برزت مصر كقوة عسكرية إقليمية خلال العام الماضى، وامتد تأثيرها السياسي والإستراتيجي والعسكري إلى العديد من دول المنطقة، وفى محيطها الأمنى، بدءًا من إثيوبيا جنوبًا وحتى اليونان وأوربا شمالًا، ثم اليمن ومنطقة الخليج شرقًا وحتى ليبيا غربًا، وهو ما دفع المخابرات الإسرائيلية ومراكز الأبحاث إلى تقييم الموقف العسكري الإقليمى في الشرق الأوسط ودور العسكرية المصرية فيه.
التقييم أعده البروفيسور «جاك نيرياه»، محلل شئون الشرق الأوسط في مركز القدس للشئون العامة، كما أنه شغل منصب مستشار السياسة الخارجية لرئيس الوزراء الأسبق، إسحاق رابين، ونائب رئيس قسم التقييم في المخابرات الحربية الإسرائيلية.
خطأ الإخوان التاريخي
وحول الموقف الحالى في مصر بعد ثورة ٣٠ يونيو، شدد البروفيسور الإسرائيلى في تقييمه للوضع الإقليمى، إن الجيش المصرى أثبت مدى تماسكه وقوته واحترام الهرم القيادى فيه، وهو ما شجع الرئيس عبدالفتاح السيسى عندما كان وزيرًا للدفاع إلى اتخاذ قرارات صعبة في ٣٠ يونيو وعزل «محمد مرسي» وإنهاء حكم الإخوان.
حيث كان الخطأ التاريخى الذي ارتكبه تنظيم الإخوان، هو أنه تحدى الدولة المصرية ممثلة في الجيش، وحاول القيام بدور الجيش التاريخى في حماية البلاد، حيث أرادت الجماعة فرض وصايتها على مصر، وأن تتولى هي إدارة جميع شئونها بما فيها الأمن، فتحرك الجيش بقوة لتصحيح الخطأ، فكانت إزاحة الإخوان عن السلطة وإعادتها إلى وضع الجماعة المحظورة، بل أصبحت فيما بعد تنظيما إرهابيا.
التقرير استمر في الحديث عن الجماعة فقال: اعتمدت الجماعة في استراتيجياتها على أنها تمتلك ذراعًا قوية قادرة على مواجهة الجيش، تمثلت في الاعتماد على العلاقة التاريخية مع بعض التنظيمات المتطرفة والجماعات المسلحة، التي زادت قوتها وقدراتها في أعقاب الانفلات الأمنى، الذي شهدته البلاد في أعقاب ثورة ٢٥ يناير، إضافة إلى قناعتها إن الجيش المصرى غير مدرب على محاربة التنظيمات الإرهابية وخوض حرب العصابات، خاصة في المناطق الجبلية الوعرة بسيناء، وأضاف: وإن كانت تلك الأفكار صحيحة إلى حد ما، حيث عانى الجيش المصرى بشدة في مواجهة تلك التنظيمات، إلا أن الوضع اختلف الآن.. وبفضل تماسك الجيش وتعلمه من أخطائه والتفاف الشعب حوله نجح في تصحيح أوضاعه واستعادة زمام المبادرة.
عصر جديد للجيش
كان وصول الرئيس عبدالفتاح السيسى للحكم، وهو القائد السابق للجيش، بعد أن كان مديرًا للمخابرات الحربية، بداية عصر جديد للجيش المصرى وبروزه كقوة فاعلة في الشرق الأوسط ضامنة لأمن مصر القومى، هكذا قال التقرير الذي أضاف: بدأ السيسى على الفور الاشتباك في معركة وجود مع التنظيمات الإرهابية، وصمم بعزم كبير على اقتلاعهم من سيناء، والقضاء على خطرهم الذي يتهدد البلاد، ورغم الصعوبات التي واجهته في البداية إلا أنه لم يتراجع، رغم تعرضه لمحاولتى اغتيال، كما تعرض وزير الداخلية السابق محمد إبراهيم لمحاولة مشابهة أيضًا، وقتل المئات من رجال الجيش والشرطة من مختلف الدرجات والرتب.
استمر التقييم بقوله: كان التحدى كبيرا أمام الجيش المصرى، وعمل السيسى على جبهتين في وقت واحد، الأولى في سيناء وما تمثله حركة حماس وجماعة «أنصار بيت المقدس» التي بايعت تنظيم داعش الإرهابى، والجبهة الثانية تمثلت في الوضع الفوضوى في ليبيا وانتشار التنظيمات المسلحة والجماعات الإرهابية التي تستهدف مصر بصورة أساسية.
جيش مرسي الخاص
وكما قال التقييم: كان على الجيش المصرى تصحيح الكثير من الأخطاء التي وقعت في الفترة السابقة لعزل مرسي، وأبرزها سعى تنظيم الإخوان والمعزول محمد مرسي لإنشاء جيش خاص به، يعتمد عليه في حكم البلاد وإدارة شئونها وتهميش دور الجيش المصرى وعزله عن الشعب والبلاد، بحجة حماية الحدود فقط وعدم التدخل في السياسة، وهو ما جعل دائرة المواجهة تتسع لتخرج عن نطاق الحدود إلى الدول المجاورة وعلى رأسها ليبيا.
كما قام السيسى بإعادة توزيع قوات الجيش المصرى، وأدخل لأول مرة منذ حرب أكتوبر ١٩٧٣ آلاف الجنود والدبابات والأسلحة الثقيلة إلى سيناء، تمركزت على المنطقة الحدودية مع إسرائيل، لأول مرة منذ توقيع معاهدة السلام، حيث اضطرت إسرائيل تحت وطأة الضغوط المصرية، للموافقة على جميع مطالب مصر، بزيادة عدد قواتها في سيناء وعدم الاكتفاء بقوات حرس الحدود أو الشرطة، ودخلت الآليات والقوات الخاصة والطائرات الحربية إلى سيناء لإدارة عمليات الحرب على الإرهاب.
كذلك بدأ عمليات قطع الإمدادات عن التنظيمات الإرهابية، سواء في مصر أو ليبيا، ولأول مرة تحركت البحرية المصرية لمراقبة السفن في البحر الأحمر والبحر المتوسط، إضافة إلى اتخاذ إجراءات لمنع تدفق الأسلحة إلى مصر، سواء من السودان أو من ليبيا أو عبر البحر المتوسط وسيناء، كما شن حربا شعواء على الأنفاق السرية، التي أنشأتها حركة حماس لتهريب البضائع والأسلحة والمقاتلين، بين القطاع وسيناء، وحتى الآن أغلقت مصر أكثر من ٢٠٠٠ نفقا، في المسافة التي تبلغ ١١ كيلومترا، بطول الحدود بين غزة وسيناء، وبالتوازى مع هذه الإجراءات، وإنشاء قيادة عسكرية موحدة في سيناء، لسد الفجوة بين الجيشين الثانى والثالث وإنهاء عمل كل منهما بشكل منفضل، إلى توحيد القيادة وتنسيق العمل الميدانى بشكل إيجابى، وهى الإستراتيجية التي حققت بعض النجاح حتى الآن، لكنه بالطبع لم يكن نجاحا كاملا.
مصر تدعم غزة
فيما أبدى البروفيسور الإسرائيلى استغرابه من موقف السيسى، من حركة حماس إبان العملية العسكرية الإسرائيلية الصيف الماضى «الجرف الصامد»، حيث فاجأ السيسى إسرائيل بالوقوف إلى جانب حماس، ودعم غزة والعمل على إيجاد تهدئة وهدنة لإنهاء الحرب، وكان هذا الموقف مفاجئًا لإسرائيل، التي اعتقدت أن السيسى سيدعم موقفها ضد حماس، نظرًا لعلاقتها بتنظيم الإخوان ودعمها لتنظيمات إرهابية في سيناء، لكن الموقف كان مغايرًا تمامًا وشنت مصر هجومًا قاسيًا على إسرائيل، وطالبت بوقف هجومها على غزة، بل ولعبت الدور الأكبر في الوصول للتهدئة وتوقيع اتفاق الهدنة.
ورغم إغلاق مصر شبه الدائم لمعبر رفح، المنفذ الوحيد بين غزة ومصر، إلا أن هذا يأتى لأسباب أمنية وإستراتيجية في المقام الأول، حيث تريد مصر ضمانات قوية ومؤكدة من حماس بعدم التدخل في شئونها والتوقف عن دعم الإخوان وقطع علاقتها بالتنظيمات المتطرفة في سيناء، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
الوضع في ليبيا
حافظت مصر على علاقة خاصة بجميع الأطراف إبان الثورة الليبية، التي تحولت لحرب أهلية، حتى تمت الإطاحة بالعقيد معمر القذافى وقتله، ذلك نظرًا لقلق الحكومة على وضع أكثر من مليون و٢٠٠ ألف مصرى كانوا في ليبيا وقت الأزمة، وكان هناك خوف من تعرضهم للانتقام من أي طرف.
وبعد سقوط القذافى والفوضى التي لا تزال تعانى منها البلاد، أصبح هناك قلق متزايد من الوضع هناك على المنطقة الحدودية التي تتجاوز ٧٠٠ ميل، التي يمكن أن تتحول لمصدر شديد الخطر، بعد انتشار السلاح والتنظيمات المتطرفة، التي تضع مصر على جدول أعمالها، حيث تحولت ليبيا إلى سوق مفتوحة للصراعات، مع دخول أطراف دولية وإقليمية على خط تسليح منظمات وجماعات موالية لها، فضلًا عن أنها أصبحت معبرا رئيسيا للهجرة غير الشرعية لأوربا، الأمر الذي ينذر بكارثة تهدد المنطقة والعالم بأسره، وكان لا بد للجيش المصرى أن يتعامل مع الموقف بحذر، ويظل في يقظة لمواجهة هذه التحديات، ويراقب المنطقة الحدودية على مدى الساعة، لوقف تسلل المقاتلين وتهريب الأسلحة لزعزعة استقرار البلاد.
وأشار التقييم الإسرائيلى إلى أن التحول الرئيسى في الموقف المصرى، كان بعد إعدام ٢١ مواطنا مصريا على يد تنظيم داعش الإرهابى في سرت، فكان التحرك العسكري المصرى في ليبيا بشكل مباشر، وشنت الطائرات المصرية غارات على معسكرات تابعة لداعش في درنة وسرت، فضلا عن تقارير تحدثت عن تدخل لقوات خاصة مصرية، وذلك لدرء الخطر القادم لا محالة على مصر، إذا ما تمكنت تلك التنظيمات من السيطرة على ليبيا، بينما كان التحرك المصرى الآخر لدعم الجيش الوطنى الليبى، والحكومة الشرعية والبرلمان المنتخب في طبرق وبنغازى، حيث عززت مصر من تعاونها عسكريًا مع الحكومة الليبية لمساعدتها في تطهير المدن الشرقية من تلك التنظيمات.
فتوافد المسئولون الليبيون سياسيون وعسكريون على مصر لتنسيق المواقف، فاستقبلت القاهرة في يوليو ٢٠١٤ رئيس المخابرات الليبية، اللواء سالم عبدالسلام، ووزير الخارجية، محمد عبدالعزيز، ورئيس أركان الجيش، عبدالسلام جاد الله، الذين عقدوا لقاءات مكثفة مع نظرائهم المصريين، ثم بعد ذلك زار رئيس الوزراء، عبد الله الثنى، القاهرة والتقى بالرئيس السيسى والمسئولين المصريين الأمنيين، ومن ثم كانت التفاهمات والاتفاقيات التي أكدت على تعزيز الدعم المصرى للحكومة الشرعية.
فيما يرتبط حاليًا اللواء خليفة حفتر، قائد الجيش الوطنى الليبى، أول من أطلق عملية «الكرامة» ضد التنظيمات المتطرفة في ليبيا، بعلاقات جيدة مع المسؤولين المصريين وهناك قنوات اتصال مباشرة بين الجانبين وحقق نجاحات كبيرة في مواجهة التنظيمات المتطرفة.
حتى أن حكومة الإخوان غير الشرعية المسيطرة على طرابلس، التي عارضت في البداية التدخل المصرى في ليبيا، نظرًا لتلقيها دعما عسكريا من قطر وتركيا باعتراف الحكومة الليبية وتقارير دولية، تعانى بشدة الآن في مواجهة تنظيم داعش الإرهابى وتنظيمات أخرى، وتعرضت لهزائم قاسية على يد تلك التنظيمات وأخرست مدنا بأكملها، وهو ما جلعها تدرك الخطأ الذي ارتكبته في حق الشعب الليبى وحق مصر بإعلان دعمها لتلك التنظيمات في البداية، لأنها كانت تحارب حفتر والحكومة في بنغازي.
لكن مع هذا مازالت القاهرة تتعامل بحذر شديد مع الوضع في ليبيا، نظرًا لوجود أكثر من ٢٠٠ ألف مواطن مصرى يعملون هناك، ويحتاجون إلى رعاية وحماية، ويمكن أن يتعرضوا لأعمال انتقامية من جانب ميليشيات الإخوان المتمثلة في جماعة «فجر ليبيا» أو من التنظيمات الإرهابية الأخرى، لذلك فهى تتعامل مع الموقف من خلال الحكومة الشرعية والبرلمان المنتخب في طبرق ومن ورائهما الجيش الوطني.
الجيش العربي الموحد
بعد النجاح الكبير الذي حققته مصر في ليبيا، والدعم الشعبى الكبير للتحرك العسكري هناك، كان الاتجاه المصرى لإنشاء جيش عربى موحد أو قوة عربية مشتركة لتكون بمثابة القوة العربية القادرة على التدخل في كل مناطق الصراع وحماية المصالح العربية وإنهاء الصراعات والأزمات، وستعمل تحت مظلة جامعة الدول العربية لإكسابها المزيد من الشرعية.
كما أنها ستكون بمثابة الجيش العربى الشرعى الذي تستطيع مصر من خلاله التدخل لحماية مصالحها وتأمين محيطها الأمنى، إضافة إلى مصالح دول الخليج وعلى رأسها السعودية، خاصة في ظل تزايد المخاطر، ليس فقط من الفوضى والتنظيمات الإرهابية، ولكن أيضًا من خطر إيران المتزايد في العراق وسوريا ولبنان وأخيرًا اليمن.
فيما كان التحالف العربى الموحد، الذي قادته السعودية للتدخل في اليمن وضم ١٠ دول عربية، بمثابة تجربة ناجحة لإنشاء هذا الجيش العربى الموحد، وكانت مصر من أبرز الدول المشاركة عسكريًا في هذا التحالف، خاصة بالعمل في البحر الأحمر وخليج عدن وفرض حصار بحرى على اليمن بمنع وصول الإمدادات العسكرية الإيرانية للحوثيين، وحدث احتكاك ومناوشات بين البحرية المصرية والإيرانية انتهت بفرار الأخيرة وترك مسرح العمليات.
ومنذ عام ١٩٤٨ وبعدها حرب الخليج تنجح الدول العربية في تكوين مثل هذه القوة العسكرية الموحدة والتحرك بفاعلية على الأرض من أجل ضمان مصالحها الخاصة، دون انتظار أي دعم من قوى إقليمية ودولية مثل الولايات المتحدة أو روسيا، وهو الأمر الذي اعتادت عليه الدول العربية عبر التاريخ.
ونجح هذا التحالف في تحقيق العديد من أهدافه إلى حد بعيد، رغم ما يبدو من تعثر في إنهاء الصراع في اليمن ومعرفة كيفية الخروج منه، لكن الشيء الأبرز هو أنه نجح في قطع خطوط الاتصال بين إيران والحوثيين، وأجبر جميع الأطراف على الخضوع لإرادته.
وفى نهاية التقييم للوضع العسكري في الشرق الأوسط وبروز مصر كقوة عسكرية إقليمية قادرة على مواجهة التحديات وحماية الأمن القومى المصرى والعربى، يرى الخبير الإسرائيلى أن الرئيس السيسى أثبت منذ الأيام الأولى لتوليه الحكم في مصر بنى وأسس جيشا قويا مرنا يتمتع بقدرات عملياتية كبيرة، وأعد قوات تدخل سريع هي الأحدث في جيوش العالم قادرة على تنفيذ أي مهام معقدة داخل أو خارج الحدود.
وجاءت إستراتيجية السيسى الجديدة لتعتمد على القوة كعامل مهم وفعال في تأمين المصالح الوطنية المصرية الحيوية، وعلى عكس سابقيه، يرى السيسى أن القوة العسكرية يجب أن تظل دائما خيارًا مطروحًا على الطاولة خاصة بعد التغيرات الأخيرة التي شهدتها المنطقة وأصبحت الكلمة العليا فيها للسلاح والمتفجرات والتنظيمات المتطرفة، وأصبحت جميع الدول مهددة بلا استثناء.
ويرى السيسى أيضا أن استخدام القوة له ما يبرره طالما أنها تعمل على محاربة أعداء البلاد كما في الحالة الليبية، فضلًا عن أن مصر كانت من أوائل الدول التي حذرت من خطر التنظيمات الإرهابية، وأنها تستهدف الجميع بلا استثناء، لهذا كان يدعو إلى جهد عربى موحد لمواجهة هذا الخطر، وبذل جهدًا كبيرًا جنبا إلى جنب مع الجيوش العربية الأخرى يوفر الشرعية اللازمة محليًا لمثل هذه الإجراءات ضد دولة أو منظمة عربية.
وجهود مصر لإنشاء قوة تدخل عربية "جيش عربى موحد" ليست سوى تعبير آخر عن التغيير العميق الذي حدث منذ الإطاحة بمبارك في تصور القيادة المصرية من الموقع الإستراتيجي لمصر في محيطها المباشر والإقليمي، وجها لوجه مع القوى الغربية، في حراسة المنطقة.