مـــــــــــنــــــــــــــــتـــــــــــــــدى حـــــــــــــبـــــــــــــــــيـــــــبـــــة

تعليمي ثقافي شامل


نفحات رمضانية

شاطر
avatar
Admin
Admin
Admin

عدد المساهمات : 462
نقاط : 1414
السٌّمعَة : 34
تاريخ التسجيل : 21/01/2010

نفحات رمضانية

مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء يونيو 10, 2015 11:03 pm

يها الأحبة .. هذه نفحات القدس قد تنزلت .. هذه نسمات الأنس قد هبت .. هذه بساتين الجنان قد تزينت .. وجدير بالمؤمن أن يشمر ويجتهد .. وحري بالغافل أن يعاجل ، وجدير بالمقصر أن يشمر . وأن يقصر عن التقصير في الشهر القصير .
ما أسرع ما تمضي الأيام ، ها هو الضيف الكريم الذي استقبلناه بالأمس ، ويكاد يمضي ثلثه ، والثلث كثير .
أسأل الله أن لا يحرمنا من نفحاته وبركاته .. وأن يجعل مآلنا إلى جناته .
العنوان : نفحات رمضانية .
معنى النفحات:
جمع نفحة ، من نفح إذا فاح وهب ، وأعطى وانتشر .
إذن معنى النفحات: ما ينشر الله لعباده ويفيضه عليهم من آثار رحمته من الخيرات والمواهب والعطايا.
هل ورد في القرآن؟ ورد في القرآن في الشر على خلاف الأصل من باب الاستعارة ، في قوله تعالى: (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك) .
لماذا: نفحات رمضانية؟
رمضان هو شهر النفحات ، وإذاكانت نفحات الله وبركاته على العباد أكثر ما تكون في مواسم الخيرات والأزمنة الفاضلة ، فإن أعظم هذه المواسم هو شهر رمضان .
قال ابن رجب: وما في هذه المواسم الفاضلة موسمٌ إلا ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف طاعته، ولله فيه لطيفة من لطائف نفحاته، يصيب بها من يعود بفضله ورحمته عليه، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات، وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات .
وقد روى الطبراني عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "افعلوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة الله فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده" . والحديث في سنده ضعف لكن حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة لوجود ما يشهد له .
النفحة الأولى) نفحة التوبة :-
لماذا التوبة أولاً؟
يقول العلماء: التخلية قبل التحلية .. لا بد من التوبة لأنها بمثابة تنقية الإناء من الأوساخ قبل وضع الشراب فيه .. قبل أن نتعرض لنفحات الرحمن ، لا بد أن ننقي قلوبنا من الأدران .
متى يتوب ، من لم يتب في رمضان؟ ورغم أنف رجل أدرك رمضان فلم يغفر له .. لماذا؟
رمضان فرصة للمذنبين .. فالشياطين مصفدة .. وشهوات النفس مقيدة .. والنفحات ممنوحة .. وأبواب الجنة مفتوحة .
جرعات منشطة للتوبة :
1) معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته :
وهذا الامر هو روح التوحيد والإيمان ، أن تعرف الله بأسمائه وصفاته لا معرفة نظرية فقط ، بل معرفة قلب خاشع محب معظم لربه جل وعلا .. هناك أنواع من المعارف .
- معرفة إطلاع وحياء: وهو إجلال الله تبارك وتعالى أن تعصيه وهو يراك ويسمعك .
فتستشعر عظمة الله ورقابته .. وتستحي من الملائكة الذين سخرهم الله لحفظك؛ وتستحيي من الملكين الذين لا يفارقانك ، يسجلان طاعاتك ومعاصيك .
- معرفة محبة ورجاء : فإذا كنت تحب الله فلا تعصه ، فإن المحب لمن يحب مطيع .
- معرفة تعظيم وخوف: وهو شهود غضب الله وانتقامه ، فإن الرب تعالى إذا تمادى العبد في معصيته غضب واذا غضب سبحانه لم يقم لغضبه شيء 0
وتأمل ما أعده الله من أنواع العذاب في القبر والقيامة والنار ، كيف أن الله يعذّب الزاني ، وشاربَ الخمر والمخدرات ، وآكلَ الربا ، والنمام ، وغيرَهم .
روى الترمذي والنسائي بسند حسن قصة أبي اليسر رضي الله عنه وأصلها في الصحيحين .
كان أبو اليسر يبيع التمر في المدينة ، فجاءته امرأة حسناء جميلة تشتري منه التمر ، وكان زوجها قد خرج غازياً في سبيل الله ، فوسوس له الشيطان وزين له الوقوع بالمرأة ، فقال لها: إِنَّ فِي الْبَيْتِ تَمْرًا أَطْيَبَ مِنْهُ . فدخلت معه في البيت ، فأخذ يقبلها ، ويباشرها دون أن يصل إلى الجماع .نعم لقد وقع هذا الصحابي في هذه المعصية في موطن من مواطن الضعف ، فما الذي حدث؟ضاقت به الدنيا ، وعظم به الأمر ، فذهب أولاً إلى أَبي بَكْرٍ ، وأخبره بما وقع له ، فقال أبو بكر: اسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ وَتُبْ وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا ، لكن أبا اليسر لم يصبر ، فذهب إلى عمر ، فقال له عمر: اسْتُرْ عَلَى نَفْسِكَ وَتُبْ وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا ، لكنه لم يصبر حتى أتى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَر ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ: أَخَلَفْتَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي أَهْلِهِ بِمِثْلِ هَذَا؟ .في هذه اللحظة ، تقطع قلب أبي اليسر ، حَتَّى إنه تَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ إِلَّا تِلْكَ السَّاعَةَ ، بل إنه ظَنَّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ . ثم أَطْرَقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم طَوِيلًا ، وأنزل رأسه إلى صدره ، حَتَّى أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ (وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ، إن الحسنات يذهبن السيئات ، ذلك ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ)، قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم على أبي اليسر ، ففرح بها فرحاً شديداً، ثم قَالَ بعض الصحابة: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً قَالَ بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً .
2) جاهد نفسك ، واصبر عن المعصية .. ورمضان فرصة للمجاهدة والتغيير .
فإن قلت كما يقول بعض الشباب: صعب ، لا أستطيع ، أنا تعودت على هذا الشي .
فأقول لك: لا بد أن تصبر، وتذكر أن الصبر في الدنيا أهون من العذاب في الآخرة .
3) استشعار العوض : وهو ما وعد الله سبحانه من تعويض من ترك المحارم لأجله ونهى نفسه عن هواها (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) .
4) تدبر القرآن والعمل به : فإن القرآن روح القلوب ، وهو شفاؤها من جميع الشهوات والشبهات .
5) سد جميع الطرق التي توقعك في المنكر ، كالرفقة ، أو الوحدة ، أو المجلات السيئة، أو الأفلام الخليعة ، أو الفضائيات الخبيثة ، أو الدخول إلى الانترنت ، وغيرها من وسائل وطرق المنكر .. رمضان فرصة للتخلص من هذه الأشياء .
6) استحضار نعم الله تعالى .. وكم لله علينا من نعمة ، (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) أمن في الأوطان ، وصحة في الأبدان ، وأنس بالأهل والولدان ، وأطعمة متعددة ، وأشربة متنوعة . نسأل الله شكر نعمته .
إخوتي في الله .. من منا زار المستشفيات ، وفكر في أهل البلاء والشقاء .
كم منا ممن يتمتع بالصحة ، ويرفل في ثياب العافية ، وهو مقيم على معصية الله تعالى .
عبد الله .. كيف تعصي الله وإحسانه إليك على مدى الأنفاس ، أعطاك السمع والبصر والفؤاد ، وأرسل إليك رسوله ، وأنزل إليك كتابه ، وأعانك بمدد من جنده الكرام ، يثبتوك ويحرسونك ويحاربون عدوك ، وأنت تأبى إلا مظاهرته عليهم ، وموالاته دونهم .
أمرك الله بشكره ، لا لحاجته إليك ، ولكن لتنال به المزيد من فضله ، فكفرت نعمته واستعنت بها على مساخطه .
دعاك إلى بابه فما وقفت عليه ولا طرقته ، ثم فتحه لك فما دخلته !
أرسل إليك رسوله يدعوك إلى دار كرامته ، فعصيت الرسول .
ومع هذا فلم يؤيسك من رحمته ، بل قال : متى جئتني قبلتك ، إن أتيتني ليلاً ، قبلتك ، وإن أتيتني نهاراً قبلتك, ومن أعظم مني جوداً وكرماً؟ .. عبادي يبارزونني بالعظائم ، وأنا أكلؤكم على فرشهم ، إني والجن والانس في نبأ عظيم : أخلق ويعبد غير ، وأرزق ويشكر سواي ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب إليهم بنعمي ، وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي ، وهم أفقر شيء إلي .
7) تذكر الموت والقبر وما بعده من أهوال الآخرة .. تذكر يا حبيبي أنك قد تؤخر التوبة فتموت وأنت على المعصية ، فتبعث على رؤوس الخلائق، وأنت على تلك المعصية .
الدعاء والانكسار بين يدي الله .. ولو كنت باقٍ على المعصية ، ولو عظمت منك الذنوب .
فقد ثبت عند الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تعالى: يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي ، يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي ، يا بن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة) .
فأبشر يا عبد الله .. واعلم أن لك رباً يقبل التوبة ، ويعفو عن السيئات ويبدلها حسنات .
إذا تبت ، وفرغت قلبك من الإصرار على الذنوب ، فالباب مفتوح الآن لنتعرض وإياك إلى النفحات .
النفحة الثانية) نفحة الصيام :-
الصوم هو عبادة هذا الشهر ، وهو ركن الإسلام .
وهو العمل الذي اختصه الله لنفسه ، ورتب عليه الأجور العظيمة .
ليس المقصود من الصوم مجردَ الإمساك عن الأكل والشرب والاستمتاع ، ولكنه مع ذلك إمساكٌ للجوارح كلها عن ما نهى الله عنه . فالصائم حقيقة من خاف الله في عينيه فلم ينظر بهما للحرام لا في شاشة ولا موقع ولا مجلة ، واتقى ربه في لسانه فكف عن كل قول محرم ، وخشيه في أذنيه فلم يسمع بهما منكر ، وخشيه في ماله فلم يكسبه من حرام من ربا أو سرقة أو غش ، ولم ينفقه في حرام من سلعة محرمة أو مسابقات محرمة كالقمار ومسابقات السبعمائة وغيرها .
من نفحات الله في الصيام أنه سبحانه اختصه لنفسه ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ قال: ((قال الله عزّ وجلّ: كلُّ عمَلِ ابنِ آدم له إلاَّ الصّوم، فإنه لي وأنا أجزِي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صومِ أحدكم فلا يرفث ولا يسخَب، فإن سابَّه أحدٌ أو قاتَله فليقُل: إني امرُؤ صائم. والذي نفس محمّد بيده، لخلوفُ فمِ الصائم أطيبُ عند الله يومَ القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرِح بفطره، وإذا لقيَ ربَّه فرح بصومه)) .
إذا كان هذا هو كرم الله للصائمين ومحبته لهم . هل نحن نتلذذ بالصوم كما تلذذ به سلفنا الصالح؟
الصوم تتحصل اللذة فيه من الصلة بالله والتلذذ بخدمته .
ولذلك كان يبس الشفاة من العطش، وقرقرة البطون من الجوع: أهنأ ما لاقاه الصائمون .
فبينما الصائم يتألم من جوع البطن يتوارد على فؤاده خاطرة: أن هذا الألم يصبر عليه تعظيمًا لحق الله ومهابة لنظره وإطلاعه فيرضى عن حاله ويشبع من رضا الله عنه .
لكنه سرعان ما يطأطئ منكسرًا وجلاً، خائفًا لئلا يقبل الله منه فيتضافر ألم البطون مع ألم القلوب .. ثم تتداركه عناية الله وإمداداته فيفيض عليه من جميل لطفه وإنعامه فيجد في قلبه حلاوة غامرة ولذة عامرة شوقًا للقاء ربه ، وهي الفرحة التي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم "وفرحة عند لقاء ربه".
وتأمل في أحوال السلف مع الصيام .
- كان ابن عمر يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم لم يتعشَّ تلك الليلة، - وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه السائل، فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة، فيصبح صائماً ولم يأكل شيئاً.
- وكان الحسن يطعم إخوانه وهو صائم تطوعاً، ويجلس يُروحهم وهم يأكلون.
- وكان ابن المبارك يطعم إخوانه في السفر الألوان من الحلواء وغيرها وهو صائم.
- واشتهى بعض الصالحين من السلف طعاماً وكان صائماً، فوضع بين يديه عند فطوره، فسمع سائلاً يقول: من يقرض المليَّ الوفيَّ الغنيّ؟ فقال: عبده المعدم من الحسنات، فقام فأخذ الصحفة فخرج بها إليه وبات جائعاً .
- وجاء سائل إلى الإمام أحمد فدفع إليه رغيفين كان يعدهما لفطره ثم طوى وأصبح صائماً.
فهنيئاً للصائمين ، بنفحات رب العالمين .
النفحة الثالثة) نفحة القرآن :-
ونحن في هذا الشهر العظيم نتذكر أول آية نزلت من القرآن ، عندما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم في الأربعين من عمره أذن الله عز وجل للنور أن يتنزل، فإذا جبريل عليه السلام آخذ بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: اقرأ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنا بقارئ، فقال في الثالثة: ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلاْكْرَمُ [العلق:1-3]. فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده)) [البخاري:3].
هكذا نزلت أول آية من القرآن في هذا الشهر العظيم .. هكذا شهدت أيامه المباركة اتصال الأرض بالسماء، وتنزل الوحي بالنور والضياء، فأشرقت الأرض بنور ربها وانقشعت ظلمات الجاهلية عنها .
وقد ذكر العلماء أن القرآن نزل جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وذلك في ليلة القدر . قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة [النسائي والحاكم].
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: (كان رسول الله صلى اللهم عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى اللهم عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) .
قال ابن رجب: دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له. [لطائف المعارف:354].
وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان .
وفي الصحيحين عن فاطمة رضي الله عنها عن أبيها صلى الله عليه وسلم أنه أخبرها أن جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن كل عام مرة، وأنه عارضه في عام وفاته مرتين.
قال ابن رجب: وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلاً مما يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال تعالى: إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً [المزمل:6]. [لطائف المعارف:355].
حال السلف مع القرآن :
أيها الأحبة .. لقد كان للسلف رحمهم الله اجتهاد عجيب في قراءة القرآن في رمضان بل لم يكونوا يشتغلون فيه بغيره.
وكان الزهري إذا دخل رمضان يقول: إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام.
وكان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم إلى القرآن .
وكانوا يكثرون من كثرة الختمات :
فقد كان الأسود يختم القرآن في رمضان كل ليلتين، وكان يختم في غير رمضان كل ست ليال.
وكان قتادة يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة.
وكان الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة .
قال النووي: وأما الذي يختم القرآن في ركعة فلا يحصون لكثرتهم فمن المتقدمين عثمان بن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير رضي الله ختمة في كل ركعة في الكعبة. [التبيان:48].
قال الذهبي: قد روي من وجوه متعددة أن أبا بكر بن عياش مكث نحواً من أربعين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة، ولما حضرته الوفاة بكت أخته فقال: ما يبكيك؟ انظري إلى تلك الزاوية فقد ختم أخوك فيها ثمانية عشر ألف ختمة. [سير أعلام النبلاء].
وكان الحافظ ابن عساكر يختم كل جمعة ويختم في رمضان كل يوم. [سير أعلام النبلاء].
أيهما أفضل؟ أن يكثر الإنسان التلاوة أم يقللها مع التدبر والتفكر؟
قال النووي رحمه الله: والاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص فمن كان من أهل الهم وتدقيق الفكر استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبر واستخراج المعاني ... ومن لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثار ما أمكنه من غير خروج إلى الملل، ولا يقرؤه هذرمة. [الفتح:8/715].
ومعنى ذلك أن الإكثار مطلوب ، لكن لا ينبغي أن يطغى على الفهم والتدبر، فلايكن هم المرء كثرة الختم دون أن يعقل مما قرأ شيئاً.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود أن رجلا قال له: إني أقرأ المفصّل في ركعة واحدة، فقال عبدالله: هذاً كهذ الشعر؟! - ينكر عليه يعني الإسراع في القراءة - إن قوماً يقرأون القرآن لايجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع.
وقال ابن مسعود: لا تنثروه نثر الدقل - يعني التمرالرديء- ولا تهذوه كهذّ الشعر، وقفوا عند عجائبه وحرّكوا به القلوب، ولا يكن همّ أحدكم آخر السورة .
قال بعض العلماء في بيان هذه المسألة: إن من رتل وتدبر كمن تصدق بجوهرة واحدة ثمينة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر لكن قيمتها قيمة الواحدة، وقد تكون قيمة الواحدة أكثر من قيمة الأخريات، وقد يكون العكس.
اقتراح : يمكن أن يجعل له مع القرآن ثلاثة مسارات:
المسار الأول: مسار الإكثار من التلاوة وتكرار الختمات، فيجعل الإنسان لنفسه جدولاً ينضبط به، بحيث يتمكن من ختم القرآن مرات عديدة ينال خيراتها وينعم ببركاتها.
المسار الثاني: مسار التأمل والتدبر، فيستفتح الإنسان في هذا الشهر الكريم ختمة طويلة المدى يأخذ منها في اليوم صفحة أو نحوها مع مراجعة تفسيرها وتأمل معانيها، وقد تطول مدة هذه الختمة إلى سنة أو أكثر ، لكنها نافعة مباركة .
المسار الثالث: مسار الحفظ والمراجعة، فيجعل لنفسه مقدارا يومياً من الحفظ ومثله من المراجعة، وإن كان قد حفظ ونسي فهي فرصة عظمى لتثبيت الحفظ واسترجاع ما ذهب، ولست بحاجة إلى التذكير بجلالة منزلة الحافظ لكتاب الله ورفيع مكانته، وحسبه أنه قد استدرج النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى له.
كيف نتدبر القرآن؟ خطوات التدبر :
ذم الله الذين لا يتدبرون كلامه، ومثلهم بأقبح الأمثلة وأبشعها، فقال تعالى: مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا
ونبينا جعل من أوصاف الخوارج أنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، أي: أنهم يأخذون أنفسهم بقراءة القرآن، وهم لا يتفقهون فيه ولا يعرفون مقاصده .
1) حسن الاستماع والإصغاء لكتاب الله عز وجل. حسن الاستماع هو الأول والمبدأ والفاتحة والبداية، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ، وتأمل بلاغة القرآن المعجزة الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ وليس يسمعون .
والحق جل وعلا يقول: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204].
2) حسن النية: ونعني بذلك أن نُقبل بصدق، وأن نستمع ونتلو بنية خالصة، نبتغي بها وجه الله تعالى .
قال ابن القيم رحمه الله: "العامل بلا إخلاص كالمسافر يملأ جرابه رملاً، يُثقله ولا ينفعه".
3) حسن التلاوة: وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل:4].
((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) كما أخبر المصطفى فيما رواه البخاري.
قال العلماء: المطلوب شرعًا إنما هو تحسين الصوت، الباعث على تدبر القرآن وتفهمه، والخشوع والخضوع، والانقياد والطاعة.
4) الإلمام بتفسير القرآن ولو باختصار شديد، ولو بنسخة من القرآن بهامشها تفسير .
5) حسن التفكر في معاني الآيات .
أن يقرأ القرآن بحضور قلب، فكثير من الناس يقرأ القرآن وهو غافل لاه، يقرأ بلسانه، وعقله وفكره وقلبه في واد آخر، وهذا لا ينتفع من القرآن البتة، لكن يثاب على نيته قصد القراءة والتقرب إلى الله جل وعلا .
6) التفاعل مع دلالات الآيات، كما جاء في حديث حذيفة عند مسلم عندما صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه ، قال: (يقر مترسلاً، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأله، وإذا مر بتعوذ تعوَّذ) .
فعليك بهذه السنة ، فهي تعينك على التدبر ، وتعلق القلب بالقرآن .
7) استحضار عظمة المتكلم سبحانه وتعالى وعظمة الخطاب .. القرآن رسائل من الله لك.
قال ابن القيم: اذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه, وألف سمعك, ,احضر حضور من يخاطبه به من تكلّم به سبحانه منه اليه, فانّه خطاب منه لك, على لسان رسوله, قال تعالى:{ انّ في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}.
النفحة الرابعة) نفحة القيام :-
شهر رمضان شهر القيام .. كما قال صلى الله عليه وسلم ((من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) .. وقد كان صلى الله عليه وسلم يقوم ليالي رمضان .. فإذا دخلت العشر الأواخر خصها بمزيد من الاجتهاد كما روت عائشة رضي الله عنها : أن النبي كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل، وأيقظ أهله وشد المئزر .
ما أجمل هذا المشهد .. قوم لله درهم .. (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا).. هنيئاً للقائمين ، ويا خسارة القاعدين الراقدين .
يا أيها الراقـد كـم ترقـد *** قم يا حبيبي قد دنا الموعدُ
وخذ من الليل وساعاته *** حظاً إذا ما هـجع الـرُّقَـُد
كيف حالنا مع صلاة القيام أو التراويح؟
يشكو كثير من المواظبين على قيام الليل في رمضان من عدم لمسهم لثمرة هذه الصلاة.
والحق أن هذه الصلاة المهمة كغيرها تحتاج إلى إعداد وتهيئة، الإعداد للعمل فهو علامة التوفيق وأمارة الصدق في القصد، قال تعالى: { وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً } .
كيف نستعد؟ باختصار أقول:
ينبغي أن تقلل من الطعام قبل الصلاة ، فإنه مثمر جدًا في حضور القلب ، وينبغي عليك أن تتطهر جيدًا وتلبس أحسن الثياب ، وتبكر في الحضور إلى الصلاة .
وإن من القبيح جدًا أن تفوتك صلاة العشاء، فهذا دليل الحرمان وعدم الفقه في الدين، فإن صلاة العشاء فريضة ، وصلاتها في جماعة تعدل قيام نصف ليلة .
بعض الشباب يريد ان يصلي في مسجد بعيد ، لكنه لا يبكر في الحضور ، وربما أسرع بالسيارة ، وآذى الناس ، وفوت على نفسه صلاة العشاء ، فلننتبه إلى هذا .
فإذا حضرت إلى المسجد ، استحضر القدوم على الله ، وأنك ستدخل بيته ، وتقف بين يديه ، فإذا وقفت في صلاتك فقف وقوف العبد الذليل المنكسر الذي يتعرض لرحمة سيده ومغفرته ، ويرجو أن يعتقه من النار .. بقلب مشتاق إلى الله ، مستحيي من الله ، خائف من الرد والإعراض .
- لا تنس يا أخي أن تكمل القيام مع الإمام حتى يكتب لك قيام ليلة، فقد قال صلى الله عليه وسلم : { من قام مع إمامه حتى ينصرف كتب له قيام ليلة } .
النفحة الخامسة) نفحة الإخلاص :-
رمضان شهر الإخلاص .. وقد تقدم قول الله عزّ وجلّ في الحديث القدسي : كلُّ عمَلِ ابنِ آدم له إلاَّ الصّوم، فإنه لي وأنا أجزِي به ... يدع طعامَه وشرابه وشهوتَه من أجلي)) .
قوله (فإنه لي) وقوله بعدها (يدع طعامه وشهوته من أجلي) فيه إشارة إلى الإخلاص.. نعم الإخلاص.. فكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش؟ وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب؟ أعاذنا الله وإياك من ذلك.
ولذلك نجد النبي يؤكد على هذه القضية.. { من صام رمضان إيماناً واحتساباً }.
في رمضان ينفتح للعبد أنواع من العبادات (صيام ، قيام ، قراءة قرآن ، عمرة، اعتكاف ..الخ) ... ولهذا لا بد من مراعاة الإخلاص ، وتصحيح النية .
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من الرياء ، وأخبر أنه الشرك الخفي .
وفي حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ما تنخلع له القلوب .
فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد ، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها . قال : فما عملت فيها ؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت ، قال : كذبت ، ولكنك قاتلت لان يقال : جريء ، فقد قيل . ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي فى النار ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن ، فأتي به فعرفه فعرفها . قال : فما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته ، وقرأت فيك القرآن قال : كذبت ، ولكنك تعلمت العلم ليقال : عالم ، وقرأت القران ليقال هو قارىء ، فقد قيل ، ثم أمر به ، فسحب على وجهه ، حتى ألقي فى الناء ، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من اصناف المال كله ، فاتي به فعرفه نعمه فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال : ماتركت من سبيل تحب أن ينفق فيها الا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم القي فى النار .
ولهذا اشتد حرص السلف على إخفاء أعمالهم خوفاً على أنفسهم.
- فهذا التابعي الجليل أيوب السختياني يحدث عنه حماد بن زيد فيقول: ( كان أيوب ربما حدث بالحديث فيرق فيلتفت فيتمخط ويقول: ما أشد الزكام؟ يظهر أنه مزكوم لإخفاء البكاء ).
- وعن محمد بن واسع قال: ( لقد أدركت رجالاً كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة وقد بلّ ما تحت خده من دموعه، لا تشعر به امرأته. ولقد أدركت رجالاً يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده ولا يشعر به الذي جنبه ).
- وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله فيخفي ذلك فإذا كان عند الصباح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة.
- وقال ابن أبي عدي: ( صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله وكان خرازاً يحمل معه غذاءه من عندهم فيتصدق به في الطريق، ويرجع عشياً فيفطر معهم ).
- قال سفيان الثوري: ( بلغني أن العبد يعمل العمل سراً، فلا يزال به الشيطان حتى يغلبه فيكتب في العلانية، ثم لا يزال به الشيطان حتى يحب أن يحمد عليه فينسخ من العلانية فيثبت في الرياء ).
ما هو الحل؟ لا بد من المجاهدة .
يقول ابن القيم: لا يجتمع الاخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس الا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت. فاذا حدثتك نفسك بطلب الاخلاص فأقبل على الطمع أولا فاذبحه بسكين اليأس, وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشّاق الدنيا في الآخرة ...
فان قلت: وما الذي يسهّل علي ذبح الطمع والزهد في المدح والثناء؟ قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينا أنه ليس من شيء يطمع فيه الا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره, ولا يؤتى العبد منها شيئا سواه. وأما الزهد في المدح والثناء فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين, ويضر ذمه ويشين الا الله وحده
لفحات شيطانية :
دعوني أنتقل بكم قبل أن أختم إلى الوجه الآخر .. دعونا ننتقل من رياض النفحات إلى بقاع اللفحات .
وإذا كانت الشياطين تصفد وتسلسل .. فإن أعمال الشياطين وأعوان الشياطين لا تزال تهتك حرمة الشهر ، وتفسد روحانيته .
كم تتألم نفسك ويتقطع قلبك حسرات وأنت ترى من المسلمين من يبارز الله بالمعاصي حتى في رمضان ، في جلسات محرمة أو على قنوات فاسدة .
يجوب العالم شرقًا وغربًا ، يدير "الريموت" على أجساد العرايا ، ونحور الصبايا ، يفسد صيامه بالنظر الحرام، وباللهو الحرام، وبالفعل الحرام.
ما إن يَهِلُ هلالُ رمضان ؛ حتى تتسابق القنوات الفضائية بتقديم رصيدها الإعلامي من البرامج والمسلسلات والأفلام .. حالةٌ محمومة يتسابق فيها المفسدون لإغواء الناس ببرامجهم الساقطة ، مع تحريك الغرائز والشهوات ، وبث السموم والشبهات ، ودسِّ السمِّ في العسل .
- في رمضان، تظهر إحدى الفنانات بعد الإفطار ، فتسألها مقدمة البرنامج : كيف وصلت إلى ما وصلت له من مجد؟! فتقول: أنا هربت من أسرتي وعمري اثنا عشر عاماً، ومارست حياتي ! حتى وصلت إلى الشهرة .
- وفي برنامج آخر في شهر رمضان سئلت إحدى الفنانات عن زواجاتها ؟ فقالت أربع مرات رسمياً ، أمَّا العرفي فكثير لا أعرف له عدداً .. ولما سئلت: هل العيب في الرجال؟ ، قالت بكل جرأة: لا العيب في نظام الزواج لأنَّه نظام بالٍ ومتخلِّف عفاه الزمن .
- وإذا نظرت في ما يسمى بالمسلسلات الدينية أو التاريخية ، وجدت فنَّانين وفنَّانات ، عُرف عنهم الفسق وقلَّة الحياء ، يقومون بتمثيل أدوار خير الناس من الصحابة أو التابعين ، في تشويه صارخ لتاريخ قدوات الأمة من سلفها وعلمائها .
- أما قنوات الرقص والغناء (الفيديو كليب) فحدث عن الرقص الماجن والكلام الفاحش والقبلات المحرمة ، مع ما يصاحبها من الشريط المتحرك برسائل الشباب والفتيات ، وما فيها من الكلمات الداعية للفاحشة ، ولمزيد الاستخفاف تموج الشاشة في زاويتها بـعبارة (رمضان كريم أو رمضان مبارك) أين الكرم وأين البركة؟ .
كل هذا يحدث في رمضان .. دون خوف أو حياء من الديان .
أفلام عارية، وتمثيليات فاضحة ، وبرامج مشبوهة ، والمصيبة أن المشاهد الكريم يتلقى هذا الإسفاف والهدم للدين والخلق بكل رحابة صدر ، ولربما تمايلوا نشوة وطرباً , وضحكاً وفرحاً بهذه المشاهد .. وبعد السهر على القنوات الفاجرة يجتمع هؤلاء الغافلون أمام موائد السحور استعداداً لصيام يوم جديد ، ووالله ما أحرى هؤلاء المحرومين بقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ((من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)) .
أي زور وأي جهل فوق هذا يا مسلمون؟ ولمصلحة من تقتل فرحة رمضان ، وتنتهك حرمته؟ .
ما الفائدة من عرض قصص الحب والغزل ، ومشاهد العري والسفور ، في شهر رمضان؟
هل يريد أرباب هذه القنوات والبرامج الفاضحة أن يتحول رمضان إلى موسم للعهر والفجور؟ .. وصدق الله والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً).
- وإذا كان هذا هو حال الكثير من البرامج في قنواتنا العربية التي تعرض في بيوت المسلمين ، فإن الأمر يزداد خطراً في بعض البرامج الطائشة ، وبالأخص البرنامج سيء الذكر التي يشاهده وللأسف الكثير من الناس .
هذا البرنامج الذي لم يقف عند حد الإغراء والإغواء الأخلاقي ؛ بل تجاوزه إلى السخرية المباشرة من ثوابت العقيدة وشرائع الإسلام .
لقد جاء في بيان علمائنا الكبار في فتوى اللجنة الدائمة تحريم إنتاج هذا المسلسل وبيعه وترويجه وعرضه على المسلمين لاشتماله على الاستهزاء ببعض أُمور الدين والسُّخرية مِمَّن يعملُ بها , واشتمالُه على ما يُعارض الشرع الْمُطهَّر , ونشر الرذيلة , وطمس معالم الفضيلة , وإشاعة الفساد , ومحبَّة المنكرات والاستئناس بها ... إلى آخر ما ورد في البيان .
حتى طلع علينا الطائشون هذا العام بأسلوب استهتاري ماكر مخذول ، جمع مقدميه بين خروقات الفهم ، وسَوءات الحكم حول موضوع الإرهاب .
إن موضوع الإرهاب والإفساد لا يختلف عليه أحد ، وقد تكلم العلماء والخطباء والدعاة في المملكة العربية السعودية عن إدانة العمليات الإرهابية والتفجيرية في بلاد الحرمين الطاهرة ، التي نفديها بدمائنا وأرواحنا ، ولا نقبل أن يتعدى فيها على مسلم موحد ، أو كافر معاهد أومستأمن .. ولكن الذي جرى في البرنامج كالعادة هو إثارة الإشاعات والأكاذيب ، والاستهزاء بالمراكز الصيفية والرحلات الطلابية ، وبرامجها القيمة النافعة ، مع قلب الحقائق بطريقة لا يقبلها مسؤول عاقل ، ولا متابع منصف .
بلادنا المباركة .. مهبط الرسالة .. وقبلة المسلمين .. وما وقع فيها من أعمال تفجير وتدمير ، عمل شاذ ، وصوت نشاز ، وإن لبس من قام به عباءة الدين ، فالدين وأهل الدين منه براء .. أما أن يعمم الحكم بالإرهاب على الدين وأهله، فذلك هو ما ينعق به دعاة الفتنة والفرقة وأعداء الملة الذين لا يقل خطرهم عن خطر أصحاب العنف والتفجير .
ومع هذا ، فهذه ليست أول مرّة يقدّمون فيها حلقات وشخصيات تكرّس مفهوم أن صاحب (اللحية) شخص ساذج وغبيّ وبخيل وكذاب وجشع ومتزمت وإرهابي ، بينما يظهر (الليبرالي) بقالب نظيف ومثقف ووسيم .
إنهم يهزؤون بقيم ديننا وعادات مجتمعنا بطريقة لا تمتّ إلى الفن بصلة ولا إلى النقد برابط .
- أحبتي في الله .. ونحن نتحدث عن هذا البرنامج وغيره من برامج القنوات الفاسدة ، نقول: أيها المشاهدون أما تخشون على دينكم وأنتم تشاهدون؟ وربما تضحكون ممن يسخر ويستهزيء بالله ورسوله وشعائر دينه .
ألم يُفْتِ علماؤنا الكبار بتحريم مشاهدة هذا المسلسل فرميتم بها عرض الحائط؟ ما لكم كيف تحكمون؟
أيها المشاهد .. لو استهزأ هؤلاء الطائشون بوالدك أو أسرتك ، كيف ستكون ردة فعلك؟ فكيف بك الآن وأنت تراهم يستهزؤن بدينك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم ؟
هل تعلم أنك مشارك لهم في الإثم بمجرد المشاهدة؟
جاء في حديث المنافقين الذين كانوا في غزوة تبوك ، وكانوا على أصل الإيمان ، فقال أحدهم: والله ما رأينا مثل قرأنا هؤلاء أكبر بطوناً ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء ، فسمعهم أحد الصحابة فانطلق ليخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجد الوحي قد سبقه : {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ} .
فعدّ الله تعالى الاستهزاء بالقراء وأهل الدين إذا كان بسبب تدينهم استهزاء الله ورسوله .. ثم حكم على المستهزئين بالكفر (لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) .
لو تأملت في الحديث لوجدت أن الذي استهزأ بالقراء شخص واحد ، والبقية مستمعون راضون ، فقال الله عنهم جميعا (قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) .. ويبين هذا المعنى بوضوح قول الله تعالى:{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} .
فلماذا يا أخي تشاهدهم؟ هل تريد أن تكون مثلهم؟
اتق الله يا أخي في دينك .. وتذكر أنك في شهر رمضان فلاتفسد صيامك بمثل هذه المحرمات، واعلم أن من علامات قبول الحسنة الحسنة بعدها، فلا تتبع الصيام بالآثام.
إنه على الرغم من جرأة وتعدي هؤلاء ، فإنه لا بد من التماس الحكمة في الإنكار والموعظة الحسنة ، والحذر من مقابلة الخطأ بالخطأ ، أو الخروج عن دائرة التوجيه في مكانه الصحيح.
لا نريد أن ننجرف وراء التكفير أو إصدار الأحكام على الأشخاص فنحن دعاة ولسنا بقضاة . وواجبنا الإنكار بالحسنى ، ومناصحة من ولاه الله أمرنا .
والواجب على كلِّ من له قدرة من ولاة الأمر والعلماء والمسؤلين بذلَ الوسع في منع هذا البرنامج ، والضغط على تلك القناة وإن كانت غير حكومية لمنعه , كما أنه لا بد من حماية الدين والعقيدة ضد أي استهزاء وإحالة مَن استهزئ بشيء من الدين للمحاكم الشرعية ليلقى الجزاء الرادع ، فالأمر جد خطير .
وبعد ذلك تبقى مسؤولية المربين والمربيات وقادة الفكر وصُنَّاع الثقافة في التحذير من هذه الفتنة ، كما أنها مسئولية العقلاء والعاقلات ليحموا أنفسهم وأهليهم من أن يكونوا صيداً لهؤلاء المفسدين .
نسأل الله أن يهدي العاملين في هذا البرنامج ، اللهم أهدهم وافتح على قلوبهم ، وإن كان في سابق علمك أنهم لا يتوبون ولا يهتدون ، فاكفنا شرهم ، وعجل بعقابهم ، واجعلهم عبرة لكل من سار على مثل طريقهم .
اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم .. اللهم آت نفوسنا تقواها .. اللهم نسألك فعل الخيرات .. اللهم نعيماً لا ينفد لذة النظر ... شكرا لكم ... وجزى الله الإخوة

    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد نوفمبر 19, 2017 3:57 pm