنَّ هذه الياءَ بَدَلٌ من هَمزة، وليست أصْليةً وشذَّ قولهم في افتَعَلَ من الأكل: "اتَّكَلَ".

إبْدَال الدَّال من تَاءِ الافتِعال:

إذا كانَتْ فاءُ "الافْتِعال" "دَالاً مُهْمَلَةً" أو "ذالاً"، أو "زَايَاً" أبْدِلت تاؤُه دالاً مُهْمَلةً، فتقول من "دَان" على افْتَعل "ادَّانَ" بالإِبدال والإِدغام لِوُجُودِ المِثلين. ومن "زَجَر" على افْتعَل أيضاً "ازْدَجَرَ".

وأصْلُها " ازْتَجَرَ " ومِن " ذَكَرَ " " اذْدَكَرَ " ولك فيه الأوْجهُ الثَّلاثَةُ في "اظْطَلم" (انظر إبدال الطاء من تاء الافتعال). فتقولُ "اذْدَكَرَ" و "ادَّكَر" و "اذَّكَرَ" وقُرِئَ شَاذاً "فهَل من مُذَّكِر" بالذال المعجمية المشدَّدة.

إبْدال الطَّاء من تَاءِ الافتِعال:

تُبدَلُ وُجُوباً الطَّاءُ من تَاءِ "الافْتِعَال" إذا كانت فاؤه "صَاداً أو ضَاداً، أو طَاءً أو ظَاءً" وتُسمَّى أحرفَ الإطباق (سميت حروف الإطباق لانطباق اللسان معها على الفك الأعلى) في جميع التَّصَاريف، فتقول في "افْتَعَل" من "صَبَر: اصْطَبر" وأصلُها: اصْتَبَرَ على وَزْن افْتَعَلَ. ومن "ضَرَبَ: اضْطَرَبَ" وأصْلُها: اضْتَرَبَ.

ومن "ظَلَمَ: اظْطَلَم: وأصلها: "اظْتَلَم" ومن "طَهُر: اطَّهَّر" وأصْلُها: "اطْتَهَّرَ" وبَجِبُ في "اطَّهَّر" الإدغام لاجْتِماعِ المِثْلين وسكونِ أوَّلِهِما.

ولكَ في "اظْطَلَم" ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ: "اظْطَلَم" وهو الأصْل، وإبدالِ الظاءِ المُعْجمة طاءً مُهمَلةً مع الإدْغَام، فتقول: "اطَّلمَ" وإبدال الطاء المُهمَلة ظاءً مع الإدغام فبقولك "اظَّلَمَ" وقد رُوي بالأوجه الثلاثة قولُ زُهير يمدح هَرم بنَ سِنان:

هُوَ الجَوادُ الذي يُعطِيك نَائِلَهُ * عَفْواً وَيُظْلَمُ أحْياناً فَيَظَّلمُ

أوْ فَيَطَّلمُ أوْ فَيظْطَلمُ.

إبْدَالُ المَدِّ مِنَ الهَمْزَة:

إذا اجْتَمَعَ فِي كَلٍِمة واحِدةٍ هَمْزتان وَجَب التخفيف إنْ لم يَكونَا في مَوْضِع العَيْن، ثم إنْ تَحرَّكَتْ أَولاَهُمَا، وَسَكَنَتْ ثَانِيهُما، وَخَبَ إبْدَالُ الثانِية مَدَّةً تُجَانِسُ حَرَكةَ الأُولَى. فإنْ كَانَتْ حَرَكَتُها فَتْحَةً أُبْدِلتِ الثانيةُ ألِفاً نحو "آمَنْتُ" وإن كانت حرَكَةُ الأُولَى ضَمَّةً أَبدِلَت وَاواً نحو: "أُوثرتُ" وإن كانت كَسْرةً أُبْدِلَتْ يَاءً نحو "إيمَان".

وإنْ تَحَرَّكَتْ ثَانيتُهما فإنْ كانَتْ حركتُها فتحةً وحَرَكةُ ما قَبْلَهَا فَتْحضةً أو ضَمَّةً قُلِبَتْ وَاواَ، فالفتحة نحو "أَوَادِم" (أصل الجمع "أاَجم" بهمزتين فألف التكسير أبدلت الهمزة الثانية واواً لفتحها إثْرَ فَتْح) جمع "آدَم" والضمةُ نحو "أُوَيمْر" تصغِير "أَمْر".

وإنْ كَانَتْ حركةُ مَا قَبْلَهَا كَسْرةً قُلبت ياءً نحو "إيَمّ" من "أَمَّ" أي صَارَ إمَاماً، أو بمعنى قَصَد، وأصله "إئْمَمْ" فنُقِلتْ حركةُ المِيمِ الأولَى إلى الهَمْزة التي قَبلها وأُدغِمتِ الميمُ في المِيم فصار "إئَمَّ". ثم انقلبت الهمزةُ الثانيةُ ياءً فصار إيَمّ.

إبْدَالُ الميمِ مِنَ الواوِ وَالميم:

تُبْدَلُ الميمُ مِنَ الوَاوِ وُجُوباً في "فَمْ" وأصْلهُ "فُوه" بدليل تَكْسِيره على أفْوَاهٍ فَحَذَفُوا الهاءَ تَخْفِيفاً ثم أبْدَلُوا الميمَ مِنَ الوَاوِ.

فإذا أُضِيفَ إلى ظاهِرٍ أو مُضْمَر يُرْجَع به إلى الأصل فَيُقَال: "فُوعَمَّار". و "فوكَ" وبُبَّما بَقِي الإبْدالُ مع الإِضَافَة نحو قوله صلى اللّه عليه وسلم:

"لَخَلُوفُ (الخلوف: طيب الرائحة) فَمِ الصَّائِم أطْيَبُ عندَ اللهِ من رِيحِ المِسْك" ونحو قولِ رُؤْبة:

كالحُوتِ لا يُلْهيهِ شَيْءٌ يَلْقَمُهْ * يُصْبحُ ظَمآناً وفي البحر فَمُهْ

وتُبَدل الميمُ مِنَ النون بِشَرْطَيْن: سكُونِها، وَوُقُوعها قَبلَ الباءِ، سواءٌ أكانَتَا في كلمةٍ نحو: {انْبَعَث أَشْقَاهَا} (الآية "12" من سورة الشمس "91") أو كَلِمَتَيْن نحو: {مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا} (الآية "52" من سورة يس "36" ).

ويُسمِّي مثلَ هَذا عُلَماءُ التَّجويدِ: إقْلاباً.

إبدالُ الهاءِ من التاءِ:

تُبْدَلُ الهاءُ من التاء اطِّراداً في الوقوف على نحو "نِعمة" و "رَحْة" وهي تاءُ التأنيث التي تَلْحَق الأسْمَاءَ وَبَعْضَ الحرُوف.

وإبدالُهَا من غَير التاءِ مسموحٌ في الألف تقول: "هَرَقْتُ الماءَ" والأصْلُ: أَرَقْتُ الماءَ. وفي " هِيَّاكَ" وأصْلُها: إيَّاك و "لهَنَّكَ" وأصْلها: لِأَنَّك. و "هَرَدْتُ الخير" أصلها: أَرَدْت. و "هَرَحْتُ الدَّابَّةَ" أصلُها: أَرَحْتُ.

إبدالُ الهَمزَة من ثَانِي حَرْفَين لَيِّنَيْنِ بينهما مَدَّةٌ:

تُبْدَلُ الهَمْزةُ من ثَاني حَرْفَين لَيِّنَين بينهما مَدَّةُ "مَفَاعِل" كـ "نَيَّف" جَمعْتَه جَمْعَ تكسير على "نَيَائِف" وأصلُها "نَيَايِفُ" ألِفٌ بَيْن ياءَين، فَقُلِبَتْ وُجُوباً الياءُ الثانيةُ بعد الألف هَمَزةً، ومِثْل "أَوَائِل" مُفْردُه أوَّل. أصلُه "أوَاوِل" فقُلِبَتِ الواوُ الثانِيةُ بعدَ الأَلِفِ هَمْزَةً.

فلو تَوَسَّط بينهما مَدَّة "مَفَاعِيل" امتنع قلبُ الثانِي منها همزةً، كـ "طَوَاوِيس" ولذلك قُيِّد بِمَدِّ "مفاعل".

تَتِمَّةٌ لهاتَيْن المسألتين: إذا اعْتَلَّتْ لامُ أحَدِ هَذَيْنِ النوعين بياءٍ أوْ وَاوٍ فإنهُ يُخَفَّفُ بإبْدَالِ كَسرِ الهمزةِ فَتْحةً، ثُمَّ إبدالها ياءً فمثال الأول "قَضِيَّة وَقَضَايَا"، وأصله "قَضَائي" بإبدال مَدَّةِ الواحِدِ همزة كما في "صَحيفة، وصحائف".

فأبْدَلُوا كَسْرَةَ الهَمزةِ فَتْحةً، فَتَحركَتِ الياءُ وانفتح ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ أَلِفاً فَصَارَتْ "قَضَاءَا" فأُبْدِلت الهمزةُ ياءً فصارتْ: "قَضَايَا".

ومِثالُ الثاني: "زَاوِيَةٌ وَزَوَايا" وأصْلُه "زَوَائِي" بإبْدَال الوَاوِ الوَاقِعَةِ بعدَ أَلَفِ الجمعِ همزة كـ "نَيَّف ونيائف" فقَلَبوا كسرةَ الهمزةِ فَتْحةً فقُلبَتِ الياءُ أَلَفاً لِتُحَرِّكُها وانْفِتَاحِ ما قَبْلها فصارَ "زَوَاءَا" ثم قَلَبُوا الهمزةَ يَاءً، فصارَ "زَوَايَا".

وأمَّا لفظة "هَرَاوَة وهَرَوَى" فأصْلُ الجَمْعِ "هَرَائِو" كَصَحَئف فَقُلِبَتْ كَسْرةُ الهمزةِ فَتْحةً، وقُلِبتِ الواوُ أَلِفاً لِتُحرِّكها وانْفِتَاحِ ما قبْلَها فصَارَتْ "هَراءَا" ثم قَلَبُوا الهمزةَ وَاواً فصارت "هَرَاوَى".

إبْدَالُ الهمزةِ من كلِّ وَاوٍ أو ياءِ:

تبدل الهمزةُ من كل "واو" أو "ياء" إذا وقَعتْ إحْدَاهُما طَرَفاً بعد ألفٍ زائدة نحو "دُعَاء" و "بِنَاء" والأصلُ "دَعاو" و "بِنَاي" من "دَعَوْتُ" و "بنيت".

فلو كانت الألفُ التي قبلَ الياءِ أو الواوِ غيرَ زائدة لم تُبْدَل نحو "آيَة" و "رَايَة"، وكذلك إذا لم تَتَطَرَّف الياء أو الواو كـ "تَبَايُنٍ" و "تَعَوُنٍ" وكذلك لَو تَطَرَّفت لا بَعدَ أَلِفٍ كـ "دَلْوٍ" و "ظَبْي". وكُلُّ ما كان على وَزْنِ "فاعِل" وَكَانَتْ عينُه حَرْفَ عِلَّةٍ تُبْدل الهمزة من الوَاوِ و الياءِ نحو "قائلٍ" و "بائع" وأصلهما: "قاوِل" و "بايع" من القول و البيع. فإن لم تُعَلَّ العينُ في الفعل صَحَّتْ في اسمِ الفاعل نحو "عَوِرَ فهو عَاوِر" و "عيِن (عَيِنَ: أي اتّسعَ سوادُ عَيْنه) فهو عَايِن".

إبْدالُ الهَمْزةِ مِمَّا وَليَ ألِفَ الجَمْعِ:

تُبدَل الهَمْزَةُ أيْضاً مما يَلي ألِفَ الجمعِ الذي على مِثالِ "مَفاعل" إنْ كانَتْ مَدَّةً مَزِيدَةً في الوَاحِد نحو: "قِلاَدَة وقَلائدِ" و "صحِيفَة وصَحَائف" و "عجُوز وعَجَائز".

فلو كانت غيرَ مَدَّة لم تبدل نحو "قَسْوَرة"(قَسْوَرَة: اسمٌ للأسد)، وكذلكَ إنْ كَانَتْ مَدَّةً غيرَ زَائِدةٍ نحو "مَفَازَة ومَفَاوِز" و "معِيشةٍ ومَعَايِش" إلاَّ فِيما سُمِع فلا يُقاس عَلَيْهِ نحو "مُصِيبة ومَصَائِب".

إِبْدَالُ الهَمْزَةِ من الواو:

وذلكَ إذا اجْتَمَعَ وَاوَان بأوَّلِ كَلِمةٍ ووَجَبَ إبْدَالُ الهَمْزةِ من الواوِ نحو قولك: "واصِلَةٌ" وجمعها "أَوَصِلُ" وأَصْلُ الجَمع "وَوَاصِلُ" بوَاوِيْن الأُولَى فاءُ الكَلِمة والثانيةُ بَدَلٌ من ألف "فَاعِلة".

فإن كانتِ الثانيةُ بَدَلاً من ألِف "فاعل" لم يَجِب الإِبْدَال نحو "وُوفِيَ" و "وورِيَ" أصله: وافَى وَوَارَى، فلما بُنِي للمفعُول احْتِيجَ إلى ضَمِّ مَا قَبْلَ الألِفِ، فأُبدِلتِ الأَلِفُ وَاوَاً.
avatar
Admin
Admin
Admin

عدد المساهمات : 468
نقاط : 1432
السٌّمعَة : 34
تاريخ التسجيل : 21/01/2010

ملحة الإعراب للحريرى القاسم بن على

مُساهمة من طرف Admin في السبت فبراير 06, 2010 9:29 am

ملحة الإعراب
للحريرى القاسم بن على

أرجوزة في النحو وتقع في أربعة وسبعين بيتاً وثلاثماية بيت التزم فيها أن يأتي في آخر كل باب بمثال يوضحه ليمكن تفهمه بعد إيراد الأحكام والشروط المستوفاة

القاسم بن علي بن محمد بن عثمان, أبو محمد الحريري البصري: الأديب الكبير صاحب « المقامات الحريرية ـ ط» سماه « مقامات أبي زيد السروجي». ومن كتبه « درة الغواص في أوهام الخواص ـ ط» و « ملحة الإعراب ـ ط» و « صدور زمان الفتور وفتور زمان الصدور» في التاريخ و « توشيح البيان». وله شعر حسن في « ديوان» و « ديوان رسائل». وكان دميم الصورة غزير العلم. مولده بالمشان (بليدة فوق البصرة) ووفاته بالبصرة. ونسبته إلىَ عمل الحرير أو بيعه. وكان ينتسب إلىَ ربيعة الفرس. قال مرجليوث: ترجم شولتنز وريسكه نماذج من مقامات الحريري إلىَ اللاتينية في القرن الثامن عشر, وظهرت لها تراجم في كثير من اللغات الأوربية الحديثة, مثل ترجمة روكرت Ruckert الألمانية وترجمة Chemery and Steingass الإنجليزية.
المقدمة
أقولُ مِن بَعدِ افتِتَاحِ القولِ
بِحمدِ ذي الطَّوْلِ شديدِ الحَولِ
وبَعدَهُ فأفضَلُ السّلامِ
على النّبيّ سَيّدِ الأنَامِ
وءالِهِ الأطهَارِ خيرِ ءالِ
فافهَم كَلامي واستَمِعْ مَقَالي
يَا سَائِلي عن الكَلامِ المُنتَظِمْ
حَدًّا ونَوعًا وإلى كَمْ يَنقَسِمْ
اسمَع هُدِيتَ الرُّشدَ مَا أقولُ
وافهَمْهُ فَهمَ مَن لهُ مَعقُولُ

باب الكلام
حدُّ الكَلامِ ما أفادَ المُستَمِعْ
نحوُ سَعَى زَيدٌ وعَمروٌ مُتَّبِعْ
ونَوعُهُ الذي عليهِ يُبنَى
اسمٌ وفِعلٌ ثم حرفُ مَعنَى

باب الاسم
فالاسمُ مَا يَدخُلُهُ مِنْ وإلى
أو كانَ مَجرورًا بِحتّى وعَلَى
مثَالُهُ زيدٌ وخَيلٌ وغَنَمْ
وذَا وتلكَ والذي ومَنْ وكَمْ

باب الفعل
والفِعلُ مَا يَدخُلُ قَدْ والسّينُ
عليهِ مِثلُ بَانَ أو يَبِينُ
أو لَحِقَتْهُ تاءُ مَن يُحدّثُ
كقولِهم في لَيسَ لستُ أَنفُثُ
أو كانَ أمرًا ذَا اشتِقَاقٍ نحوُ قُلْ
ومثلُهُ ادخُلْ وانبَسِطْ واشرَبْ وكُلْ

باب الحرف
والحرفُ ما ليستْ لهُ عَلامَهْ
فَقِسْ على قَولي تَكُنْ عَلامَهْ
مثالُهُ حتّى ولا وَثُمَّا
وهل وبَل ولَو ولَم ولَمَّا

باب النكرة والمعرفة
والاسم ضربَانِ فضَربٌ نَكِرَهْ
والآخَرُ المعرِفَةُ المُشتَهِرَهْ
فَكلُّ ما رُبَّ عليهِ تَدخُلُ
فإنهُ مُنَكَّرٌ يَا رَجُلُ
نحوُ غُلامٍ وكتابٍ وطَبَقْ
كقولِهِم رُبَّ غُلامٍ لي أَبَقْ
ومَا عَدا ذلكَ فَهْوَ مَعرِفَهْ
لا يَمتَري فيهِ الصّحيحُ المَعرِفَهْ
مِثَالُهُ الدَّارُ وزَيدٌ وأنَا
وذَا وتلكَ والذي وذُو الغِنَى
وءالةُ التَّعريفِ أَلْ فمَن يُرِدْ
تَعريفَ كَبْدٍ مُبهَمٍ قالَ الكَبِدْ
وقالَ قومٌ إنّها اللامُ فقطْ
إذْ ألِفُ الوَصلِ مَتى تُدرَجْ سَقَطْ

باب قسمة الأفعال
وإن أردتَ قِسمَةَ الأفعالِ
________________________________________
لِينجَلي عنكَ صَدَا الإشكَالِ
فَهْيَ ثَلاثٌ مَا لهُنَّ رابعُ
ماضٍ وفِعلُ الأمرِ والمُضارِعُ
فكلُّ ما يَصلُحُ فيهِ أَمسِ
فإنهُ ماضٍ بغيرِ لَبْسِ
وحُكمُهُ فَتحُ الأخيرِ منهُ
كَقولِهِم سَارَ وبَانَ عنهُ

باب الأمر
والأمرُ مبنيٌّ على السُّكُونِ
مِثَالُهُ احذَرْ صَفْقَةَ المَغبُونِ
وإنْ تَلاهُ أَلِفٌ وَلامُ
فَاكسِرْ وقُلْ لِيَقُمِ الغُلامُ
وإنْ أَمَرتَ مَنْ سَعى ومَن غَدَا
فأَسقِطِ الحَرفَ الأخيرَ أبَدَا
تقولُ يا زيدُ اغدُ في يومِ الأحَدْ
واسعَ إلى الخَيراتِ لُقِّيتَ الرَّشَدْ
وهكذا قَولُكَ في ارمِ مِنْ رَمَى
فَاحذُ على ذلكَ فيما اسْتُبهِما
والأمرُ مِنْ خَافَ خَفِ العِقَابَا
ومِنْ أجَادَ أجِدِ الجَوَابَا
وإن يكُن أمرُكَ للمُؤنَّثِ
فقُلْ لهَا خَافي رِجَالَ العَبَثِ

باب الفعل المضارع
وإن وَجدتَ همزَةً أو تَاءَ
أو نُونَ جَمعٍ مُخْبِرٍ أو يَاءَ
قد أُلحِقَتْ أوَّلَ كلِّ فِعلِ
فإنهُ المُضارِعُ المُستَعلي
وليسَ في الأفعالِ فِعلٌ يُعرَبُ
سِواهُ والتّمثيلُ فيهِ يَضرِبُ
والأحرُفُ الأربَعةُ المُتَابَعَهْ
مُسَمَّياتٌ أحرُفَ المُضَارَعَهْ
وسِمطُهَا الحَاوي لهَا نَأَيْتُ
فاسمَعْ وَعِ القَولَ كما وَعَيتُ
وضَمُّها مِن أصلِهَا الرُّباعي
مثلُ يُجيبُ مِن أجابَ الدَّاعِي
ومَا سِواهُ فَهْيَ منهُ تُفْتَتَحْ
ولا تُبَلْ أخَفَّ وَزنًا أم رَجَحْ
مثَالُهُ يذهَبُ زيدٌ ويَجِي
ويَستَجِيشُ تَارَةً ويَلتَجِي

باب الإعراب
وإنْ تُرِدْ أن تعرِفَ الإعرَابَا
لتَقتفي في نُطقِكَ الصَّوَابا
فإنهُ بالرفعِ ثمّ الجَرِّ
والنَّصبِ والجَزمِ جَميعًا يَجري
فالرفعُ والنّصبُ بلا مُمَانعِ
قد دَخَلا في الاسمِ والمُضَارِعِ
والجرُّ يَستَأثِرُ بالأسمَاءِ
والجَزمُ في الفعلِ بِلا امتِرَاءِ
فالرفعُ ضَمُّ ءاخرِ الحُروفِ
والنّصبُ بالفتحِ بلا وُقوفِ
________________________________________
والجَرُّ بالكسرةِ للتَّبيينِ
والجَزمُ في السَّالِمِ بالتَّسكينِ

تنوين الاسم المفرد المنصرف
ونَوِّنِ الاسمَ الفَريدَ المُنصَرِفْ
إذا دَرَجتَ قَائلاً ولم تَقِفْ
وقِفْ على المنصوبِ منهُ بالألفْ
كمِثلِ ما تَكتُبُهُ لا يَختَلفْ
تَقولُ عَمرٌو قد أضَافَ زيدًا
وخَالدٌ صَادَ الغَدَاةَ صَيدًا
وتُسقِطُ التَّنوينَ إنْ أضَفتَهْ
أو إنْ يَكنْ باللامِ قَدْ عَرَّفتَهْ
مِثَالُهُ جاءَ غُلامُ الوَالي
وأقبَلَ الغُلامُ كَالغَزَالِ

فصل في الأسماء الستة المعتلة المضافة
وسِتّةٌ تَرفَعُهَا بالواوِ
في قولِ كُلّ عَالمٍ ورَاوِي
والنَّصبُ فيها يا أُخَيَّ بالألفْ
وجَرُّهَا بالياءِ فاعرِفْ واعتَرِفْ
وَهْيَ أخُوكَ وأبو عِمرَانَا
وذُو وَفُوكَ وَحَمُو عُثمَانَا
ثمّ هَنُوكَ سادسُ الأسماءِ
فاحفَظْ مَقالي حِفْظَ ذي الذَّكاءِ

باب حروف العلة
والواوُ والياءُ جميعًا والألفْ
هُنَّ حروفُ الاعتِلالِ المُكتَنِفْ

إعراب الاسم المنقوص
والياءُ في القاضي وفي المُستَشرِي
ساكنَةٌ في رَفعِهَا والجَرِّ
وتُفتَحُ الياءُ إذا ما نُصِبَا
نحوُ لَقِيتُ القَاضِيَ المُهَذَّبَا
ونَوِّنِ المُنَكَّرَ المَنقُوصَا
في رفعهِ وجرّهِ خُصُوصَا
تقولُ هذا مُشتَرٍ مُخَادِعُ
وافزَعْ إلى حَامٍ حِمَاهُ مَانِعُ
وهكذا تفعلُ في يَاءِ الشَّجِي
وكلُّ ياءٍ بعدَ مكسُورٍ تَجِي
هذا إذا ما وَرَدَتْ مُخَفَّفَهْ
فافهَمْهُ عنّي فَهمَ صَافي المَعرفهْ

إعراب الاسم المقصور
وليسَ للإعرابِ فيما قد قُصِرْ
مِن الأسامي أَثَرٌ إذا ذُكِرْ
مثالُهُ يَحيَى ومُوسى والعَصَا
أو كَحَيًا أو كَرَحًا أو كَحَصَى
فهذهِ ءاخرُهَا لا يَختلِفْ
على تصاريفِ الكَلامِ المُؤتَلِفْ

إعراب المثنى
ورَفْعُ ما ثَنَّيتَهُ بالألفِ
________________________________________
كقولِكَ الزّيدَانِ كانَا مَألَفِي
ونصبُهُ وجرُّهُ بالياءِ
بغيرِ إشكالٍ ولا مِرَاءِ
تقولُ زيدٌ لابِسٌ بُردَيْنِ
وخالدٌ مُنطَلِقُ اليَدينِ
وتَلحَقُ النُّونُ بما قد ثُنِّي
مِنَ المَفَاريدِ لِجَبرِ الوَهْنِ

إعراب جمع المذكر السالم
وكلُّ جَمعٍ صحَّ فيهِ وَاحدُهْ
ثم أتَى بعدَ التَّنَاهي زَائِدُهْ
فَرَفعُهُ بالواوِ والنونُ تَبَعْ
نحوُ شَجَاني الخَاطِبُونَ في الجُمَعْ
ونصبُهُ وجرُّهُ بالياءِ
عندَ جميعِ العَرَبِ العَرْبَاءِ
تقولُ حَيِّ النَّازِلينَ في مِنَى
وسَلْ عنِ الزَّيدِينَ هل كانوا هُنَا
ونُونُهُ مَفتوحةٌ إذ تُذكَرُ
والنُّونُ في كلِّ مُثنًّى تُكسَرُ
وتَسقُطُ النُّونانِ في الإضَافَهْ
نحوُ رأيتُ ساكِني الرَّصَافَهْ
وقد لَقِيتُ صاحبَيْ أَخِينَا
فاعلَمْهُ في حذفِهِمَا يَقينَا

إعراب جمع المؤنث السالم
وكلُّ جمعٍ فيهِ تاءٌ زَائِدهْ
فَارفَعْهُ بالضّمّ كرَفعِ حَامِدَهْ
ونصبُهُ وجَرُّهُ بالكسرِ
نحوُ كَفَيتُ المُسلماتِ شَرّي

إعراب جمع التكسير
وكلُّ ما كُسِّرَ في الجُموعِ
كالأُسدِ والأبياتِ والرُّبوعِ
فَهْوَ نظيرُ الفردِ في الإعرابِ
فاسمَعْ مقَالي واتَّبِعْ صَوَابي

باب حروف الجر
والجرُّ في الاسم الصحيحِ المنصَرِفْ
بأحرفٍ هُنّ إذا ما قيلَ صِفْ
مِن وإلى وفي وحتى وعَلى
وعَن ومنذُ كَمْ وحَاشَا وخَلا
والباءُ والكافُ إذا ما زِيدَا
واللامُ فاحفَظْهَا تكنْ رَشيدَا
ورُبَّ أيضًا ثمّ مُذْ فيما حَضَرْ
مِن الزّمانِ دونَ ما منهُ غَبَرْ
تقولُ ما رأيتُهُ مُذْ يَومِنَا
ورُبَّ عبدٍ كيّسٍ مرَّ بنَا
ورُبَّ تأتي أبدًا مُصَدَّرهْ
ولا يَليها الاسمُ إلا نَكِرَهْ
وتارةً تُضمَرُ بعدَ الواوِ
كقولِهِم ورَاكبٍ بَجَاوي

حروف القسم
ثمّ تَجُرُّ الاسمَ بَاءُ القَسَمِ
________________________________________
وَوَاوُهُ والتّاءُ أيضًا فاعلَمِ
لكنْ تَخُصُّ التّاءَ باسمِ اللهِ
إذا تَعجَّبتَ بلا اشتِبَاهِ

باب الإضافة
وقد يُجَرُّ الاسمُ بالإضَافَهْ
كقولِهِم دارُ أبي قُحَافَهْ
فتارةً تأتي بمَعنى اللامِ
نحوُ أتَى عَبدُ أبي تَمَّامِ
وتارةً تأتي بمعنَى مِنْ إذا
قلتَ مَنَا زيتٍ فَقِسْ ذاكَ وذَا

باب الأسماء التي تجر بمعنى الإضافة
وفي المُضَافِ ما يَجُرُّ أبدَا
مثلُ لَدُنْ زيدٍ وإن شئتَ لَدَى
ومنهُ سُبحانَ وذُو ومِثلُ
ومَعْ وعندَ وأُولُو وكلُّ
ثمَّ الجِهَاتُ السّتُّ فوقُ وَوَرَا
ويَمنَةٌ وعَكسُهَا بِلا مِرَا
وهكذا غيرُ وبعضُ وسِوَى
في كَلِمٍ شَتَّى رَوَاهَا مَن رَوَى

باب كم الخبرية
واجرُرْ بكمْ ما كنتَ عنهُ مُخبِرَا
مُعَظّمًا لِقَدرِهِ مُكَثِّرَا
تقولُ كَمْ مالٍ أفَادَتْهُ يَدِي
وكم إمَاءٍ مَلَكَتْ وأَعبُدِ

باب المبتدإ والخبر
وإنْ فَتَحتَ النّطقَ باسمٍ مُبتَدَا
فارْفَعْهُ والأخبارَ عنهُ أبَدَا
تقولُ مِن ذلكَ زيدٌ عَاقِلُ
والصّلحُ خيرٌ والأميرُ عَادِلُ
ولا يَحُولُ حُكمُهُ مَتَى دَخَلْ
لكنْ على جُملَتِهِ وهَلْ وبَلْ

فصل تقديم الخبر
وقَدِّمِ الأخبارَ إذ تَستَفهِمُ
كقولِهِم أينَ الكَريمُ المُنعِمُ
ومثلُهُ كيفَ المريضُ المُدْنَفُ
وأيّها الغَادي متَى المُنصَرَفُ
وإنْ يكُنْ بعضُ الظّرُوفِ الخَبَرَا
فَأوْلِهِ النَّصبَ ودَعْ عنكَ المِرَا
تقولُ زيدٌ خَلْفَ عمرٍو قَعَدَا
والصومُ يومَ السبتِ والسَّيرُ غَدَا
وإنْ تَقُلْ أينَ الأميرُ جالِسُ
وفي فَنَاءِ الدّارِ بِشْرٌ مَائِسُ
فجَالسٌ ومَائِسُ قدْ رُفِعَا
وقد أُجِيزَ الرّفعُ والنّصبُ مَعَا

اشتغال الفعل عن المفعول بضمير
وهكذا إنْ قُلتَ زيدٌ لُمْتُهُ
وخالدٌ ضرَبتُهُ وضِمتُهُ
فالرّفعُ فيهِ جَائزٌ والنّصبُ
________________________________________
كلاهُمَا دَلَّتْ عليهِ الكُتْبُ

باب الفاعل
وكلُّ ما جاءَ مِنَ الأسماءِ
عَقِيبَ فعلٍ سَالِمِ البِنَاءِ
فارفَعْهُ إذْ تُعرِبُ فَهْوَ الفاعلُ
نحوُ جَرَى الماءُ وجَارَ العَاذِلُ

فصل توحيد الفعل
وَوَحِّدِ الفعلَ مَعَ الجَمَاعَهْ
كقولِهِم سَارَ الرّجالُ السّاعَهْ
وإنْ تَشَأْ فَزِدْ عليهِ التّاءَ
نحوُ اشتَكَتْ عُرَاتُنَا الشّتاءَ
وتُلحَقُ التاءُ على التّحقيقِ
بكلّ ما تَأنِيثُهُ حَقيقي
كقولِهِم جاءَتْ سُعادُ ضَاحِكهْ
وانطلَقتْ نَاقَةُ هندٍ رَائِكَهْ
وتُكسَرُ التّاءُ بلا مَحَالَهْ
في مثلِ قَدْ أَقبَلَتِ الغَزَالهْ

باب ما لم يسم فاعله
واقضِ قضاءً لا يُرَدُّ قائِلُهْ
بالرّفعِ فيما لم يُسَمَّ فاعِلُهْ
مِن بعدِ ضَمِّ أوَّلِ الأفعالِ
كقولِهم يُكتَبُ عهدُ الوَالي
وإن يكن ثانِي الثُّلاثيِّ ألِفْ
فاكسِرْهُ حينَ تَبتَدي ولا تَقِفْ
تقولُ بِيعَ الثّوبُ والغُلامُ
وكِيلَ زَيتُ الشّامِ والطّعامِ

باب المفعول به
والنّصبُ للمفعولِ حُكمٌ وَجَبَا
كقولِهم صَادَ الأميرُ أرنَبَا
وربما أُخِّرَ عنهُ الفَاعلُ
نحوُ قدِ استَوفَى الخَرَاجَ العَامِلُ
وإنْ تقُلْ كلَّمَ موسى يَعلَى
فقدِّمِ الفاعلَ فَهْوَ أولَى

باب ظننت وأخواتها
وكُلُّ فعلٍ مُتَعَدَ يَنصِبُ
مفعولَهُ مثلُ سَقَى ويَشرَبُ
لكنَّ فعلَ الشكِّ واليَقينِ
يَنصِبُ مفعولينِ في التَّلقينِ
تقولُ قدْ خِلتُ الهِلالَ لائحَا
وقدْ وجَدتُ المُستَشَارَ ناصحَا
وما أظنُّ عامِرًا رفيقَا
ولا أرَى لي خالدًا صَديقَا
وهكذا تَصنَعُ في عَلِمْتُ
وفي حَسِبْتُ ثم في زَعَمْتُ

باب عمل اسم الفاعل المنون
وإنْ ذَكَرْتَ فاعلا مُنوَّنَا
فَهْوَ كما لو كانَ فِعلا بَيِّنَا
فارفَعْ بهِ في لازمِ الأفعالِ
وانصِبْ إذا عُدّي بكلّ حَالِ
________________________________________
تقولُ زيدٌ مُستوٍ أبوهُ
بالرّفعِ مثلُ يستَوي أخوهُ
وقُلْ سعيدٌ مُكرِمٌ عثمانَا
بالنصبِ مثلُ يُكرِمُ الضِّيفَانَا

باب المصدر
والمَصدرُ الأصلُ وأىُّ أصلِ
ومنهُ يا صَاحِ اشتقاقُ الفعلِ
وأوجَبَتْ لهُ النّحاةُ النَّصبَا
كقولِهم ضربْتُ زيدًا ضربَا
وقدْ أُقيمَ الوصفُ والآلاتُ
مَقَامَهُ والعددُ الإثبَاتُ
نحوُ ضربْتُ العبدَ سوطًا فَهَرَبْ
واضرِبْ أشدَّ الضّربِ مَنْ يَغْشَى الرِّيَبْ
واجلِدْهُ في الخمرِ اربعينَ جَلدَهْ
واحبِسهُ مثلَ حبسِ زيدٍ عبدَهْ
وربَّما أُضمِرَ فعلُ المصدرِ
كقولِهم سَمعًا وطَوعًا فاخبُرِ
ومثلُهُ سَقيًا لهُ ورَعيَا
وإن تَشأْ جَدْعًا لهُ وَكيَّا
ومنهُ قد جاءَ الأميرُ رَكْضَا
واشتَمَلَ الصَّمَّاءَ إذْ تَوَضَّا

باب المفعول له
وإن جَرى نُطقُكَ بالمفعولِ لهْ
فانصِبْهُ بالفعلِ الذي قد فَعلَهْ
وهْوَ لَعَمري مصدَرٌ في نفسِهِ
لكنَّ جنسَ الفعلِ غيرُ جنسِهِ
وغالبُ الأحوالِ أَن تَرَاهُ
جوَابَ لِمْ فعلْتَ ما تَهوَاهُ
تقولُ قد زُرتُكَ خوفَ الشَّرِّ
وغُصْتُ في البحرِ ابتغاءَ الدُّرِّ

باب المفعول معه
وإنْ أقمتَ الواوَ في الكلامِ
مُقامَ معْ فانصِبْ بلا مَلامِ
تقولُ جاءَ البَرْدُ والجِبَابَا
واستوَتِ المياهُ والأخشابَا
وما صَنعتَ يا فتى وسَعدا
فقِسْ على هذا تُصادِفْ رُشدَا
باب الحال
والحالُ والتّمييزُ منصوبانِ
على اختلافِ الوَضعِ والمَبَاني
ثمَّ كِلا النّوعينِ جاءَ فَضلَهْ
مُنكَّرًا بعدَ تمامِ الجُملَهْ
لكنْ إذا نظرتَ في اسمِ الحالِ
وجدتَهُ اشتقَّ منَ الأفعالِ
ثمّ تُرَى عندَ اعتبارِ مَنْ عَقَلْ
جوابَ كيفَ في سؤالِ مَنْ سَألْ
مثالُهُ جاءَ الأميرُ راكبَا
وقامَ قُسٌ في عُكاظَ خاطبَا
ومنهُ مَنْ ذا بالفَنَاءِ قاعدَا
وبِعتُهُ بدرهمٍ فصاعدَا
فصل التمييز
وإنْ تُرِدْ معرفةَ التّمييزِ
لكي تُعَدَّ مِنْ ذوي التّمييزِ
________________________________________
فَهْوَ الذي يُذكَرُ بعدَ العَددِ
والوَزنِ والكَيلِ ومَذروعِ اليدِ
ومِنْ إذا فَكّرْتَ فيهِ مُضمَرَهْ
مِنْ قبلِ أنْ تذكُرَهُ وتُظهِرَهْ
تقولُ عندي مَنَوانِ زُبْدًا
وخمسةٌ وأربعونَ عبدًا
وقدْ تصدَّقتُ بصاعٍ خلا
ومَا لهُ غيرُ جَريبٍ نَخلا
ومنهُ أيضًا نِعْمَ زيدٌ رجلا
وبِئسَ عبدُ الدّارِ منهُ بدَلا
وحَبَّذا أرضُ البَقيعِ أرضَا
وصالحٌ أطهَرُ منكَ عِرضَا
وقدْ قَرِرْتَ بالإيابِ عينَا
وطِبْتَ نفسًا إذ قضيتَ الدَّينَا

باب كم الاستفهامية
وكمْ إذا جِئْتَ بها مُستَفهِمَا
فانصِبْ وقُلْ كمْ كوكبًا تَحوي السَّمَا

باب الظرف
والظرفُ نوعانِ فظرفُ أزمِنَهْ
يجري مَعَ الدّهرِ وظرفُ أمْكِنَهْ
والكلُّ منصوبٌ على إضمارِ في
فاعتبرِ الظّرفَ بهذا واكتَفِ
تقولُ صامَ خالدٌ أيَّامَا
وغَابَ شهرًا وأقامَ عامَا
وباتَ زيدٌ فوقَ سطحِ المَسجدِ
والفَرَسُ الأبلَقُ تحتَ مَعبَدِ
والرّيحُ هَبَّتْ يَمنَةَ المُصلّي
والزّرعُ تِلقَاءَ الحَيَا المُنْهلِّ
وقيمةُ الفِضَّةِ دونَ الذَّهبِ
وثَمَّ عمرٌو فادْنُ منهُ واقرُبِ
ودارُهُ غربيَّ فيضِ البَصرَهْ
ونخلُهُ شرقيَّ نهرِ مُرَّهْ
وقدْ أكلتُ قبلَهُ وبعدَهُ
وإثرَهُ وخلفَهُ وعندَهُ
وعندَ فيها النّصبُ يَستمرُّ
لكنَّها بِمِنْ فقطْ تُجَرُّ
وأينما صادَفتَ في لا تُضمَرُ
فارفعْ وقُلْ يومُ الخميسِ نَيِّرُ

باب الاستثناء
وكلُّ ما استثنَيتَهُ مِن مُوجَبِ
تمَّ الكلامُ عندَهُ فليُنصَبِ
تقولُ جاءَ القومُ إلا سَعدَا
وقَامت النّسوةُ إلا دَعدَا
وإنْ يكنْ فيما سِوى الإيجَابِ
فأَوْلِهِ الإبدالَ في الإعرابِ
تقولُ ما الفَخرُ إلا الكَرَمُ
وهلْ محلُّ الأمنِ إلا الحَرَمُ
وإن تقُلْ لا ربَّ إلا اللهُ
فَارفَعْهُ وارفَعْ ما جَرى مَجرَاهُ
وانصِبْ إذا ما قُدّمَ المُستثنَى
تقولُ هل إلا العِراقَ مَغنَى
وإن تكنْ مُستثنيًا بما عدَا
________________________________________
أوْ ما خَلا أو ليسَ فانصِبْ أبدَا
تقولُ جاؤا ما عَدَا محمّدَا
وما خَلا عمرًا وليسَ أحمَدَا
وغيرُ إنْ جئتَ بها مُستَثنيَهْ
جَرَّتْ على الإضافةِ المُستوليَهْ
ورَاؤُهَا تُحكمُ في إعرابِهَا
مثلَ اسمِ إلا حينَ يُستثنَى بهَا
باب لا التي لنفي الجنس
وانصِب بلا في النّفي كلَّ نَكِرَهْ
كقولِهم لا شكَّ فيما ذَكَرَهْ
وإنْ بَدَا بينَهُما مُعترِضُ
فارفعْ وقُلْ لا لأبيكَ مُبغِضُ
وارفعْ إذا كرَّرتَ نفيًا وانصِبِ
أو غايِرِ الإعرابَ فيهِ تُصِبِ
تقولُ لا بيعٌ ولا خِلالُ
فيهِ ولا عَيبٌ ولا إخلالُ
والرّفعُ في الثّاني وفَتحُ الأوَّلِ
قد جازَ والعَكسَ كذاكَ فافعَلِ
وإنْ تَشأْ فافتَحهُمَا جميعَا
ولا تَخَفْ ردًّا ولا تَقريعَا
باب التعجُّب
وتُنصَبُ الأسماءُ في التَّعجُّبِ
نَصْبَ المَفاعيلِ فلا تَستَعجِبِ
تقولُ ما أحسَنَ زيدًا إذ خَطَا
وما أحدَّ سيفَهُ حين سَطَا
وإنْ تعجَّبتَ منَ الألوانِ
أو عَاهةٍ تَحدُثُ في الأبدانِ
فابنِ لها فعلاً مِنَ الثُّلاثي
ثمَّ ائتِ بالألوانِ والأحدَاثِ
تقولُ ما أنقَى بَيَاضَ العَاجِ
وما أشدَّ ظُلمَةَ الدَّياجِي

باب الإغراء
والنّصبُ في الإغراءِ غيرُ مُلتَبِسْ
وَهْوَ بفعلٍ مُضمَرٍ فافهَمْ وقِسْ
تقولُ للطّالبِ خِلاًّ بَرَّا
دُونكَ بِشرًا وعليكَ عَمْرَا

باب التحذير
وتَنصِبُ الاسمَ الذي تُكرِّرُهْ
عن عِوَضِ الفعلِ الذي لا تُظهِرُهْ
مثلَ مَقَالِ الخَاطِبِ الأوَّاهِ
اللهَ اللهَ عبادَ اللهِ

باب إنّ وأخواتها
وسِتَّةٌ تَنتَصِبُ الأسماءُ
بها كما تَرتَفِعُ الأنباءُ
وَهْيَ إذا رَوَيتَ أو أمليتَا
إنَّ وأنَّ يا فتَى وليتَا
ثم كأنَّ ثمَّ لكنَّ وعَلْ
واللُّغةُ المشهورةُ الفُصحَى لَعَلْ
وإنَّ بالكسرةِ أُمُّ الأحرُفِ
تَأتي مَعَ القولِ وبعدَ الحَلِفِ
واللامُ تختَصُّ بمعمُولاتِهَا
ليَستَبينَ فَضلُها في ذَاتِهَا
________________________________________
مثالُهُ إنَّ الأميرَ عادلُ
وقد سمعْتُ أنَّ زيدًا راحِلُ
وقيلَ إنَّ خالدًا لَقَادِمُ
وإنَّ هندًا لأَبُوهَا عَالِمُ
ولا تُقَدّمْ خَبَرَ الحُروفِ
إلا مَعَ المجرورِ والظّرُوفِ
كقولِهم إنَّ لِزيدٍ مالا
وإنَّ عندَ عامِرٍ جِمَالا
وإنْ تُزِدْ ما بعدَ هذي الأحرُفِ
فالرّفعُ والنّصبُ أُجيزَا فاعرِفِ
والنّصبُ في لَيتَ لعَلَّ أظهَرُ
وفي كأنَّ فاستمِعْ ما يُؤثَرُ

باب كان وأخواتها
وعَكسُ إنَّ يا أُخَيَّ في العَمَلْ
كانَ وما انفَكَّ الفتَى ولم يَزَلْ
وهكذا أصبحَ ثمّ أمسَى
وظلَّ ثم بَاتَ ثمّ أضحَى
وصارَ ثم ليسَ ثم ما بَرِحْ
وما فتِي فافقَهْ بَيَاني المُتَّضِحْ
وأُختُها ما دامَ فاحفَظَنْهَا
واحذَر هُديتَ أن تَزيغَ عنهَا
تقولُ قد كانَ الأميرُ راكبَا
ولم يزلْ أبو عليَ عَاتِبَا
وأصبحَ البَردُ شديدًا فاعلَمِ
وباتَ زيدٌ ساهرًا لم يَنَمِ
ومَن يُرِدْ أن يجعلَ الأخبارَا
مُقدَّمَاتٍ فليَقُلْ ما اختَارَا
مثالُهُ قد كانَ سَمْحًا وائِلُ
وواقفًا بالبابِ أضحَى السّائلُ
وإنْ تَقُلْ يا قومِ قد كانَ المَطَرْ
فلستَ تحتَاجُ لها إلى خَبَرْ
وهكذا يصنَعُ كلُّ من نَفَثْ
بها إذا جٍاءَتْ ومعنَاهَا حَدَثْ
والبَاءُ تختَصُّ بليسَ في الخَبَرْ
كقولِهم ليسَ الفتَى بالمُحتَقَرْ

فصل ما النافية الحجازية
وما التي تَنفي كليسَ النَّاصِبَهْ
في قولِ سُكّانِ الحِجَازِ قَاطِبَهْ
فقولُهُم ما عَامِرٌ مُوَافِقَا
كقولِهِم ليسَ سعيدٌ صَادِقَا

باب النداء
ونادِ مَن تدعُو بيَا أو بِأيَا
أو همزةٍ أو أيْ وإنْ شئتَ هَيَا
وانصِبْ ونوّنْ إنْ تُنادِي النَّكِرَهْ
كقولِهم يَانَهِمًا دَعِ الشَّرَهّ
وإنْ يكن معرفةً مُشتَهِرَهْ
فلا تنوّنْهُ وضُمَّ ءاخرَهْ
تقولُ يا سعدُ أَيَا سعيدُ
ومثلهُ يا أيُّها العَميدُ
وتَنصِبُ المُضافَ في النّداءِ
كقولِهم يا صَاحبَ الرّداءِ
________________________________________
وجائزٌ عندَ ذَوي الأفهَامِ
في يَا غُلامُ قَوْلُ يا غُلامي
وجوَّزوا فَتحَةَ هذي اليَاءِ
والوَقفَ بعدَ فَتحِها بالهاءِ
والهَاءُ في الوقفِ على غُلامِيَهْ
كالهاءِ في الوقفِ على سُلطانِيَهْ
وقالَ قومٌ فيهِ يا غلامَا
كما تَلَوْا يا حَسرَتَا على مَا
وحَذفُ يَا يجوزُ في النّدَاءِ
كقولِهم ربِّ استجِبْ دُعائي
وإنْ تَقُلْ يا هذهِ أو يَا ذَا
فَحذفُ يَا مُمتَنِعٌ يَا هذا

باب الترخيم
وإن تشَا التّرخيمَ في حالِ النّدَا
فاخصُصْ بهِ المعرفةَ المُنفَرِدَا
واحذِفْ إذا رَخَّمتَ ءاخرَ اسمِهِ
ولا تُغيّرْ ما بقِي عن رسمِهِ
تقولُ يا طَلْحَ ويا عَامِ اسمَعَا
كما تقولُ في سعَادَ يا سُعَا
وقد أُجيزَ الضَّمُّ في الترخيمِ
تَقولَ يا عامُ بضمِّ الميمِ
وألقِ حرفينِ بلا غُفولِ
مِن وزنِ فَعْلانَ ومِن مفعولِ
تقولُ في مروانَ يا مَروَ اجلسِ
ومثلُهُ يا مَنْصُ فافهمْ وقِسِ
ولا تُرَخّمْ هندَ في النّدَاءِ
ولا ثُلاثيًّا خَلا مِن هاءِ
وإنْ يكن ءاخرَهُ هاءٌ فقُلْ
في هبةٍ يا هِبَ مَن هذا الرجُلْ
وقولُهُم في صاحبٍ يا صَاحِ
شذَّ لمعنًى فيهِ باصطِلاحِ

باب التصغير
وإن تُرِدْ تصغيرَ الاسمِ المُحتَقَرْ
إما لتَهَاونٍ وإما لصِغَرْ
فضُمَّ مبدَاهُ لهذي الحَادِثهْ
وزِدهُ ياءً تبْديها ثَالِثَهْ
تقولُ في فَلْسٍ فُلَيسٌ يا فتَى
وهكذا كلُّ ثُلاثيَ أَتَى
وإنْ يكن مؤنَّثًا أردَفتَهُ
هاءً كما تُلحِقُ لو وَصفتَهُ
فصغِّرِ النّارَ على نُوَيْرَهْ
كما تقولُ نارُهُ مُنيرَهْ
وصغِّرِ القِدْرَ فقُلْ قُدَيرَهْ
كما تقولُ قِدرُهُ كبيرَهْ
وصَغِّرِ البابَ فقُلْ بُوَيْبُ
والنّابُ إن صغّرتَهُ نُيَيْبُ
لأنَّ بابًا جمعُهُ أبوابُ
والنّابُ أصلُ جمعِهِ أنيَابُ
وفاعلٌ تَصغيرُهُ فُوَيعِلُ
كقولِهِم في رَاجِلٍ رُوَيْجِلُ
وإن تجِدْ مِن بعدِ ثانيهِ ألفْ
فاقلِبْهُ ياءً أبدًا ولا تَقِفْ
________________________________________
تقولُ كمْ غُزَيِّلٍ ذَبَحْتُ
وكم دُنَيْنيرٍ بهِ سَمَحْتُ
وقل سُرَيْحِينٌ لِسِرحانٍ كما
تقولُ في الجمعِ سَرَاحينُ الحِمَى
ولا تُغيّرْ في عُثيمانَ الألِفْ
ولا سُكيرَانَ الذي لا يَنصَرِفْ
وهكذا زُعيفِرَانُ فاعتبِرْ
بهِ السُّداسِيَّاتِ وافقَهْ ما ذُكِرْ
واردُدْ إلى المحذوفِ ما كانَ حُذِفْ
من أصلهِ حتى يَعودَ مُنتَصِفْ
كقولِهِم في شَفَةٍ شُفَيْهَهْ
والشّاةُ إنْ صغَّرتَهَا شُوَيْهَهْ

فصل الحروف الزوائد
وألقِ في التّصغيرِ ما يُستَثقَلُ
زَائدُهُ أو مَا تَرَاهُ يَثقُلُ
والأحرفُ اللاتي تُزادُ في الكَلِمْ
مجموعُهَا قولُكَ يا هَوْلُ استَنِمْ
تقولُ في مُنْطَلِقٍ مُطَيْلِقُ
فافهَمْ وفي مُرتزِقٍ مُرَيزِقُ
وقيلَ في سفرجلٍ سُفَيْرِجُ
وفي فتًى مُستخرِجٍ مُخَيْرِجُ
وقد تُزادُ اليَاءُ للتّعويضِ
والجَبرِ للمصغَّرِ المَهِيضِ
كقولِهِم إنَّ المُطَيليقَ أتَى
واخبَا السُّفَيريجَ إلى فصلِ الشّتَا
وشذَّ مما أصَّلوهُ ذَيَّا
تصغيرُ ذَا ومثلُهُ اللَّذَيَّا
وقولُهُم أيضًا أُنَيْسِيَانُ
شذَّ كما شذَّ مُغَيْرِبَانُ
وليسَ هذا بمثالٍ يُحذَى
فاتَّبِعِ الأصلَ ودَعْ ما شذَّا

باب النَّسَب
وكلُّ منسوبٍ إلى اسمٍ في العرَبْ
أو بلدةٍ تَلحَقُهُ ياءُ النَّسَبْ
فَشَدِّدِ اليَاءَ بلا توقُّفِ
مِنْ كلِّ منسُوبٍ إليهِ فاعرِفِ
تقولُ قد جاءَ الفتَى البَكرِيُّ
كما تقولُ الحَسَنُ البِصريُّ
وإنْ يكُن في الأصلِ هَاءٌ فاحذِفِ
كمثلِ مَكّيَ وهذا حَنَفِي
وإنْ يكُنْ مما على وَزنِ فتَى
أو وزنِ دُنيَا أو على وزنِ متَى
فأبدِلِ الحَرفَ الأخيرَ وَاوَا
وعاصِ مَنْ مَارَى ودَعْ مَنْ نَاوَى
تقولُ هذا عَلَويٌّ مُعْرِقُ
وكلُّ لهوٍ دُنيويَ مُوبِقُ
وانسُبْ أخَا الحِرفَةِ كالبَقَّالِ
ومَنْ يُضاهيهِ إلى فَعَّالِ

باب التوابع
والعَطفُ والتّوكيدُ أيضًا والبَدَلْ
________________________________________
توابِعٌ يُعرَبْنَ إعرابَ الأُوَلْ
وهكذا الوَصفُ إذا ضاهَى الصِّفَهْ
مَوصوفُهَا مُنَكَّرًا أو معرِفَهْ
تقولُ خَلِّ المَزحَ والمُجُونَا
وأقبَلَ الحُجَّاجُ أجمَعونَا
وامرُرْ بزيدٍ رجُلٍ ظريفِ
واعطِفْ على سائلِكَ الضّعيفِ
والعطفُ قدْ يدخُلُ في الأفعالِ
كقولِهِم ثِبْ واسمُ للمَعَالي

باب حروف العطف
وأحرُفُ العطفِ جميعًا عَشَرَهْ
محصورَةٌ مأثُورَةٌ مُسَطَّرَهْ
الواوُ والفاءُ وثمَّ للمَهَلْ
ولا وحتّى ثمَّ أوْ وأَمْ وبَلْ
وبعدَهَا لكِنْ وإمّا إنْ كُسِرْ
وجاءَ في التّخييرِ فاحفَظْ ما ذُكِرْ

باب ما لا ينصرف
هذا وفي الأسماءِ ما لا يَنصَرِفْ
فَجَرُّهُ كنَصبِهِ لا يَختَلِفْ
وليسَ للتّنوينِ فيهِ مَدخَلُ
لِشِبْهِهِ الفِعلَ الذي يُستَثقَلُ
مثالُهُ أفعَلُ في الصّفاتِ
كقولِهِم أحمرُ في الشِّيَاتِ
أو جاءَ في الوزنِ مثَالَ سَكْرَى
أو وزنِ دُنيا أو مِثالَ ذِكرَى
أو وزنِ فَعلانَ الذي مُؤنَّثُهْ
فَعْلَى كسَكرَانَ فخُذْ ما أَنفُثُهْ
أو وزنِ فَعلاءَ وأفعِلاءَ
كمثلِ حسنَاءَ وأنبياءَ
أو وزنِ مَثنَى وثُلاثَ في العَدَدْ
إذ ما رَأى صَرْفَهُمَا قَطُّ أَحدْ
وكلُّ جمعٍ بعدَ ثانيهِ ألِفْ
وَهْوَ خُمَاسيٌّ فليسَ يَنصَرِفْ
وهكذا إنْ زادَ في المِثَالِ
نحوُ دنَانيرَ بلا إشكَالِ
فهذهِ الأوزانُ ليستْ تَنصرِفْ
في موطنٍ يَعرِفُ هذا المُعتَرِفْ
وكلُّ ما تأنيثُهُ بلا ألفْ
فَهْوَ إذا عُرِّفَ غيرُ مُنصَرِفْ
تقولُ هذا طلحَةُ الجَوَادُ
وهلْ أتَتْ زينبُ أَمْ سعادُ
وإن يكنْ مُخفَّفًا كَدَعدِ
فاصرِفْهُ إنْ شئتَ كصَرفِ سَعدِ
وأجرِ ما جاءَ بوزنِ الفِعلِ
مُجرَاهُ في الحكمِ بغيرِ فَصلِ
فقولُهُم أحمدُ مثلُ أذهَبُ
كقولِهِم تَغلِبُ مثلُ تَضرِبُ
وإن عَدَلْتَ فاعلاً إلى فُعَلْ
لم ينصرِفْ مُعَرَّفًا مثلُ زُحَلْ
والأعجميُّ مثلُ مِيكَائيلا
كذاكَ في الحُكمِ وإسمَاعيلا
________________________________________
وهكذا الاسمانِ حينَ رُكِّبَا
تركيبَ مَزجٍ نحوُ مَعدِ يْكَرِبَا
ومنهُ ما جاءَ على فَعلانَا
على اختلافِ فَائِهِ أحيانَا
تقولُ مروانُ أتَى كِرمَانَا
ورحمةُ الله على عُثمانَا
فهذهِ إنْ عُرِّفَتْ لم تَنصَرِفْ
وما أتَى مُنَكَّرًا منهَا صُرِفْ
وإنْ عَرَاهَا ألفٌ ولامُ
فما على صَارِفِهَا مَلامُ
وهكذا تُصرفُ في الإضَافَهْ
نحوُ سَخَى بأطيبِ الضِيَافَهْ
وليسَ مصروفًا مِنَ البِقَاعِ
إلا بِقَاعٌ جئنَ في السَّمَاعِ
مثلُ حُنَيْنٍ ومِنًى وبَدْرِ
وواسطٍ ودَابِقٍ وحِجْرِ
وجائزٌ في صَنعَةِ الشِّعرِ الصَّلِفْ
أنْ يَصرِفَ الشّاعرُ ما لا يَنصَرِفْ
باب العدد
وإنْ نَطقتَ بالعقودِ في العَددْ

فانظُرْ إلى المَعدودِ لُقّيتَ الرَّشَدْ
فأَثبِتِ الهَاءَ مَعَ المُذكَّرِ
واحذِفْ مَعَ المؤنَّثِ المُشتَهِرِ
تقولُ لي خمسةُ أثوابٍ جُدُدْ
وازمُمْ لهَا تسعًا مِنَ النّوقِ وقُدْ
وإنْ ذكرتَ العددَ المُركَّبَا
فَهْوَ الذي استَوجَبَ أنْ لا يُعرَبَا
فألحقِ الهَاءَ معَ المؤنَّثِ
بآخرِ الثّاني ولا تَكتَرِثِ
مثالُهُ عندي ثلاثَ عَشْرَهْ
جُمَانَةً منظُومَةً وَدُرَّهْ
وعكسُهَا يُعمَلُ في التّذكيرِ
بغيرِ إشكَالٍ ولا تَأخيرِ
وقد تَنَاهَى القولُ في الأسماءِ
على اختصارٍ وعلى استيفَاءِ

باب نواصب المضارع وجوازمه
وحَقَّ أنْ نشرَحَ شرحًا يُفهِمُ
ما يَنصِبُ الفعلَ وما قد يَجزِمُ
فتنصِبُ الفعلَ السّليمَ أنْ ولَنْ
وكي وكَيْلا ثُمّ حتى وإذَنْ
والنّصبُ في المُعتلِّ كالسّليمِ
فانصِبهُ تَشفي عِلَّةَ السّقيمِ
واللامُ حينَ تَبتَدي بالكَسرِ
كمثلِ ما تَكسِرُ لامُ الجرِّ
والفَاءُ إنْ جاءتْ جوَابَ النَّهي
والأمرِ والعَرْضِ معًا والنَّفي
وفي جَوابِ ليتَ لي وهَلْ فتَى
وأينَ مَغْدَاكَ وأنَّى ومتَى
والواوُ إنْ جاءتْ بمعنَى الجَمعِ
في طلبِ المأمورِ أو في المَنعِ
وتَنصِبُ الفِعلَ بأوْ وحتَّى
________________________________________
وكلُّ ذَا أُدِعَ كُتْبًا شتَّى
تقولُ أبغي يا فتَى أنْ تذهبَا
ولنْ أزَالَ قائمًا أو تَركَبَا
وجئتُ كي تُولِيَني الكَرَامهْ
وسِرتُ حتى أَدخُلَ اليَمَامَهْ
واقتَبِسِ العِلمَ لكيمَا تُكْرَمَا
وعاصِ أسبابَ الهَوَى لِتَسلمَا
ولا تُمارِ جاهلاً فتَتعَبَا
وما عليكَ عَتبُهُ فَتُعْتَبَا
وهلْ صديقٌ مُخلِصٌ فأُقْصِدَهْ
وليتَ لي كَنزَ الغِنَى فَأرفِدَهْ
وزُرْ فَتَلْتَذَّ بأصنَافِ القِرَى
ولا تُحاضِرْ وتُسِىءَ المَحضَرَا
ومنْ يَقُلْ إني سَأغشَى حَرَمَكْ
فقُلْ لهُ إني إذًا أحتَرِمَكْ
وقُلْ لهُ في العَرْضِ يا هذا ألا
تَنزِلُ عندي فتُصِيبَ مَأْكَلا
فهذهِ نَوَاصِبُ الأفعالِ
مَثَّلتُهَا فَاحذُ على تِمثَالِي
وإنْ تَكُنْ خَاتِمَةُ الفعلِ ألفْ
فَهْيَ على سُكُونِهَا لا تَختَلِفْ
تقولُ لنْ يَرضَى أبو السّعودِ
حتّى يَرَى نَتَائجَ الوُعودِ

فصل في الأمثلة الخمسة
وخمسةٌ تَحذِفُ منهُنَّ الطَّرَفْ
في نَصبِهَا فألقِهِ ولا تَخَفْ
وَهْيَ لَقِيتَ الخَيرَ تَفعَلانِ
ويَفعلانِ فاعرِفِ المَبَاني
وتفعلونَ ثمّ يَفعلونَا
وأنتِ يا أسمَاءُ تَفعَلينَا
فهذهِ تُحذَفُ منهَا النُّونُ
في نَصبِهَا ليَظهَرَ السّكُونُ
تقولُ للزَّيْدَيْنِ لنْ تَنطلِقَا
وفَرقَدَا السّماءِ لنْ يَفتَرِقَا
وجَاهِدوا يا قَومِ حتى تَغنَموا
وقَاتِلوا الكُفّارَ كَيمَا يُسلِموا
ولنْ يَطيبَ العَيشُ حتى تُسعَدِي
يا هندُ بالوَصلِ الذي يَشفي الصَّدِي
فصل الجوازم
ويُجزَمُ الفعلُ بِلَمْ في النّفْي
واللامِ في الأمرِ ولا في النّهي
ومِنْ حُروفِ الجَزمِ أيضًا لمَّا
ومَنْ يَزِدْ فيها يَقُلْ أَلمَّا
تقولُ لم تَسمَعْ كلامَ مَنْ عَذَلْ
ولا تُخَاصِمْ مَنْ إذا قالَ فَعَلْ
وخَالدٌ لمَّا يَرِدْ مَعْ مَنْ وَرَدْ
ومَنْ يَوَدَّ فَليُوَاصِلْ مَنْ يَوَدْ
وإنْ تَلاهَا ألفٌ ولامُ
فليسَ غيرُ الكسرِ والسَّلامُ
تقولُ لا تَنتَهِرِ المِسكِينَا
________________________________________
ومِثلُهُ لَمْ يَكنِ الَّذِينَا
وإنْ تَرَ المُعتلَّ فيها رِدْفَا
أو ءاخِرِ الفِعلَ فَسِمْهُ الحَذْفَا
تقولُ لا تَأسَ ولا تُؤذِ وَلا
تَقُلْ بِلا عِلم ولا تَحْسُ الطِّلا
وأنتَ يا زيدُ فَلا تَزدَدْ عَنَا
ولا تَبِعْ إلا بِنَقدٍ في مِنَى

فصل في الأمثلة الخمسة
والجَزمُ في الخَمسَةِ مثلُ النَّصْبِ
فَاقنَعْ بإيجَازي وقُلْ لي حَسبِي

فصل في الشرط والجزاء
هذا وإنْ في الشّرطِ والجَزَاءِ
تَجزِمُ فعلينِ بِلا امتِرَاءِ
وتِلوهَا أيٌّ ومَنْ ومَهمَا
وحيثُمَا أيضًا ومَا وإذمَا
وأينَ منهُنَّ وأَنَّى ومَتَى
فاحفَظْ جميعَ الأدَوَاتِ يا فتَى
وزَادَ قومٌ ما فقالوا إمَّا
وأينَما كمَا تَلَوْا أيَّامَّا
تقولُ إنْ تخرُجْ تُصَادِفْ رُشدَا
وأينَما تَذهَبْ تُلاقِ سَعدَا
ومَنْ يَزُرْ أزُرْهُ باتّفاقِ
وهكذا تَصنَعُ في البَوَاقي
فهذهِ جَوَازِمُ الأفعَالِ
جَلَوتُهَا مَنظُومَةَ اللآلِي
فَاحفَظْ وُقِيتَ السهوَ ما أملَيتُ
وقِسْ على المَذكورِ ما ألغَيتُ

باب البناء
ثمَّ تَعَلَّمْ أنَّ في بعضِ الكَلِمْ
ما هُوَ مبنيٌّ على وَضعٍ رُسِمْ
فسَكَّنوا مَنْ إذ بَنَوْهَا وأجَلْ
ومُذْ ولكنْ ونعمْ وكَمْ وهَلْ
وضُمَّ في الغَايَةِ مِن قَبلُ ومِنْ
بَعدُ وأمَّا بعدُ فافهَمْ وَاسَتبِنْ
وحيثُ ثُمَّ مُنذُ ثُمَّ نحنُ
وقَطُّ فَاحفَظْهَا عَدَاكَ اللَّحنُ
والفتحُ في أينَ وأيَّانَ وفي
كيفَ وشَتَّانَ ورُبَّ فاعرِفِ
وقد بَنَوا ما رَكَّبوا مِنَ العَدَدْ
بِفتحِ كلَ منهُما حينَ يُعَدْ
وأَمسِ مبنيٌّ على الكسرِ فإنْ
صُغّرَ صارَ مُعرَبًا عندَ الفَطِنْ
وجَيْرِ أيْ حقًّا وهؤلاءِ
كأمسِ في الكسرِ وفي البِنَاءِ
وقيلَ في الحربِ نَزَالِ مثلَ مَا
قالوا حَذَامِ وقَطَامِ في الدُّمَى
وقد بُنِيْ يَفعَلْنَ في الأفعَالِ
فما لهُ مُغيّرٌ بحَالِ
تقولُ منهُ النُّوقُ يَسْرَحْنَ وَلَمْ
________________________________________
يَسْرَحْنَ إلا لِلِّحَاقِ بِالنَّعَمْ
فهذهِ أمثلةٌ ممّا بُنِي
جَائِلَةٌ دَائِرَةٌ في الألسُنِ
وكلُّ مَبنيَ يكونُ ءاخِرَهُ
على سَوَاءٍ فَاستَمِعْ ما أذكُرَهُ
وقَدْ تَقَضَّتْ مُلحَةُ الإعرَابِ
مُودَعَةً بَدَائعَ الإعرِابِ
فَانظُرْ إليها نَظَرَ المُستَحسِنِ
وأحسِنِ الظَّنَّ بها وحَسِّنِ
وإنْ تَجِدْ عَيبًا فَسُدَّ الخَلَلا
فَجَلَّ مَنْ لا فيهِ عَيبٌ وَعَلا
والحمدُ لله على ما أوْلَى
فَنِعمَ مَا أوْلَى وَنِعمَ المَولَى
ثُمَّ الصَّلاةُ بعدَ حَمدِ الصَّمَدِ
على النَّبيِّ المُصطَفَى مُحمَّدِ
ثُمَّ على أصحَابِهِ وعِترَتِهْ
وتَابِعِي مَقَالِهِ وسُنَّتِهْ
وَءالِهِ الأفَاضِلِ الأخيَارِ
مَا انسَلَخَ الليلُ مِنَ النَّهَارِ
________________________________________

    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أكتوبر 18, 2018 1:38 am