مـــــــــــنــــــــــــــــتـــــــــــــــدى حـــــــــــــبـــــــــــــــــيـــــــبـــــة

تعليمي ثقافي شامل


"الرسائل السرية" بين عمر سليمان والمخابرات الأمريكية قبل سقوط "مبارك"

شاطر
avatar
أ-رمضان

عدد المساهمات : 445
نقاط : 978
السٌّمعَة : 3
تاريخ التسجيل : 14/01/2014
العمر : 41
14052015

"الرسائل السرية" بين عمر سليمان والمخابرات الأمريكية قبل سقوط "مبارك"

مُساهمة من طرف أ-رمضان

"الرسائل السرية" بين عمر سليمان والمخابرات الأمريكية قبل سقوط "مبارك"
صدر أمس فى الولايات المتحدة الأمريكية، كتاب لنائب مدير المخابرات المركزية السابق «مايكل موريل»، حمل عنوان «الحرب الكبرى فى زماننا: حرب المخابرات المركزية ضد الإرهاب من القاعدة إلى داعش».. كشف الكتاب للمرة الأولى عن تفاصيل الاتصالات السرية بين الإدارة الأمريكية ورئيس المخابرات المصرية الراحل اللواء «عمر سليمان» فى الأيام الأخيرة لحكم «مبارك»، وهى تفاصيل حملت انطباعات نائب مدير المخابرات الأمريكية، وتفسيراته ووجهة نظره فى التحركات التى ينسبها لرجل لم يعد ينتمى لعالمنا لكى يرد عليها، وإن كان من الممكن أيضاً قراءتها من أكثر من زاوية، بفرض صحتها من الأساس. تنشر «الوطن» أخطر فصول كتاب «موريل»، خاصة تلك التى تتعلق بموقف «محمد مرسى» من مكافحة الإرهاب، أو بمعنى أدق، من عدم مكافحته. إنها أيام حالكة السواد، يصعب رؤية ما هو حقيقى فيها، ويسهل فيها إطلاق المعلومات المغلوطة والمختلطة بالحقائق، وإن كان كتاب المسئول الأمريكى السابق، هو أول اعتراف صريح بأن الإطاحة بـ«مرسى» كانت أمراً جيداً فى صالح مصر، وأنه بحكمه كان يقود البلاد إلى هاوية الخراب والتطرف وعدم الاستقرار، وأن المنطقة بأسرها، والعالم كله من ورائها، يدفع ثمن تغول الإرهاب فى عهد الإخوان حتى اليوم، وربما لسنوات طويلة أيضاً فيما بعد.

يبدأ مايكل موريل كتابه باستعراض ما جرى فى أحداث ٢٠١١. يقول: «التنبؤ بالثورات والمسار الذى يمكن أن تتخذه، أمر يصعب تحديده بدقة. لقد كنا فى المخابرات المركزية الأمريكية نملك مهارات كبيرة فى تقديم تحذيرات من الناحية الاستراتيجية، لكننا لم نكن نملك المهارة نفسها من الناحية التكتيكية. لقد كان المحللون فى المخابرات المركزية يحذرون لسنوات طويلة من وجود ضغوط عنيفة فى الشرق الأوسط، وأنه فى حالة عدم حدوث تغييرات جذرية فى سياسات قيادات العالم العربى، فإن سياسة «بقاء الحال على ما هو عليه» لا يمكن أن تستمر.

قدم هؤلاء المحللون ثروة من التحليلات والتقارير، رصدت كلها عدة عوامل سكانية واقتصادية واجتماعية، أشارت كلها إلى أن هناك اضطرابات مؤكدة فى طريقها لمواجهة أنظمة الحكم السلطوية فى المنطقة، فى الوقت الذى لا ترقى فيه حكومات تلك النظم إلى مستويات تطلعات شعوبها. كانت هناك فى الأساس مشكلتان فى تلك الدول، انتبهنا فى المخابرات المركزية إلى إحداها لكننا لم ننتبه إلى الأخرى. أدركنا أن الشباب الذين تلقوا تعليماً عالياً لا يجدون وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم، وأنهم يشعرون بالقلق لأنه لا يوجد مستقبل أفضل فى انتظار أبنائهم. إلا أننا لم ندرك أن وسائل التواصل الاجتماعى كانت تسهم فى نشر آراء هؤلاء الشباب بسرعة وعمق، لم يحسب أحد حسابهما.

فشلنا أيضاً، كمخابرات، فى أن نقدم تحذيراً تكتيكياً من نوعية: «هناك شىء خطأ وخطر سوف يحدث فى تونس خلال الأشهر القليلة المقبلة»، أو: «لقد وصلت الضغوط التى كنا نناقشها منذ أشهر إلى مستوى عالٍ من الخطورة على امتداد المنطقة بأسرها». وعلى الرغم من أن كثيرين انتقدونا لأننا لم نقدم تحذيرات من هذا النوع من التحذيرات الأولية، فإنه فى الواقع كان من المستحيل تقريباً القيام بذلك. لا يوجد جهاز مخابرات فى العالم كله قادر على التنبؤ بسلسلة الأحداث التى تداعت بعد أن أشعل التونسى «محمد بوعزيزى» النار فى نفسه، ليسقط بذلك نظام حكم الرئيس الأسبق «زين العابدين بن على» ويطلق معه الشرارة التى أشعلت المنطقة كلها. كل ما أمكننا فعله هو أننا قلنا فى الأيام الأولى للثورة التونسية إن سقوط «بن على» هو إحدى نتائجها المتوقعة، وبمجرد سقوط تونس، بدأنا نحذر من أن الموجة سوف تمتد لباقى المنطقة، فى تقرير حمل عنوان: «ثورة الياسمين تمتد للمناطق المحيطة بتونس».

كانت هناك مشكلة أخرى فى تلك الفترة، تتمثل فى أن المخابرات الأمريكية لم تقم بالجهد الكافى للتنقيب فى ذلك الكنز من المعلومات التى تقدمه وسائل التواصل الاجتماعى. تلك الوسائل التى لم يعد دورها مقصوراً على نشر الأفكار، وإنما امتد ليصبح أداة فاعلة فى تنظيم المعارضين للنظام. لقد كانت المفاجأة التى تسبب فيها الربيع العربى بشكل عام، ودور وسائل التواصل الاجتماعى فيه بشكل خاص، سبباً جعلنا نضاعف جهودنا لمراقبة حجم المعلومات الهائل الذى يتدفق من خلال وسائل التواصل الاجتماعى باعتبارها مؤشراً على اتجاهات التغير السياسى. لقد كنا معتادين على سرقة واختلاس الأسرار، إلى الحد الذى جعلنا نغفل كل تلك المعلومات المتطايرة على «تويتر» لكى يراها العالم على الملأ.

فى نهاية الأمر، لا أظن أن نجاح المخابرات فى تقديم «تنبؤ» بثورات الربيع العربى -كما اصطلح على تسميتها فيما بعد- للإدارة الأمريكية كان يمكن أن يغير من مسار الأحداث فيما بعد، لكن ضمن كل الأخطاء التى ارتكبناها فى تلك الفترة، فإن أكثرها فداحة من وجهة نظرى، هو ذلك التصور الذى منح الناس آمالاً زائفة بسبب سوء تقديرنا لما سوف يحدث بعد أن ثار الشارع. لقد تصورنا، وأبلغنا صناع القرار، أن اندلاع هذه الثورات الشعبية يمكن أن يضر تنظيم «القاعدة» من خلال إضعاف الخطاب الذى تستخدمه. رأى المحللون فى المخابرات المركزية أن المتظاهرين فى الشوارع نقلوا رسالة توضح أن التغيير السياسى أمر ممكن من دون أن يكون تحت قيادة تنظيم «القاعدة»، ومن دون اللجوء لاستخدام العنف الذى تقول إنه ضرورى. كان هذا هو ما تصورناه، إلا أن الواقع، أن نجاح الناس فى أن يكون لديهم الحق فى تأكيد إرادتهم، قد أدى إلى نتيجة غير متوقعة، هى فشل الدول الرئيسية فى المنطقة بشكل مفاجئ فى التعامل مع تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات المتطرفة والمسلحة، إما بسبب عدم قدرتها، أو غياب إرادتها لذلك.

نائب مدير الـ«C.I.A» السابق: رجل أعمال نقل الاتصالات حتى لا يبدو أن «سليمان» يعمل ضد الرئيس الأسبق.. ونفوذ «سوزان وجمال» على «مبارك» كان أقوى من رئيس المخابرات
باختصار، يمكن القول إن الربيع العربى كان فرصة كبرى للمتطرفين الإسلاميين عبر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خاصة فى مصر وليبيا، وبالصدفة وجدت نفسى فى قلب الأحداث فى هذه الدول فى تلك الفترة.

لقد اندفع عشرات الآلاف من المتظاهرين إلى شوارع القاهرة فى يناير ٢٠١١، مطالبين برحيل الرئيس الأسبق حسنى مبارك، متأثرين بما حدث فى تونس. كانت العديد من مطالب المتظاهرين مشروعة، فظروف الغالبية العظمى من الناس لم تكن ترضى أحداً، فى الوقت الذى أدى فيه غياب العدالة الاجتماعية إلى تفاوت رهيب بين الطبقات، وفى الوقت الذى كان فيه الغرب معتاداً على تأمل صور الأهرامات والمنتجعات الجميلة على شواطئ البحر الأحمر، كان الفقر المدقع يدمر حياة ملايين المصريين.

كانت تلك الفترة واحدة من أصعب الفترات بالنسبة لصناع القرار فى أمريكا الذين كانوا ينظرون لـ«مبارك» على أنه حليف مخلص للولايات المتحدة، وأنه، باعتباره رئيساً لأكبر دولة من حيث عدد السكان فى العالم العربى، يلعب دوراً محورياً فى المنطقة، ولم يكن من الممكن بالنسبة للمسئولين فى الولايات المتحدة أن يتجاهلوا حقيقة أن استمرار معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، أقرب حلفائنا، لا يستند إلا على عدد محدود من القادة فى المنطقة، مثل مبارك.

تزايدت الاضطرابات، وصار عدد المتظاهرين فى الشوارع يتضاعف يوماً بعد يوم، مع موجات متفرقة من العنف يأتى معظمها من جانب الحكومة، التى كانت تحاول وضع حد للمتظاهرين. وراح البيت الأبيض يعقد اجتماعات يومية لبحث ما إذا كان من الممكن أن تسهم الولايات المتحدة فى التوصل لحل سلمى يضمن الاستقرار فى الفترة المقبلة. كنت أنا ممثل المخابرات المركزية فى هذه الاجتماعات، ولم نكن نملك إجابة واضحة.

اتفق المشاركون فى اجتماعات الإدارة الأمريكية على أمرين، أولهما هو أن أحداً لا يمكنه أن يلقى بنفسه أمام قطار ثورة الناس السريع، كان من الواضح أن النتيجة النهائية لما يحدث سوف يتم حسمها فى مصر وليس فى الولايات المتحدة. الأمر الثانى الذى اتفقنا عليه هو أن واشنطن تقدر دعم «مبارك» طيلة سنوات حكمه فيما يتعلق بعملية السلام فى الشرق الأوسط وجهود مكافحة الإرهاب، إلا أن الوضع الداخلى فى بلاده قد تجاوز المرحلة التى يمكن إنقاذه فيها. وبدا وكأن أيامه قد أصبحت معدودة. لكن، ظلت وجهة النظر السائدة تقول إنه من الممكن أن يلعب «مبارك» دوراً فى عملية انتقال سلمى للسلطة لنوع جديد من الحكومات فى مصر.

اتفق ممثلو وزارات الخارجية والدفاع ومجلس الأمن القومى الأمريكى، على أنه لا توجد وسيلة يمكن للحكومة الأمريكية أن تدعم بها مباشرة أياً من مبارك أو هؤلاء الذين يريدون الإطاحة به. كان أفضل ما يمكننا عمله هو أن نقول علناً إن الولايات المتحدة تسعى لحل سلمى، ثم نعمل على المستوى الدبلوماسى من وراء الكواليس مع «مبارك» لكى نصل لنتيجة نهائية نتجنب فيها تفجر أى حمام دم، وتضمن فى الوقت نفسه، انتقالاً لحكومة جديدة، مستقرة.

طلب منى أن أسهم فى تحقيق ذلك. فعلى امتداد عقد كامل من الزمن، كانت لدى عدة لقاءات مع عمر سليمان، رئيس المخابرات العامة المصرية. كان رجلاً طويل القامة، متحفظاً، يجيد التعبير عن نفسه وآرائه. كان جنرالاً سابقاً فى الجيش يرتدى دائماً بذلة مدنية، وكان أيضاً، رجلاً بالغ الحكمة فيما يتعلق بالشئون الأمنية فى المنطقة، وكنا نلجأ لطلب استشارته دائماً فى أمورها المعقدة. كان بإمكانك أن تسأل عمر سليمان سؤالاً واحداً حول أى مسألة إقليمية، ثم اجلس بعدها لتنصت إلى ما يمكنه أن يتحول فيما بعد إلى محاضرة تستمر نصف ساعة مفعمة بوجهات النظر العميقة. لم يكن هناك ما يقطع ملاحظاته إلا سعاله الخفيف بحكم العادة، الذى كان يستفيد منه كل بضع دقائق لجمع وترتيب أفكاره، تمهيداً للتوسع فى مناقشة الموضوع.

مع سرعة خروج الموقف فى مصر عن السيطرة، استمرت الولايات المتحدة فى الضغط على «مبارك» للتوصل إلى حل وسط للأزمة، إلا أن الرئيس المصرى كان يثبت أنه يزداد عناداً فى كل يوم عن ذلك الذى سبقه. وبعد أربعة أيام من اندلاع المظاهرات ضده، فاجأ «مبارك» العالم بتعيين عمر سليمان نائباً له، وهو المنصب الذى ظل شاغراً لأكثر من ثلاثين عاماً. وإن كان «سليمان» هو أقرب المستشارين لمبارك خارج دائرة عائلته. استقبل المتظاهرون هذا التحرك بكثير من الفتور، لأنهم رأوا فيه حركة أخرى من «مبارك» للتشبث بالسلطة من خلال ترقية أكثر حلفائه قوة ونفوذاً.

أبلغنا «سليمان» أن الرسالة المطلوبة من «مبارك» لحل الأزمة هى «التنازل فوراً عن الحكم»
فى نفس الوقت، اتصل بى وسيط رجل أعمال دولى، لا يمكننى الكشف عن أى معلومات إضافية عن الوسيط ولا عن رجل الأعمال الذى يمثله. كان رجل الأعمال صديقاً لعمر سليمان، وأراد تمرير رسائل من «سليمان» لحكومة الولايات المتحدة من خلالى. كانت مصداقية الوسيط فوق مستوى الشبهات، وجعلتنى عدة نقاشات مع رجل الأعمال أتوصل إلى أمرين. الأول: هو أنه كان يتحدث بشكل مباشر مع عمر سليمان، وأنه كان يريد مصلحة لمصر والولايات المتحدة. وتلقيت موافقة مدير المخابرات المركزية وقتها «ليون بانيتا» وباقى زملائى، على التواصل مع عمر سليمان من خلال رجل الأعمال.

جرت عدة مناقشات على امتداد عدة أيام بعدها. وكانت الرسالة الأساسية التى أراد «سليمان» توصيلها للبيت الأبيض هى أنه يشعر بقلق عميق على استقرار بلاده، وأنه أراد المساعدة فى حل الأزمة، وسأل عما ينبغى للقاهرة عمله من وجهة نظر الحكومة الأمريكية، مع الحفاظ على تحقيق ذلك الهدف وأخذه فى الاعتبار.

على الرغم من أنه لم يتم ذكر ذلك صراحة ولا الإشارة له، كان افتراضنا أن «سليمان»، الذى كان قادراً على رفع سماعة الهاتف والاتصال مباشرة بى أو بمدير المخابرات المركزية، كان يسعى لنوع من الإنكار. فلو أن أحداً عرف أو شاهده يتحدث إلىّ، كانت دائرة الحكم الداخلية ستنظر إليه على أنه يعمل ضد «مبارك»، وهو ما كان فعلياً يقترحه بالضبط. كما أن «سليمان» لم يكن راغباً فى أن يقف صراحة ضد رئيسه.

كانت السرية أمراً مطلوباً، لأنه حتى مدير المخابرات العامة يمكن أن يكون عرضة للتجسس. كان من الواضح أيضاً أنه يسعى لطريقة يتجاوز بها تداعيات ما يحدث، وربما يخرج منه حتى فى منصب أعلى، كالقائد الجديد لمصر مثلاً، لم يغب عن بالى أبداً أن عمر سليمان كان يفعل ذلك من أجل نفسه.

نقلت رسالة عمر سليمان للإدارة الأمريكية، وقررت أن أرسل رداً لمدير المخابرات المصرية، أوضح فيها بالتفصيل توصيات الحكومة الأمريكية للتعامل مع الموقف. فى ذلك الوقت، كان مبارك يستعد لإلقاء خطبة طال انتظارها باعتبارها لحظة فارقة فى الأزمة. جلست مع «دينيس ماكدونوه» نائب مستشار الأمن القومى، فى مكتبه بالبيت الأبيض، على بعد خطوات من المكتب البيضاوى، ووضعنا مسودة لبضعة نقاط تود الولايات المتحدة أن ترى مبارك يقولها. كنا نرى أن هذه النقاط يمكن أن تسهم فى نزع فتيل الأزمة. طبع «ماكدونوه» هذه النقاط بأسرع من قدرتى على التفكير، وكانت الرسالة الأساسية المطلوبة هى: «لقد استمعت لمطالب الشعب، وسوف أتنحى فوراً عن الرئاسة. سوف أسلم السلطة لمجلس انتقالى له ممثلون من كل طوائف المجتمع المصرى، وسوف يدير المجلس شئون البلاد ويضع آليات إجراء انتخابات تحدد المسار الذى ستتخذه قيادة مصر فى الفترة المقبلة. وسوف يحدث ذلك كله فى سياق آمن ومنظم».


«واشنطن» وقفت بجانب المتظاهرين وتخلت عن «مبارك»
عدت أنا و«ماكدونوه» إلى غرفة الاجتماعات الذين كانوا فى غرفة «متابعة الموقف»، قلنا هذه النقاط علناً لكى نتأكد أنها تحظى بتأييد الجميع. وبمجرد أن تلقينا هذه الموافقة الجماعية، سلمنى «ماكدونوه» الورقة قائلاً لى: «قم بذلك، يا أخى».

من قلب غرفة متابعة الموقف قمت بالاتصال برجل الأعمال الوسيط، وأبلغته أن لدىّ رسالة لـ«سليمان» وأنها من أعلى المستويات فى الحكومة الأمريكية. وبدأت أتلو النقاط المطلوبة بدقة، وكان من الواضح أن الطرف الآخر يدونها حرفياً لأنه طلب منى أن أبطئ قليلاً مرة أو مرتين وأن أعيد عبارة أو اثنتين. وقال لى إنه سوف يمرر الرسالة إلى «سليمان» فوراً. بعدها، اتصل الوسيط بى ليخبرنى أن «سليمان» لم يتلق الرسالة فحسب، لكنه نجح أيضاً فى إقناع مبارك بأن يضمن هذه النقاط فى ملاحظات خطابه.

تصادف الاجتماع التالى فى غرفة متابعة الموقف الأمريكية مع الخطاب الذى ألقاه مبارك فى ١ فبراير ٢٠١١. جلسنا جميعاً نتابع بترقب شديد ما يقوله، لكن، سرعان ما اتضح أن مبارك يسير فى اتجاه يختلف عن النقاط التى ناقشناها مع عمر سليمان. ظل مبارك يتحدث عن المتظاهرين السلميين والشباب النبيل والمواطنين الذين يستغلهم من يسعون وراء المواجهة والعنف. وأوضح تماماً أن واجبه المقدس هو حماية البلاد وأنه سيستمر فى ذلك حتى نهاية فترته الرئاسية. كان أقصى ميل له فى اتجاه مطالب المتظاهرين هو قوله بأنه لم يكن ينتوى الترشح لفترة رئاسية جديدة. كانت ردة فعل الشارع المصرى سريعة وعنيفة، قابلتها ردة فعل مماثلة من قوات الأمن.

«سليمان» أبلغنا أنه يشعر بالقلق الشديد على استقرار بلاده وأنه يريد المساعدة على حل الأزمة
شعرت بالسوء من أجل مصر بالطبع، لكن أيضاً شعرت بالسوء لأن طرقى الدبلوماسية الخاصة قد فشلت بذلك الشكل الذريع. أصبح من الواضح بالنسبة لى أن تأثير عمر سليمان لا يمكنه أن يعادل نفوذ زوجة مبارك «سوزان»، ولا ولده «جمال» الذى كان يعده ليخلفه فى الحكم.

كانت خطبة «مبارك» نقطة تحول بالنسبة للحكومة الأمريكية، واتخذ باراك أوباما أول خطوة لإبعاد نفسه عن حليفنا العتيد بعد أن قال علناً فى اليوم التالى لخطاب مبارك: «أن عملية انتقال السلطة فى مصر لا بد أن تكون سلمية، وذات معنى، ولابد أن تبدأ الآن».. وفى الوقت الذى تزايد فيه العنف، ازدادت حدة النقاش فى البيت الأبيض. كان من الصعب بالنسبة لكثيرين أن يقبلوا التخلى عن حليف قديم مثل مبارك، إلا أن آخرين رأوا أن الوقت قد حان لذلك بالفعل. وجاءت اللحظة الفارقة عندما وجهت «سوزان رايس» مندوبة أمريكا فى الأمم المتحدة، سؤالاً للرئيس أوباما: كيف يريد أن يحكم عليه التاريخ، على أنه كان فى صف مبارك أم فى صف الشعب المصرى. واتخذ الرئيس «أوباما» قراره بأن يخطو خطوة كبيرة بعيداً عن مبارك، وأعد بياناً قال فيه: «إن أصوات الشعب المصرى لا بد من سماعها. اتخذ «أوباما» بذلك جانب المتظاهرين تماماً، وأبعد نفسه عن مبارك الذى استقال بعدها بفترة وجيزة.

بعدها بقليل، قمت بزيارة للمنطقة شملت مصر وإسرائيل والسعودية والإمارات. وسألنى أصدقاؤنا فى المنطقة: كيف استطعنا التخلى عن حليف عتيد مثل مبارك بهذه السرعة؟. كان السؤال الحقيقى الذى لم ينطقه أحد هو: ما السرعة التى سنتخلى بها عنهم لو أنهم واجهوا ظروفاً مماثلة؟. كان الواقع أننا لم نكن نملك خياراً آخر فى حالة مصر، لم نكن نملك طريقة ننقذ بها مبارك.

وفى مصر، جاء محمد مرسى ليخلف مبارك فى الحكم. كان «مرسى» عضواً بارزاً فى جماعة الإخوان، وبدأ سريعاً يسعى لكى يضمن لنفسه صلاحيات غير عادية. اتضح أن «مرسى» قائد بالغ السوء، يتخذ قرارات سيئة على المستويين السياسى والاقتصادى. وأياً كانت مكاسب وجود رئيس منتخب بإرادة شعبية، فإن هذه المكاسب تضيع تماماً فى حالة الإدارة السيئة للحكم. كان ذلك ضد ما يتمناه الكثيرون داخل مصر وخارجها. هؤلاء الذين كانوا يأملون أن يقود «مرسى» جهود إعادة النشاط للقطاع الاقتصادى المصرى وإتمام عملية انتقال البلاد إلى الديمقراطية. كان أحد تجليات سوء إدارة مرسى فى الحكم، أنه على الرغم من أن آليات مكافحة الإرهاب فى مصر ظلت سليمة بعد ٢٠١١، إلا أنه لم تكن هناك إرادة سياسية لتحريكها. كفت المخابرات والجيش وأجهزة تنفيذ القانون عن محاربة تنظيم القاعدة؛ لأنها شعرت أنها لا تحظى بدعم القيادة السياسية لمواصلة تنفيذ مهامهم. وفى فترة قصيرة، عادت القاعدة التى كانت تعانى من الهزيمة فى مصر على مدى عشرين عاماً، لتصنع لنفسها معاقل فى سيناء ومناطق أخرى فى مصر، وأصبح بإمكانها أن تشن من هذه المعاقل هجمات على خطوط إمداد الغاز للأردن وإسرائيل، وعلى الأماكن السياحية، وتحولت سيناء من منطقة جاذبة للسياحة إلى ساحة حرب.

لم تكن حكومة «مرسى» تفعل أى شىء. ولم يجد البيت الأبيض مفراً من أن يرسل «قيصر» مكافحة الإرهاب فى أمريكا «جون برينان» إلى مصر ليخبر «مرسى» أن القاعدة تستعيد عافيتها سريعاً فى مصر، وأن هدفها النهائى سيكون قتل مرسى نفسه والإطاحة بحكومته. حظى «برينان» بانتباه «مرسى» ساعتها وعادت عمليات مكافحة الإرهاب بشكل جزئى ضد القاعدة. وبعدها بعدة أشهر، قرر الجيش المصرى أنه قد اكتفى مما يحدث وتمت إزاحة مرسى من الحكم بعد أقل من عام على توليه منصبه.

وفى اليوم الذى تحرك فيه الجيش المصرى ضد «مرسى»، تلقيت اتصالاً هاتفياً من أحد كبار السفراء العرب فى واشنطن. سألنى ببساطة: «مايكل، ما رأيك فيما يحدث فى مصر؟». قلت: «هذا شىء جيد، مرسى كان يقود البلاد نحو الخراب، نحو عدم الاستقرار والتطرف. الآن أصبح أمام مصر فرصة جديدة».. كنت أعلم أن ما أقوله يتعارض مع سياسة الولايات المتحدة، لكننى اعتدت طيلة عمرى على أن أقول الحقيقة كما أراها. قال السفير لى: «لقد أجريت عدة مكالمات مماثلة على امتداد اليوم. أنت أول من يقول إن هذا أمر جيد.. أنت على حق».
منقول عن الوطن الرابط
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
مُشاطرة هذه المقالة على: Excite BookmarksDiggRedditDel.icio.usGoogleLiveSlashdotNetscapeTechnoratiStumbleUponNewsvineFurlYahooSmarking


    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أغسطس 23, 2017 6:15 am